أمرَكةُ المرضِ النفسيّ

2 أغسطس 2026
مدونة نَشر
أمرَكةُ المرضِ النفسيّ

أمرَكةُ المرضِ النفسيّ[1].

مراجعةٌ لكتاب: "مجانينُ مثلنا: عولمةُ النفسِ الأمريكيَّةِ" لمؤلفِهِ إيثان واترز[2].

بقلم: ويد بيكرين[3].

ترجمة: مرح نصار علي[4].





تشيرُ مجموعةٌ متناميةٌ من الأدلةِ المستقاةِ من شتى بقاعِ العالمِ إلى أنَّه لا يمكنُنا التسليمُ بأنَّ البشرَ يختبرونَ ألوانَ الضيقِ النفسيِّ والوجدانيِّ بالطرائقِ ذاتِها، أو أنَّ علاجَ هذا النوعِ من الكروبِ مادةٌ قابلةٌ للتصديرِ بيسرٍ من ثقافةٍ إلى أخرى. ففي ساموا الأمريكية، على سبيلِ المثال، قد يُوصفُ المرءُ بأنَّه يعاني ممّا يُعرف بـ (ماي بوبولي) أو "سُقمِ القلقِ"، وذلكَ حينَ ينخرطُ في نزاعٍ يبدو مستعصيًا على الحلّ، أو على النقيضِ من ذلك، حينَ يتملَّكُهُ شجنٌ عميقٌ حيالَ أمرٍ وشيكِ الحدوث.

ويُعدُّ انصرامُ الوقتِ "الترياقَ" الأكثرُ شيوعًا لـ "سُقمِ القلقِ" هذا؛ فإذا ما التُمِسَت المساعدة، فمن المرجحِ أن يبوحَ المصابُ بمكنوناتِ صدرِهِ لأفرادِ عائلتِهِ أو لرجالِ الدين، بدلًا من اللجوءِ إلى أحدِ المتخصصينَ في الصحةِ النفسية.

إنَّ مثلَ هذهِ الأمثلةِ تفيضُ بكثرة، وهي تحذيرٌ لنا من مغبةِ تطبيقِ التصنيفاتِ التشخيصيةِ التي رُسِمَت ملامحُها في ثقافةٍ ما على المشكلاتِ التي تنبثقُ في ثقافةٍ مغايرة. كما أنها تنبهُنا إلى أنَّ علاجَ المتألمينَ قد يتخذُ صورًا شتى، وقد لا يستلزمُ بالضرورةِ التفاعلَ مع مهنيٍّ متخصصٍ Marsella, 1985)).


إنَّ هذهِ الحقائقَ البسيطةَ تتعرَّضُ اليومَ لهجومٍ حادّ، وفقًا لِما يراهُ الكاتبُ إيثان واترز؛ ففي كتابِهِ "مجانينُ مثلُنا: عولمةُ النفسِ الأمريكيَّةِ" (وكذلكَ في مقالِهِ "أمركةُ المرضِ النفسيِّ" المقتبسِ عن الكتابِ والمنشورِ في مجلةِ "نيويورك تايمز" في عددِ الثامنِ من كانون الثاني لعامِ 2010)، يستقصي واترز آفاقَ المفاهيمِ الغربيَّةِ -والأمريكيَّةِ على وجهِ الخصوصِ- للاضطراباتِ النفسيَّةِ وحدودَها في ظلِّ عالَمٍ يتَّجهُ نحو العولمة


ويُعدُّ واترز كاتبًا مخضرمًا، سبقَ لهُ أن طرَقَ أبوابَ المواضيعِ النفسيَّةِ بأسلوبٍ مُقنع، ولعلَّ أبرزَ أعمالِهِ ما شاركَ في تأليفِهِ مثلَ كتابِ "صناعةُ الوحوش" (Ofshe & Watters, 1996) الذي تناولَ حركةَ "الذاكرةِ المستعادة"، وكتابِ "أوهامُ العلاج" (Watters & Ofshe, 1999) الذي بحثَ في آليّاتِ تسويقِ العلاجِ النفسيِّ لفئة "الأصحاءِ القلقين". ويتَّسمُ قلمُهُ بالبراعةِ والسلاسةِ التي تجذبُ القارئَ الأمريكيّ؛ إذ يمكنُ القولُ إنَّ أسلوبَهُ يُمثّلُ نموذجًا للأدبِ الواقعيِّ الرائجِ في عصرِنا، وهو يشبهُ في طابعِهِ ما يُنشرُ في "New York Times" أو " the New Yorker" أو "The Nation"، وغيرها من المطبوعاتِ ذاتِ التوجُّهِ الليبراليِّ المعتدل.




ويقدّمُ كتابُ "مجانينُ مثلُنا" أربعَ قصصٍ تروي كيفَ صُدِّرَت الأفكارُ الأمريكيَّةُ حولَ الاضطراباتِ النفسيَّةِ وسبلِ علاجِها إلى بلدانٍ أخرى، وهو تصديرٌ غالبًا ما أسفرَ عن تبعاتٍ سلبيَّةٍ على السكانِ المحليينَ وثقافاتِهم. وتتوزعُ هذهِ القصصُ بينَ هونغ كونغ (فقدانُ الشهيةِ العصبيّ)، وسريلانكا (اضطرابُ ما بعدَ الصدمة)، وزنجبار (الفصام)، واليابان (الاكتئاب). ويزعمُ واترز أنَّ التصوُّراتِ الأمريكيَّةَ لهذهِ الاضطراباتِ قد جرى تصديرُها جنبًا إلى جنبٍ مع الوجباتِ السريعة، ومراكزِ التسوُّقِ المكيَّفة، والثقافةِ الشعبيَّة.

وبفعلِهم هذا، يمارسُ الأمريكيونَ نوعًا من الإمبرياليَّةِ العلميَّةِ أو النفسيَّة، على غرارِ المستعمرينَ الأوروبيينَ والبريطانيينَ في حقبةٍ غابرة، أولئك الذينَ سعوا إلى تقويضِ رؤى الشعوبِ الخاضعةِ لحكمِهم وأنماطِ حياتِهم أو تدميرِها، زاعمينَ أنَّ نظرةَ بلادِهم الأمِّ هي السبيلُ الأوحدُ والصحيحُ لرؤيةِ العالَم. وكما صرَّحَ اللورد ماكولي، عضو المجلسِ الأعلى للهند، في خطابٍ ألقاهُ في الثاني من فبراير عامَ 1835: "يجبُ علينا في الوقتِ الراهنِ أن نبذلَ قُصارى جُهدِنا لتنشئةِ طبقةٍ تكونُ بمثابةِ المترجمينَ بيننا وبينَ الملايينِ الذينَ نحكمُهم؛ طبقةٌ من الأشخاصِ، هنودٌ في دمائِهم ولونِهم، ولكنَّهم إنجليزٌ في أذواقِهم وآرائِهم وأخلاقِهم وعقولِهم".


ويذهبُ واترز إلى أنَّ الأمريكيينَ يفترضونَ أنَّ أدواتِ التشخيصِ والعلاجاتِ المنبثقةِ من الموروثِ الفكريِّ الغربيِّ هي وحدُها الصحيحة، ومن ثمَّ يرونَ أنَّ من واجبِهم "منحَها" لأولئك الأقلِّ حظًّا أو تنويرًا؛ وهو ما يُعدُّ صورةً من صورِ ما أسماهُ روديارد كيبلينج "عبءُ الرجلِ الأبيض". ويبدو أنَّ واترز يرى أنَّ الأمريكيينَ يقعونَ في هذهِ الأخطاءِ مدفوعين، في معظمِ الأحيان، برغبةٍ صادقةٍ في فِعلِ الخيرِ ومساعدةِ الجاهلينَ بالأساليبِ الحديثة. ومع ذلك، وكما يُبيّنُ في المثالِ السريلانكيّ، فإنَّ فرضَ معاييرِ العلاجِ الأمريكيَّةِ في بيئةٍ ما بعدَ الكارثة -وتحديدًا بعدَ زلزالِ "تسونامي" في ديسمبر 2004- قد يُسفرُ عن ضررٍ أكبرَ من النفع، وغالبًا ما تؤدّي مثلُ هذهِ الجهودِ إلى إرباكِ السكانِ المحليينَ وتأخيرِ تماثلِهم للشفاء.


يبدو أنَّ إحجامَ المتخصصينَ في الصّحةِ النفسيّةِ عن الاطّلاعِ والوعيِ الحقيقيِّ بالمعاييرِ الثقافيّةِ المحليّة، وما تنطوي عليهِ من أبعادٍ لفهمِ الاضطراباتِ النفسيّةِ وعلاجِها، قد أضحى ظاهرةً متوطنةً في مهنِ الصّحةِ النفسيّةِ في أمريكا الشماليّة. وقد عاينتُ هذا الأمرَ جليًّا في مدينةِ "تورنتو" -التي تُصنّفُها الأممُ المتحدةُ بوصفِها المدينةَ الأكثرَ تنوّعًا ثقافيًّا في العالَم- حيثُ تبدو أقسامُ علمِ النفسِ فيها مترددةً في الإقرارِ بالأهميّةِ الجوهريّةِ للثقافةِ في تشكيلِ معالمِ الصّحةِ والمَرضِ النفسيّين، وفي ضمانِ تلقّي الطلابِ تدريبًا حقيقيًّا ينمّي لديهم الوعيَ الثقافيّ.


ولا يُعدُّ علماءُ النفسِ في "تورنتو" استثناءً أو حالةً شاذةً بأيِّ شكل؛ فبالرغمِ من مرورِ ما يزيدُ على ثلاثينَ عامًا منذُ أن ألزمتِ "الجمعيةُ الأمريكيّةُ لعلمِ النفس" إدراجَ الحساسيّةِ والوعيِ الثقافيِّ كجزءٍ لا يتجزأُ من التدريبِ على الصّحةِ النفسيّة، إلا أنَّ الكثيرَ من أقسامِ علمِ النفسِ في أمريكا الشماليّةِ لم تُبدِ سوى التزامٍ شكليٍّ باهتٍ بهذا النوعِ من التدريب. ومن وجهةِ نظرِ المؤرخ، تُمثّلُ هذهِ الحالاتُ أمثلةً متوازيةً تعكسُ رغبةَ المستحوذينَ على القوةِ في عدمِ الاعترافِ بقيمةِ المعارفِ أو الممارساتِ الثقافيّةِ التي لا تنبعُ من إرثِهم الفكريِّ والمهنيِّ الخاصّ.


وإذا كانت ثلاثةٌ من الأمثلةِ التي قدَّمَها "واترز" تكتفي ببيانِ تداعياتِ الافتقارِ إلى المعرفةِ القائمةِ على الوعيِ الثقافيّ، فإنَّ مثالَهُ الأخيرَ خاصّةً يبعثُ على الوجلِ. إذ يسردُ روايةً تقشعرُّ لها الأبدانُ عن الكيفيّةِ التي انتهجتْ بها شركةُ الأدويةِ "GlaxoSmithKline" استراتيجيّةً معقّدةً وطويلةَ الأمدِ لتغييرِ المفهومِ اليابانيِّ للاكتئاب؛ سعيًا وراءَ خَلْقِ سوقٍ رائجٍ لعقارِ "باكسيل"، وهو علاجُهم الجديدُ المضادُّ للاكتئاب. لقد وظَّفتْ هذهِ الاستراتيجيّةُ أبحاثًا مستقاةً من علمِ النفسِ والطبِّ النفسيِّ عبرَ الثقافات، واستُخدِمَت المعارفُ الناتجةُ عن هذهِ الحقولِ لإحداثِ تغييرٍ في الثقافةِ اليابانيّة، لا سيَّما في مَنزعِها نحو تفسيرِ الحالاتِ المزاجيّة.


لقد قدَّمَ لورنس كيرماير، وأنتوني مارسيلا، وآرثر كلاينمان، وآلان يونغ، وكثيرونَ غيرُهم، طعونًا في السرديَّةِ السائدةِ التي تتبنَّاها الجمعيَّةُ الأمريكيَّةُ للطبِّ النفسيِّ ودليلُها "التشخيصيُّ والإحصائيُّ للاضطراباتِ النفسيَّة"، وبرهنَ هؤلاء الباحثونَ ومَن عاونَهم، مِرارًا وتكرارًا، على مركزيَّةِ المعتقداتِ والممارساتِ الثقافيَّةِ المحليَّةِ في ما يخصُّ الصحةَ النفسيَّةَ والاعتلالَ النفسيّ؛ إذ تعكسُ أعمالُهم مَدى ثراءِ التجربةِ الإنسانيَّةِ وتعقيدِها، وتؤكّدُ حاجتَنا الملحَّةَ إلى هذا التعقيدِ لفهمِ الحالةِ البشريَّةِ سبرًا دقيقًا.

كما تقفُ هذهِ الرؤيةُ في وجهِ قوى التنميطِ التي يمارسُها علمُ النفسِ والطبُّ النفسيُّ الغربيُّ (والأمريكيُّ بوجهٍ خاصّ)، وتُسائلُ -فوقَ كلِّ شيء- نفوذَ شركاتِ الأدويةِ التي تتطلّعُ لجنيِ ملياراتِ الأرباحِ عبرَ مَدِّ نِطاقِ التصنيفاتِ المرضيَّةِ النفسيَّةِ الغربيَّةِ لتشملَ سائرَ أصقاعِ العالَم.

وعلينا كذلكَ أن نحذرَ من تلكَ الغطرسةِ الثقافيَّةِ التي ترومُ تصديرَ معاييرِ التدريبِ النفسيِّ الأمريكيَّةِ إلى مجتمعاتٍ تتبنّى رؤىً مختلفةً تمامًا للذاتِ والهويَّةِ والعلاقات، ممّا يُفضي بالضرورةِ إلى مفاهيمَ مغايرةٍ للصحةِ النفسيَّة؛ فالعالَمُ اليومَ أحوجُ ما يكونُ إلى التنوُّعِ والتغايرِ في ممارساتِ الصحةِ النفسيَّة، لا إلى القولبةِ والتجانس.

وختامًا، تجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ الكائناتِ البشريَّةَ ذواتٌ فاعلةٌ وليست مجرَّدَ أوعيةٍ سلبيَّةٍ تتلقَّى المعاييرَ والثقافةَ الغربيَّةَ تلقّيًا مجرَّدًا. ولعلَّ هذا هو مكمنُ الضعفِ الأكثرُ جلاءً في كتابِ واترز، الذي يُعدُّ رغْمَ ذلكَ كتابًا شائقًا ومُثريًا؛ فقد أخفقَ المؤلفُ في وضعِ "الفاعليَّةِ البشريَّةِ" في حُسبانِه، وقدرةِ أبناءِ الثقافاتِ غيرِ الغربيَّةِ على مقاومةِ مَساعي فَرضِ الأطرِ الفكريَّةِ الغريبةِ والدخيلةِ عليهم.

يغفلُ واترز عن المآلِ الأكثرِ شيوعًا للتفاعلاتِ الثقافيَّةِ، والمتمثّلِ في "تهجينِ" المعارفِ والممارسات (Canclini, 2005; Hermans & Kempen, 1998; Pickren, 2010).



المَراجِع:


  •  Canclini, N. G. (2005). Hybrid cultures: Strategies for entering and leaving modernity. Minneapolis: University of Minnesota Press.
  •  Hermans, H. J. M., & Kempen, H. J. G. (1998). Moving cultures: The perilous problems of cultural dichotomies in a globalizing society. American Psychologist, 53, 1111–1120.
  •  doi:10.1037/0003-066X.53.10.1111
  •  Macaulay, T. B. (1865). Minute of 2 February 1865 on Indian education. Retrieved from http://www.fordham.edu/halsall/mod/1833macaulay-india.html
  •  Marsella, A. J. (1985). Culture, self, and mental disorder. In A. J. Marsella, G. DeVos, & F. L. K. Hsu (Eds.), Culture and self: Asian and Western perspectives (pp. 281–307). New York, NY: Tavistock.
  •  Ofshe, R., & Watters, E. (1996). Making monsters: False memories, psychotherapy, and sexual hysteria. Berkeley: University of California Press.
  •  Pickren, W. E. (2010). Hybridizing, transforming, indigenizing: Psychological knowledge as mélange. Boletín de la Sociedad de Historia de la Psicología, 44, 6–12.
  •  Watters, E., & Ofshe, R. (1999). Therapy’s delusions: The myth of the unconscious and the exploitation of today’s walking worried. New York, NY: Scribner.


---------------------

[1] العنوانُ في أصلِهِ الإنجليزيِّ هو: " Should the World Be as Apple as American Pie?" وقد آثرتُ استبدالَهُ بعنوانِ "أمركةُ المرضِ النفسيِّ" لكونِهِ يغوصُ في جوهرِ القضيَّةِ العلميَّةِ المطروحةِ، متجاوزًا الاستعارةَ الثقافيَّةَ الأمريكيَّةَ (As American as apple pie) التي ترمزُ في الوجدانِ الغربيِّ إلى الجوهرِ الوطنيِّ الأصيل.

[2] إيثان واترز (Ethan Watters) كاتب وصحفي استقصائي أمريكي. تتركز مؤلفاته وأبحاثه حول النقد الاجتماعي للممارسات النفسية، والطب النفسي الثقافي، وعولمة المفاهيم الطبية الغربية.

[3] ويد بيكرين (Wade Pickren) عالم نفس ومؤرخ ومؤلف أمريكي. شغل منصب مؤرخ الجمعية الأمريكية لعلم النفس، تتركز أبحاثه ومؤلفاته حول تاريخ علم النفس السياقي، والتنوع الثقافي، والعدالة البيئية والاجتماعية.

[4] باحثة فلسطينية في فلسفة اللغة والأدب والنّقد، ومهتمة بقضايا الفكر المعاصر.




انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.