طالب العلم والمقاصد الصالحة
د. حامد بن أحمد الإقبالي
يعتبر طلب العلم من أزكى الأعمال حين تدخل عليه النية الحسنة ، وتكون نيّته فيه متوجهة إلى الله بحيث يقصد به وجهه سبحانه وتعالى ، فينتفع ويتواضع به حتى تكون صفته الإرادية هي عبادة الله بالعلم ، ولهذا عندما قيل للإمام لأحمد بن حنبل: حدثنا ما أفضل الأعمال قال: طلب العلم قيل: لمن، قال: لمن صحت نيّته قيل: وأي شيء يصحّح النية ، قال ينوي يتواضع فيه وينفي عنه الجهل"([1]) لكن سؤال ما قبل العلم هو : لأي شيء يُطلب العلم ، هل يطلب لأغراض دنيوية أو مقاصد صالحة ؟ والأولى أن يطلبه للمقاصد الصالحة وليرفع عن نفسه قيود الجهل وآصار الضلالة كما يشير إليه الإمام أحمد ، وذلك "أن المؤمن لا يحسن به الجهل ، فيتوجب عليه طلب العلم لينفي عن نفسه الجهل"([2]) وذلك لأن الجهل لا يعود على النفس بالخير إنما بالضرر والشرور، قال الإمام مالك بن أنس " ما تعلمت العلم إلا لنفسي، وما تعلمتُ ليحتاج الناسُ إليَّ، وكذلك كان الناسُ أي: العلماءُ"([3]) فأول النيات الصالحة في التعلّم أن يستثمر كل أحد ٍ هذا العلم في صلاح نفسه وتزكية خلقه، لأن النفس إذا عرفت انتفعت وأصلحت الآخرين.
وهنا ثلاثة أقوال للإمام الشافعي مما يدلّ على نية التواضع وقصد نفع الخلق التي يورثها العلم للعلماء ، يقول: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على أن لا ينسب إلي حرف منه، وقال أيضاً: ما ناظرت أحدا قط على الغلبة ووددت إذا ناظرت أحدا أن يظهر الحق على يديه ، وقال أيضاً : ما كلمت أحدا قط إلا وددت أن يوفق ويسدد ويعان ويكون عليه رعاية من الله وحفظ([4]) وإذاً فإن هذه المطابقة بين أئمة المذاهب الفقهية وأعلام الاجتهاد على أدب العلم : نية التواضع ولين الجانب ، على الرغم من كثرة اختلاف الناس إليهم لطلب العلم وإعراضهم عن تحصيل ملذات الدنيا والجاه والمال من كل سبيل ، يدل على أن الشأن ما خبروه وقالوه.
وقد قرّر أهل العلم – بأحوالهم وأقوالهم- أنّ العلم مقدّم على ماسواه من النوافل، إذا أراد بذلك طلب مرضاة الله ومعرفته حق المعرفة ، فهذه هي النية الصالحة في طلب العلم وليس التكثّر من المعرفة المجردة من العبادة ، أو العلم الخالي من خشية الله ، ومن ذلك أن أحد أصحاب الإمام مالك بن أنس كان عنده فجاءت صلاة الظهر أو العصر ، وهو يقرأ عليه وينظر في العلم بين يديه ، فرفع كتبه وقام ليصلّي ، فقال له مالك : ما هذا ؟ فقال : أقوم للصلاة ، قال : إنّ هذا لعجب ، فما الذي قمت إليه بأفضل من الذي كنت فيه إذا صحت النية فيه([5]) .
فيتعيّن على طالب العلم أن يستشعر أهمية طلب العلم وأنه من فروض الدين المقررة لأن الإنسان إذا عرف نفسه عرف ربّه ، وعبده كما يريد منه خالقه عز وجل ، قال الثوري:"لا نعلم شيئاً من الأعمال أفضل من طلب العلم والحديث لمن حسنت فيه نيته، قيل له: وأي شيء النيّة فيه؟ قال: يريد الله والدار الآخرة"([6]) ويمكن في هذا الباب اعتبار أنّ الحصول على الشهادة العلمية ليس منافياً للنيّة الصالحة ، اذا كان هدف صاحبها نفع الخلق وتعليمهم ، وإنما يتعارض متى كانت نيّته بغرض الحصول على المرتبة الوظيفية والمنصب الحكومي وجلب الجاه الاجتماعي، أو كانت لمجرّد التلذّذ بالشهوات والزهو بالثياب الفاخرة ، يقول العلامة ابن عثيمين "العلم الشرعي أعز وأرفع وأعلى من أن تريد به عرضاً من الدنيا ، عرض الدنيا ما الذي تنتفع به آخر أمره أن يكون في محل القاذورات ؟! تأكل وتشرب ويذهب للمرحاض"!([7]).
ولهذا جاءت الشريعة بالتحذير من طلب العلم لاسيما العلم الشرعي والنافع لأجل مكانة دنيا زائلة، الأمر الذي يدل على شرف العلم الذي يستدعي نيّة صالحة وإرادة شريفة ، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تعلّم علماً مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة"([8]) ومن وقع في مثل هذه النيّة المرذولة فقد يجد ملاذاً له إذا ندم على ذلك وجدّد إرادته لله سبحانه وتعالى ، يقول الإمام عبدالعزيز بن باز "الذي تعلّم علمًا مما يبتغى به وجه الله من أجل الوظيفة أو من أجل أغراض أخرى؛ فإن عليه التوبة إلى الله من ذلك، والله يمحو عنه ما حصل من النيّة الفاسدة([9]).
فيمكن إذاً للإنسان أن يتدارك عمله في تصحيح نيته وتصويب وجهته ، وهناك شواهد على علماء لم تكنّ إرادتهم خالصة لله سبحانه وتعالى في بداية الطلب ، لكنهم حين ذاقوا لذّة معرفة الله سبحانه وتعالى ،أُنيرت بصائرهم إلى مراد الله وتخلّصوا من إراداتهم السابقة، ومن ذلك مارواه الرامهرمزي أنه قال رجل في مجلس سفيان بن عيينة : يا أبا محمد ، نشدتك بالله أطلبت هذا العلم يوم طلبته لله؟ فأعرض عنه سفيان ثم قام الثانية فقال مثل مقالته فأعرض عنه ،ثم قام الثالثة فقال مثل مقالته فقال سفيان : اللهم لا ، إنما طليناه تأدباً وتظرفاً ، فأبى الله إلا أن يكون له([10]) وقال سفيان الثوري قولاً شبيهاً بذلك : طلبت العلم ولم تكن لي نيّة ثم رزقني الله النيّة([11]) وهكذا إذا قاد العلم الحقيقي بزمام النفس إلى سبيل الله ومحبته سبحانه وتعالى ، حتى زالت الغشاوات وسقطت الرعونات ، وحلت البركات.
فطلب العلم يتطلب ضبط النية وإدامتها إذاً بل ومراقبتها كل حين ، لأنها تتفلّت وتتقلّب ، وقد تفسد في منتصف الطريق وهي قد بدأت بوجه مشروع صالح ،حتى قال أحد علماء الحديث "ربما أُحدِّث بحديث واحد ولي نيّة، فإذا أتيت على بعضه تغيّرت نيّتي، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيّات"([12]) وهذا يؤكد على قضية تتابع مبدأ الإخلاص في طلب العلم ، وأنه ليس شرطاً ابتدائياً فحسب، وقد كان من دعاء مطرّف بن عبدالله " اللهم إني استغفرك مما تبت إليك منه ثم عدت فيه ، وأستغفرك مما جعلته لك في نفسي ثم لم أفِ لك به ، وأستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمت"([13]).
وعدّ ابن حزم أن من أعظم الذنوب وأحطّ الدركات التي ينزل اليها الإنسان ؛إذا ساءت مقاصده في طلب العلم لاسيما إذا اتخذها فخاً يصطاد به سقط المتاع ، وحبلاً يجمع به حطام الدنيا من مال أو جاه أو مكاثرة في الاتباع ، واشتدّ نكيره حين قال "وليت شعري على ماذا يحصل المسكين الذي يطلب العلم ليحظى به في دنياه والله لا حصل من ذلك إلا على دنيا منغّصة ولباس خشن، ولذات يستتر بها استتار الغراب بسفاده ولا يتهنّاها موفرة ([14]) وفي قصة أبي حامد الغزالي الذي ترك التدريس في المدرسة النظامية ببغداد شاهد على ضرورة خلوص النية في طلب العلم ونشره وتفقد ذلك كل حين ، فقد لازمه شعور نفسي طويل ظل يؤرقه بسوء مقصده في التدريس وانحراف نيته ، حتى قال عن نفسه في سيرة ذاتية صادقة " ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أني على شفا جرف هار" ([15]) على الرغم من أنّ هذه النية ، قد تكون عرضت عليه لاحقاً أثناء تعليمه لطلبة العلم إلا أنه رأى أن الحلّ في : الخروج من هذه النيّة ، بل الخروج من موطنه(بغداد) ومفارقة جميع تلك الأحوال.
وقد تنبّه علماء الإسلام أيضاً لقضية النيّات في كتابة العلم ونفع الناس ، وجعلوا منطلق إراداتهم الإخلاص ورضا الله سبحانه وتعالى حتى لا ترتدّ هذه الكتابات أسىً وتنقلب وبالاً عليهم ، ومن ذلك ما صاحب كتاب (التمهيد ) من قصة تأليف مالك لموطأه ، حين كان عبد العزيز بن الماجشون أول من عمل الموطأ ، يقول ابن عبدالبر: لما رآه مالك قال: ما أحسن ما عمل ولو كنت أنا لبدأت بالآثار ثم شددت بالكلام، ثم عزم على تصنيف الموطأ فعمل من كان بالمدينة يومئذ من العلماء الموطآت، فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله؟ فقال: ايتوني به فنظر فيه ثم نبذه وقال: لتعلمنّ ما أريد به وجه الله تعالى، قال: فكأنما أُلقيت تلك الكتب في الآبار([16]) ولا يبتعد عنه صنيع البخاري في حديث (إنما الأعمال بالنيات) فقد وضعه أول حديث في جامعه الصحيح على الرغم من غرابته في السند ، وقد ألمح شارحه ابن بطال إلى أنه ربما أراد من ذلك إشارة إلى مقصده في تصنيفه هذا الكتاب وهو: وجه الله عز وجل، وفي هذا تنبيه لكل من قرأ كتابه، أن يقصد به وجه الله تعالى ([17]) ثم جاء النووي فصدّر كتابه (رياض الصالحين) بهذا الحديث كصنيع البخاري، حتى أضحى أشهر كتب شروح الحديث والوعظ والدروس العلمية بين أهل المعرفة والعوام ، يقرأه الناس في المساجد وتتدارسه دور العلم.
ويتبقّى هنا حالة أخيرة لم تناقش ، وهي المرحلة الوسطى بين النيّة الخالصة لله تعالى في العلم والنيّة المباحة فيه أو ممن اختلطت عليه النيات واشتركت في إرادتين ، كأولئك الذين تعلّموا محبة للعلم لكنهم لم يجتازوا هذه المنطقة الوسطى للانتقال إلى الضفة الصالحة ، وقد أدخلها بعض العلماء داخل نطاق النيّة الحسنة، وإن كان ينقص أجره، وقرّر ابن مفلح أن طلب العلم لا يتوقف على الإخلاص فيه "فمن فعل هذا أو غيره ومما هو خير في نفسه لما فيه من المحبة له، لا لله ولا لغيره من الشركاء، فليس مذموماً، بل قد يثاب بأنواع من الثواب: إما بزيادة فيها وفي أمثالها، فيتنعم بذلك في الدنيا، ولو كان كل فعل حسن لم يفعل لله مذموماً لما أطعم الكافر بحسناته في الدنيا، لأنها تكون سيئات وقد يكون من فوائد ذلك وثوابه في الدنيا أن يهديه الله إلى أن يتقرب بها إليه"([18]) أما الذهبي فقد عدّ هؤلاء من المازجين بين الإرادتين وأنه تشملهم الآية الكريمة ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم) ([19]) فهذة قاعدة نفيسة في هذه المسألة ، فقد يتعلّم الإنسان العلم رغبة في التعلّم ومحبّة في المعرفة وهي حالة متوقفة بين بذل النيّة لله سبحانه وتعالى وبين إنشائها من أجل أغراض دنيوية زائلة ، فأصبحت بهذا الحكم داخلة في عموم النيّة الحسنة المشوبة بشيء من الإباحة.
وما يدعم دخول محبة العلم النافع في النية الحسنة ، أن شيخ الإسلام ابن تيمية رأى أن طلب العلم النافع لا يكون في الأصل إلا بنيّة صالحة وإن لم يستحضرها ، معللاً ذلك بأنه لا يمكن أن يكون طلب العلم لغير الله ، وهذه الميزة ليست إلا للعلم وذلك لأن العلم لا يكون إلا قبل النية ، فإذا حصل العلم حضرت النيّة ، ولهذا قال معلقاً على من قال أن البعض يطلب الحديث بغير نيّة : طلبهم له نيّة .. لأنّ العلم هو الدليل المرشد ، فإذا طلبه بالمحبة وحصّله عرفّه الاخلاص لله والعمل به ، فالقصد والنية مشروط بمعرفة المقصود فإذا لم يعرفه كيف يتقرب إليه؟([20]) ويعني بذلك أن نفس الطلب حسن ونافع ، فالعلم النافع يحمل داخله قيمة أخلاقية تؤدي إلى الخير ، لأنّه يصلح النفس ويزكيها من الجهل ،حتى ولو طلبه الإنسان خوفاً من معرّة الجهل وريب القلب فإنها إرادة حسنة.
____________________________
[1] - ابن مفلح ، الآداب الشرعية ، (2/37)
[2] - الآجري ، أخلاق العلماء ،ص47.
[3] - الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، (8/66) .
[4] - النووي ، المجموع ، (1/28)
[5] - ابن عبدالبر ، جامع بيان العلم وفضله ، (1/122).
[6] -بنر رجب ، مجموع الرسائل ، (1/37)
[7] - ابن عثيمين ، شرح رياض الصالحين ، (5/451).
[8] -سنن ابي داود ، كتاب العلم ، رقم الحديث 3664
[9] -ابن باز ، عبدالعزيز ،الحكم على حديث: "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله،https://binbaz.org.sa/fatwas/17232 ، تاريخ الاسترجاع 14/4/1443.
[10] - الرامهرمزي ، المحدث الفاصل بين الراوي والواعي ، 183.
[11] - أبو نعيم ، حلية الأولياء ، (4/397).
[12] - الذهبي ، سير اعلام النبلاء ،(10/625)
[13] - ابن رجب ، جامع العلوم والحكم ، ص25.
[14] ابن حزم ،رسائل ابن حزم الأندلسية،(3/171).
[15] - الغزالي ، المنقذ من الضلال ، ص173.
[16] - ابن عبدالبر ، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ،ـ (1/86).
[17] - ابن بطال ، شرح صحيح البخاري ، (1/31)
[18] - ابن مفلح ، الفروع ، 2/340.
[19] - مسائل طلب العلم الذهبي ص41
[20] - ابن تيمية ، جامع المسائل ، (5/197-198).
انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.
انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.
