هل أنكر أحد من المسلمين حجية السنة؟!

15 يوليو 2024
مدونة نَشر
هل أنكر أحد من المسلمين حجية السنة؟!


 هل أنكر أحد من المسلمين حجية السنة؟!



د. أحمد قوشتي عبدالرحيم




قد تقدمت الإشارة إلى أهمية التفرقة بين حجية السُّنَّة في ذاتها، من حيث هي كلامٌ صادر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم واجب الاتباع، وبين طريقة نقلها وروايتها، والمتمثلة في الأخبار والمرويات من جيل لآخر نقلًا متواترًا أو آحاديًّا، مع الإقرار بعمق التلازم ووثاقة الصلة بين الأمرين.

  لكن عدم إدراك الفرق المذكور أدى إلى حصول شيء من اللبس والخلط عند بعض من تكلموا حول هذه المسألة، فحجية السُّنَّة في ذاتها أمر متفق عليه بين سائر المسلمين، لم تُنازع فيه فرقة من فرقهم، وأما الأخبار من حيث هي طريقة لنقل السُّنَّة فذلك الذي وقع فيه نزاع طويل، بل وصل الأمر إلى إنكار حجيتها بالكلية عند طوائف من الفرق المغالية.

وقد حكى الإمام الشافعي اتفاق أهل العلم في عصره على وجوب العمل بالسُّنَّة واتباعها، سوى فرقة شاذة لا يُلتفت إلى قولها، نافيًا أن يكون سمع «أحدًا -نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم- يخالف في أن فرض الله عزَّ وجلَّ اتباعُ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم لحكمه... وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا في قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- واحد لا يختلف»([1]).


ونقل ابن حزم إجماع المسلمين على تكفير من يقتصر على العمل بالقرآن ويجحد حجية السُّنَّة، أو يعتقد عدم لزوم العمل بما فيها، ناسبًا هذا الإنكار إلى بعض غلاة الروافض([2])، وعلى نفس المنوال نص السيوطي في كتابه الذي ألفه خصيصًا للدفاع عن السُّنَّة على «أن من أنكر كون حديث النبي صلى الله عليه وسلم قولًا كان أو فعلًا، بشرطه المعروف في الأصول- حجة؛ كفر وخرج عن دائرة الإسلام»([3]).


كما انتهى عدد من الأصوليين إلى أن حجية السُّنَّة ضرورة دينية، وبدهية من بدهيات الإسلام، لا تحتاج إلى كثير إطالة في تقريرها([4])، ومن ثم لا ينشغلون في كتبهم بتقرير حجيتها، اعتمادًا على كونها من الضروريات، ويصير الحديث عن حجية الكتاب والسُّنَّة من مباحث علم الكلام وليس علم الأصول؛ لأن الخلاف فيها مع منكري الإسلام، والخارجين عن دائرته، وليس بين المسلمين أنفسهم([5]).


وعلى مستوى الفرق الكلامية نجد ابن تيميَّة يبرئ المعتزلة وسائر الطوائف الأخرى من تهمة إنكار حجية السُّنَّة «فليس في المعتزلة ولا غيرهم من المسلمين من يقول: لا أقر بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، بل كل مسلم يقول: إن ما أخبر به الرسول فهو حق يجب تصديقه، وكل المسلمين من أهل السُّنَّة والبدعة يقولون: آمنت بالله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله، فإنه متى لم يقر بهذا فهو كافر كفرًا ظاهرًا»([6])، وإن كان – رحمه الله - قد أشار إلى أن هذا القدر وحده لا يكفي لتمييز مذهب أهل السنة عن غيرهم ، كما أن النزاع لم يقع في حجية السُّنَّة ذاتها، وإنما في ثبوت نقلها ودلالة ألفاظها " فالمبتدع إذا نازع السني لا ينازعه في تصديق الرسول في كل ما أخبر به ، لكن ينازعه هل أخبر بذلك الرسول أم لا؟ وهل خبره على ظاهره أم لا؟ "[7]


ولا يخدش في حكاية هذا الاتفاق المذكور آنفا ما نُسِبَ إلى الخوارج من إنكار حجية السُّنَّة، وقصرهم مصدر تشريع الأحكام على القرآن فحسب، ونفيهم حد الرجم، والمسح على الخفين، وما أشبه ذلك مما ثبت بالسُّنَّة وحدها([8])؛ لأن هذه النسبة لم تشملهم جميعًا، وإنما عزيت إلى بعضهم، كما أننا لا نملك من مؤلفاتهم ما نستطيع من خلاله التحقق من ثبوت هذا القول عنهم، ثم لا ننسى موقفهم الشاذ من الصحابة والتابعين والحكم بتكفيرهم، وبذلك تنعدم الثقة في جميع ما رووه، ويصير إنكارهم لحجية السُّنَّة -لو صحَّ- مُنصبًّا على التشكيك في المرويات، لا في السُّنَّة ذاتها.


وكذلك الحال فيما نسبَه كلٌّ من الخياط([9]) وعبد القاهر البغدادي([10]) وابن حزم([11]) والسيوطي([12]) إلى الشيعة؛ من إنكار السُّنَّة ونفي حجيتها، فإذا نحينا جانبًا آراء غلاة الروافض، الذين مرقوا من الإسلام، وزعموا أن النبوة كانت لعلي رضي الله عنه([13])، ولكن جبريل عليه السلام أخطأ في إنزالها على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فلا وجود للسُّنَّة، لعدم ثبوت النبوة أصلًا، فإن الشيعة في مجملها تقر بوجود السُّنَّة وحجيتها ولزوم اتباعها، وإن كان ثمة فرق شاسع بين مفهومها عندهم ، وما يعدونه سُنَّة وبين ما هو كذلك عند أهل السُّنَّة والجماعة، ولهذا فقد انفردوا بكتب ومرويات وقواعد جرح وتعديل خاصة بهم، مما أدى إلى إنكارهم كثيرًا من مرويات أهل السُّنَّة وتضعيفها، والاعتداد بمرويات منسوبة لأئمتهم، ليس لها نصيب من الصحة في ميزان النقد السُّني[14].


 وهكذا يمكن القول - كما قرر ذلك نفر من الباحثين المعاصرين([15])- إن جميع المسلمين متفقون على حجية السُّنَّة سوى طوائف شاذة منحرفة، هم على التحقيق خارجون عن دين الإسلام، ولا صحة لما زعمه بعض المستشرقين من أن جميع المدارس الفقهية القديمة، فضلًا عن أهل الكلام قد عارضت السُّنَّة، وقاومتها كعنصر جديد، ودخيل في مجال فقههم، حتى جاء الشافعي، وناضل لهدم تلك الفكرة([16])؛ بل العكس هو الصحيح، فالجميع مقر بحجيتها، ومعتمد عليها، وإن كان هذا الإقرار في كثير من الأحوال لم يتعد درجة التسليم النظري.

  أما من ناحية التطبيق والاستدلال فكم عانت السُّنَّة ممن أوسعوا أحاديثها ردًّا وتضعيفًا لأدنى معارضة، وضيقوا من دائرة الاحتجاج بها ، بحيث لم يعد هناك أدنى فائدة من القول بحجيتها مع إنكار صحة الأخبار جملةً وتفصيلًا، أو إثبات المتواتر فحسب ورفض ما سواه، ثم حصر المتواتر في بضعة أحاديث لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وتصير حجية السُّنَّة في نهاية المطاف هي حجية هذا العدد الضئيل، وما سواه فلا قيمة له، ولا يستطيع أن ينفرد بالتشريع عقديًّا أو فقهيًّا؟!


 ولا شك أن الإجماع على حجية السُّنَّة ينسحب على المعتزلة والأشاعرة، كما ينطبق على سائر المسلمين، غير أننا سنحاول أن نخص كلًّا من المدرستين بوقفة، تستجلي حقيقة نظرتهم إلى السُّنَّة، والمكانة التي حظيت بها خلال الإطار الفكري لكلا المذهبين.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) الشافعي «جماع العلم» ص 7- 9، تحقيق: محمد أحمد عبد العزيز.

([2]) انظر: ابن حزم «الإحكام في أصول الأحكام» (2/8).

([3]) السيوطي: «مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسُّنَّة» ص 13، 14.

([4]) انظر: الشوكاني «إرشاد الفحول» ص 29، وابن أمير الحاج «التقرير والتحبير» (2/225)، وسعد الدين التفتازاني «التلويح على التوضيح» (1/138، 139)، ود/ عبد الغني عبد الخالق «حجية السُّنَّة» ص 248، 249.

([5]) انظر: عبد العلي الأنصاري «فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت» المطبوع على هامش «المستصفى» (1/17)، والزركشي «البحر المحيط» (4/442).

([6]) ابن تيميَّة «شرح العقيدة الأصفهانية» ص 106 ، طبعة المكتبة العصرية ، بيروت .

[7] - المصدر السابق ص 106 .

([8]) انظر: عبد القاهر البغدادي «أصول الدين» ص 19.

([9]) انظر: الخياط «الانتصار» ص 148.

([10]) انظر: عبد القاهر «أصول الدين» ص 19.

([11]) انظر: ابن حزم «الإحكام» (2/208).

([12]) انظر: السيوطي «مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسُّنَّة» ص 13.

([13]) انظر: عبد القاهر البغدادي «الفَرْق بين الفِرَق» ص 269، وأبو المظفر الإسفراييني «التبصير في الدين» ص 74، 75، والشهرستاني «الملل والنِّحل» (1/175)، وابن حزم «الفصل» (5/42)، وإحسان إلهي ظهير «الشيعة والتشيع.. فرق وتاريخ» ص 200.

[14] - انظر أحمد قوشتي : الصراع بين الأخباريين والأصوليين داخل المذهب الشيعي الاثني عشري أصوله وأبعاده ص 76 .

([15]) انظر: د/ محمد محمد أبو شهبة «دفاع عن السُّنَّة» ص 13، د/ رؤوف شلبي «السُّنَّة الإسلامية بين إثبات الفاهمين ورفض الجاهلين» ص 37، وسالم البهنساوي «السُّنَّة المفترى عليها» ص 25، وعبد المتعال الجبري «حجية السُّنَّة» ص 34، ود/ عبد الغني عبد الخالق «حجية السُّنَّة» ص 245- 272.

([16]) See:J.Schacht: The Origins Of Muhammadan Jurisprudence p.57. Oxford 1979.

وانظر: مناقشة كلامه والرد عليه بتوسع د/ ساسي سالم الحاج «الظاهرة الاستشراقية وأثرها على الدراسات الإسلامية» (2/524)، مركز دراسات العالم الإسلامي (1991 م) ، وأحمد قوشتي : موقف الاتجاه الحداثي من الإمام الشافعي عرض ونقد ص 90 .





انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.




انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.