أرضٌ بلا شعب!
محمد شهيد عَلَم
ترجمة: مصطفى هندي
"بمجرد أن يكون لدينا مستوطنة كبيرة هنا، سنستولي على الأرض، وسنصبح أقوياء؛ وبعد ذلك سنوجه اهتمامنا للضفة الغربية [لنهر الأردن]؛ سنطردهم من هناك أيضًا...فليعودوا إلى حيث جاؤوا".
مستوطن يهودي، 1891
"يجب أن نكون مستعدين إما لطرد القبائل [العربية] المجاورة لنا بالسيف -كما فعل أجدادنا- أو أن نواجه أزمة العيش مع عدد كبير من سكان أجانب، معظمهم من المسلمين الذين اعتادوا على كرهنا لقرون".
إسرائيل زانجويل (Israel Zangwill)، 1905
"يجب أن تكون فلسطين يهودية تمامًا مثلما أن إنجلترا إنجليزية، وأمريكا أمريكية".
حاييم وايزمان (Chaim Weizmann)، 1919
"أنا أدعم الترحيل الإجباري للفلسطينيين... ولا أرى فيه شيئًا غير أخلاقي".
ديفيد بن غوريون (David Ben-Gurion)، 1938
"ما كان لدولة يهودية أن تقوم هنا دون اجتثاث الفلسطينيين".
بيني موريس (Benny Morris,)، 2004[1]
إليك بعض التواريخ والأرقام التي تشهد على التحول الديموغرافي الذي أحدثه الصهاينة في فلسطين خلال النصف الأول من القرن العشرين:
في بداية القرن التاسع عشر، كان هناك 7000 يهودي يعيشون في فلسطين العثمانية، أي ما يعادل 2.5% فقط من سكانها ([2])، وبحلول نهاية هذا القرن في عام 1882، ارتفع عددهم إلى 24000 لتزداد نسبتهم من إجمالي عدد السكان إلى 8%. في عام 1918 -بعد 36 عامًا من الجهود المنظمة لإنشاء مستعمرات يهودية- نما عدد السكان اليهود في فلسطين إلى 60000؛ لكن لم تتجاوز نسبتهم 9.1% من السكان، وعلى مدى العقود الثلاثة التالية -بعد وعد بلفور عام 1917- تسارع معدل نمو السكان اليهود بشكل كبير؛ ففي عام 1946، زاد عدد السكان اليهود إلى 543000، أي تسعة أضعاف ما كان في عام 1918، وخلال نفس الفترة، زادت نسبتهم من إجمالي السكان أيضًا بأكثر من ثلاثة أضعاف لتصل إلى 30%، وفي عام 1949، ارتفع عدد السكان اليهود في إسرائيل -الذين استولوا على 78% من فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني- ليصل إلى 1,014,000؛ بالمقابل، انخفض عدد السكان العرب في هذه المناطق إلى 160000؛ لتكون نسبة اليهود والعرب في إسرائيل الآن 86.4% و13.6% على الترتيب([3])، في وقت قصير جدًّا: أصبح الفلسطينيون "أقلية" في 78% من أرضهم.
في عام واحد -1948- انخفض عدد السكان العرب في الأراضي التي احتلتها إسرائيل من رقم قريب من المليون إلى 159,000([4])، أين ذهب كل هؤلاء العرب؟ هل ذهبوا في تطهير عرقي -تحت ستار حرب 1948- من قبل الجيش الإسرائيلي والجماعات اليهودية المسلحة الأخرى؟ أكّد الصهاينة مرارًا -في روايتهم الرسمية للأحداث- أنهم لم يطردوا السكان العرب من إسرائيل، ولم تكن هناك مذابح ولا اغتصاب ولا نهب لممتلكات العرب؛ لقد غادر العرب طواعيةً بناء على نصيحة قادتهم، حتى لا يقفوا في طريق الجيوش العربية المنتصرة التي كانت تتقدم في فلسطين. هذه إحدى الأساطير الراسخة التي خلقتها الصهيونية بعد حرب 1948.
لم تسمح إسرائيل للعرب الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم داخل إسرائيل([5])، حيث ترى إسرائيل أن العرب لا يمكنهم العودة لأنهم ببساطة قد غادروا "طواعية"؛ لقد أظهروا بمغادرتهم "طواعية" نوايا عدائية تجاه إسرائيل، وإذا عادوا، فإنهم سيسعون لتقويض إسرائيل من الداخل. نفت إسرائيل أنها شاركت في تطهير عرقي لسكانها العرب؛ ومع ذلك، فقد ضمنت نفس النتيجة بمنع عودتهم. تريد إسرائيل أن تلعب على الجانبين؛ حيث تريد التنصل من تهمة التطهير العرقي، وفي نفس الوقت تضمن نفس النتيجة من خلال منع عودة الفلسطينيين.
هذه واحدة من العديد من الأساطير الصهيونية التي يتم تداولها كـ"تاريخ حقيقي" في الغرب؛ فبحسب "الرواية" الصهيونية الرسمية: لطالما أراد اليهود في فلسطين العيش بسلام مع العرب، وسعوا إلى تقاسم الأرض معهم بشكل منصف، ألم يقبلوا خطط التقسيم التي اقترحتها لجنة بيل والأمم المتحدة؟([6]) لكن العرب هم من رفض التعايش؛ لقد هاجموا إسرائيل عشية استقلالها، عازمين على تدمير الدولة الناشئة حديثًا واستئصال اليهود. لقد انتصرت إسرائيل في حرب عام 1948 فقط بالعون الإلهي وبفارق ضئيل، ومنذ ذلك الحين أُجبرت على خوض العديد من الحروب التي فرضها عليها العرب. قامت إسرائيل بالعديد من مبادرات السلام منذ عام 1948، لكن العرب رفضوها. من المعقول أن تحظى أساطير كل أمة بتأييد داخل هذه الأمة؛ إلا أن الأساطير الإسرائيلية تحظى بمصداقية ترفعها إلى درجة الوقائع التاريخية في كل دولة غربية.
بدأت معارضة أسطورة المغادرة الفلسطينية الطوعية من قبل أربعة مؤرخين إسرائيليين في أواخر الثمانينيات. وبالاعتماد على الأرشيفات الرسمية التي أتيحت مؤخرًا للجمهور، قدموا سردًا جديدًا لتاريخ إسرائيل المبكر يتعارض بشكل كبير مع الروايات الرسمية([7])، والأهم من ذلك، أن هؤلاء المؤرخين -الذين ينظر إليهم على أنهم تحريفيون- قد وضعوا الأمور في نصابها الصحيح فيما يتعلق بقضية اللاجئين الفلسطينيين عام 1948؛ فلم يغادر الفلسطينيون طواعية، بل طُردوا بالقوة من قبل الإسرائيليين وفقًا لخطّة مسبقة؛ وخلال هذه العملية، ارتكب الجيش الإسرائيلي والجماعات اليهودية المسلحة الأخرى عشرات المذابح بحق المدنيين الفلسطينيين، وارتكبوا المئات من عمليات الاغتصاب. ليس من المستغرب ألا ينجح هذا التاريخ الذي خرج إلى النور مؤخرًا في زعزعة أسطورة المغادرة الطوعية للفلسطينيين؛ بل ما حدث هو خروج كتابات جديدة مخصصة لتشويه ودحض هذه السردية التاريخية الجديدة ورمي أصحابها بالهرطقة ([8]).
* * *
لطالما رأى التيار الصهيوني الرئيسي أن تهجير الفلسطينيين -بطريقة أو بأخرى- ضروري لإتمام مهمتهم؛ لكنهم آثروا إبقاء هذا طي الكتمان.
كانت الخطة الصهيونية لإقامة دولة يهودية في فلسطين طموحًا جذريًا بكل المقاييس؛ فقد أرادوا دولة يهودية لليهود وباليهود في فلسطين، وستكون تلك الدولة دولة احتلالية استيطانية تستأصل كل من يقف في طريقها؛ إنها ستعيد تمثيل تاريخ الولايات المتحدة وأستراليا، اللتين أبادتا غالبية السكان الأصليين وحاصرت بقاياهم في المعسكرات. لم يرغب الصهاينة في وجود أي عربي في دولتهم، ولا حتى كعمالة رخيصة؛ إنهم لا يريدون إلا الأرض.
استمد الصهاينة بعضًا من سمات القومية الرومانسية في القرن التاسع عشر، التي اعتبرت أن الأمة ما هي إلا شعب تجمعه رابطة الدم والنسب والتاريخ والأرض؛ وكيّف الصهاينة هذه المكونات بما يتناسب مع اليهودية فأضافوا مكونًا آخر هو: عقيدة الاختيار([9])، وبما أنها ستكون أداةً، وكيانًا سياسيًّا وتاريخيًّا للأمة اليهودية، ستتألف الدولة اليهودية من اليهود فقط وتمثّل إرادتهم؛ وإذا كان لابد من استيعاب العرب الفلسطينيين -لأسباب لا مفرّ منها- داخل حدود الدولة اليهودية، فلن يتمكّنوا من التمتّع بحقوق متساوية مع اليهود، بل سيتعين طردهم -في وقت معين-، فلا يمكن أن تنتمي الدولة اليهودية إلا إلى اليهود.
من حيث المبدأ: يمكن للصهاينة إنشاء أغلبية يهودية كبيرة في فلسطين دون طرد السكان الأصليين، فقد تحدّث حاييم وايزمان (Chaim Weizmann) في عام 1919 عن خلق مثل هذه الظروف في فلسطين حيث "إنه مع تطور البلاد، يمكننا ضخّ عدد كبير من المهاجرين، وأخيرًا سنتمكن من إنشاء مثل هذا المجتمع في فلسطين، بحيث تكون فلسطين يهودية تمامًا، مثلما أن إنجلترا إنجليزية، وأمريكا أمريكية"([10])، ومع ذلك، لم يكن هذا اقتراحًا عمليًّا، ولم يكن بإمكان الصهاينة أن يتوقعوا اجتذاب ملايين اليهود إلى فلسطين -بما يكفي لتحويل الفلسطينيين إلى أقلية صغيرة-، في الوقت الذي كان عليهم فيه إنشاء دولة يهودية؛ لقد كان الصهاينة في سباق حاد ضد القوميين العرب الذين كانوا يتقدّمون بسرعة؛ وللفوز بهذا السباق، لم يكن بإمكان الصهاينة انتظار وصول الملايين من المستعمرين اليهود؛ لأن هذا سيتطلب أكثر من بضعة عقود؛ فقط من خلال طرد السكان الأصليين، كان من الممكن أن يتوقع الصهاينة خلق أغلبية يهودية كبيرة في فلسطين، وكانت هذه الأغلبية شرطًا لا غنى عنه للدولة اليهودية.
وكان يمكن للصهاينة -بدلًا عن ذلك- اختيار إنشاء دولة يهودية دون أغلبية يهودية؛ فعبر الاستعانة بقوتهم كدولة سيكون لديهم الوقت لجذب ملايين المهاجرين اليهود، ومن ثمّ خلق أغلبية يهودية دون اللجوء إلى التطهير العرقي للسكان الأصليين، لكن على الرغم من الجاذبية الظاهرية لهذا الاقتراح، إلا أنه لن يكون عمليًّا، حيث إنه سيجبر الدولة اليهودية على أن تبدو "سلطوية"؛ لأنهم لا يستطيعون إعطاء حق التصويت لليهود إلا إذا منعوه عن العرب. إن الفصل العنصري العلني في إسرائيل -في هذه المرحلة- يمكنه أن يجرّ إسرائيل إلى مصافّ العالم الثالث، وحينها ستفقد إسرائيل بريقها أمام الجماهير الغربية؛ وفي ظل هذه الظروف، سيجد الفلسطينيون أنه من الأفضل المطالبة بحقوق متساوية في الدولة الجديدة، وإذا اختار الفلسطينيون –إضافة إلى ذلك- الكفاح المسلح لمقاومة الفصل العنصري الإسرائيلي -بدعم من الدول العربية المجاورة-؛ فسيكون من الصعب الاستمرار في جذب المستعمرين اليهود، بل قد يختار بعض المستوطنين اليهود الانتقال إلى مواقع أكثر أمانًا، لذا، سارع الصهاينة في تكوين أغلبية يهودية في أول فرصة أتيحت لهم: حرب 1948.
كان إنشاء دولة احتلالية استيطانية إقصائية مبرَّرًا -بالنسبة إلى الصهاينة- بتهديد معاداة السامية. لقد جادل مؤسسو الصهيونية بأن معاداة السامية سببها الأساسي تواجد اليهود بين الأغيار، وإن هذه المعاداة تصل إلى ذروتها عندما يصل اليهود إلى مكانة اجتماعية واقتصادية مرموقة، أو عندما يضطر الأغيار إلى التنافس مع اليهود في سباق التقدّم في التجارة والصناعة والمهن والأوساط الأكاديمية ([11]). وإذا كانت الدولة اليهودية ستقدّم ملاذًا آمنًا ضد معاداة السامية، وستحمي اليهود من معاداة السامية؛ فهذا يعني أنها ستضطر إلى عزلهم عن الأغيار (الوثنيين)؛ وأغلبية يهودية ساحقة وحدها هي ما يمكنها ضمان ذلك؛ ومن هنا نفهم ما كتبه إسرائيل زانجويل (Israel Zangwill): "إنها لحماقة كبرى أن نجعل فلسطين دولة لشعبين، لن نجني من وراء هذا إلا المشاكل"([12]).
جادل الصهاينة العلمانيون بأن الوجود العربي الكبير فيما يعدونه "أرض إسرائيل" يهدد هدفهم في إنشاء مركز للقوة اليهودية. إن الأمر لا يقتصر على كون العرب -بدينهم وثقافتهم وتاريخهم- يعارضون مشروع الدولة اليهودية، بل يشكّلون تهديدًا داخليًا لأمنها. في كانون الأول/ديسمبر 1947، وعند مراجعة التركيب السكاني للدولة اليهودية التي اقترحتها خطة التقسيم المقدمة من الأمم المتحدة؛ وُجد أن الفلسطينيين العرب يشكلون 42% من سكانها، حينها قال ديفيد بن غوريون (David Ben-Gurion) للجنة المركزية للهستدروت ([13]): "لا يمكننا الحديث عن دولة يهودية قوية ومستقرة طالما أن أغلبيتها اليهودية تمثل 60% فقط" ([14]). لم يكن إيجاد أغلبية يهودية غاية في حد ذاته؛ بل كان شرطًا مسبقًا لتحقيق الأهداف الأكثر طموحًا للصهيونية، كما يرى بن غوريون أن "إيجاد أغلبية ليس سوى مرحلة على طريقنا، وهي مرحلة مهمة وحاسمة بالمعنى السياسي، فمن هناك يمكننا المضي قدمًا في أنشطتنا في جو من الهدوء والثقة وسط حشود الجماهير من شعبنا في هذا البلد وما حوله"([15]).
فمن أجل متابعة طموحاتهم في "ثقة وهدوء"؛ يجب على الصهاينة ضمان أغلبية يهودية كاسحة في دولتهم.
كما حثّت طبقة العمال الصهاينة على خلق شعب متجانس عرقيًّا في فلسطين، وكان رأيهم أن غياب الطبقة اليهودية العاملة في الشتات قد شوّه الشخصية اليهودية؛ فبعد استبعادهم من مهام الزراعة والجيش والحكومة، أُجبر اليهود على أن يصبحوا تجارًا وأصحاب متاجر ومرابين([16]). ومن أجل إعادة الأمة اليهودية إلى الكمال الذي يحققه العمل في الأرض وفي المصانع؛ كانت الطبقة العاملة الصهيونية ملتزمة بخلق طبقة عاملة يهودية في المستعمرات، والأهم من ذلك: أن هذا يعني أن الشركات اليهودية لن توظف أي عمال عرب، وبإصرارهم على تكوين طبقة عاملة يهودية، ستساهم هؤلاء الصهاينة من طبقة العمال في إنشاء مجتمع لا مكان فيه للعرب، ولا حتى كطبقة من العمال المستغَلين. لقد ضمنت أهداف الصهيونية العمّالية أن المجتمع اليهودي -على عكس الفصل العنصري في جنوب أفريقيا- لن يعود بأي فائدة على العمّال المحليين؛ ومن المفارقات: أن "الاشتراكيين" -أكثر من أي اتجاه سياسي آخر في الصهيونية- قدموا أقوى الحجج والتسهيلات لإقامة دولة استعمارية استيطانية إقصائية في فلسطين([17]).
عارض عدد قليل من الصهاينة إقصاء العرب، لكنهم بقوا على هامش الحركة الصهيونية؛ نذكر منهم على وجه الخصوص مجموعتين صغيرتين: بريت شالوم (Brit Shalom) -التي توقفت عن العمل في أوائل الثلاثينيات- والإيهود (Ihud) -التي ظهرت في عام 1942-، وقد دعتا إلى التعايش مع العرب في دولة ذات ثنائية قومية، وحذرتا من الصعوبات -والكوارث- التي ستجلبها الرؤية الصهيونية التي تستبعد العرب من فلسطين، ومع أن هذا الفصيل من الصهيونية ضمّ بعض الأسماء البارزة -مثل يهوذا ماغنيس (Judah Magnes) ومارتن بوبر (Martin Buber)- إلا أن آراءهم ظلت على هامش خريطة السياسة الصهيونية ([18]).
* * *
من المفهوم أن يسعى الصهاينة لإخفاء نيتهم المبيّتة لخلق أغلبية يهودية في فلسطين، بعمليات التطهير العرقي للفلسطينيين العرب أو بدونها؛ لقد ناقشوا هذه الأمور منفردين، كما صاغوا أفكارهم في مذكرات ورسائل شخصية، أما في العلن فقد واصل الصهاينة -في الأربعينيات من القرن الماضي- إصرارهم على أن هناك مكانًا في فلسطين لكلا الشعبين([19]). وبالفعل، استمروا في تذكير العرب بالفوائد التي لا تقدر بثمن التي سيجلبها لهم الاستيطان اليهودي.
يقدم تيودور هرتزل مثالًا مبكرًا على هذه الازدواجية في رسالة كتبها في مارس 1899 إلى يوسف ضياء الدين الخالدي، رئيس بلدية القدس وعضو البرلمان العثماني. شرح هرتزل للخالدي -بلطفٍ جمٍّ- كل الطرق التي سيعود بها الاستعمار اليهودي بالنفع على الدولة العثمانية، وعلى العرب في فلسطين، ولما كتب له رئيس البلدية خطابًا يعبر فيه عن قلقه من عزم اليهود على تهجير العرب من فلسطين، كتب هرتزل بحماس: "من قال أننا سنطردهم؟ إن رفاههم وثروتهم ستزداد أضعافًا عندما تمتزج مع ثرواتنا"، وأضاف أن فلسطين "هي وطنهم التاريخي"([20])، لكن قبل ذلك، في عام 1897، كرّس الصهاينة -بقيادة تيودور هرتزل- أنفسهم لإنشاء دولة يهودية في فلسطين، ولنا أن نتساءل: هل يمكنهم أن يفعلوا ذلك دون الإطاحة بالعرب؟
ليس هذا كل شيء؛ فقد كان حلم التطهير العرقي يراود خَلْد تيودور هرتزل قبل عدة سنوات من رسالته إلى رئيس بلدية فلسطين([21])، ففي عام 1895 أفصح في مذكراته: "يجب أن نصادر -بلطف- الممتلكات الخاصة في الدولة التي ستكون لنا؛ سنحاول إثارة روح السكان المفلسين ليعبروا الحدود من خلال توفير فرص عمل لهم في بلدان أخرى، مع منعهم من العمل في بلدنا"([22])، وفي عام 1901 صاغ هرتزل ميثاقًا لجمعية الاحتلال اليهودي العثماني في فلسطين -والذي رفض العثمانيون التوقيع عليه- يطالب فيه بمنح الجمعية الحق في الحصول على أراضٍ في فلسطين مقابل أراضٍ في مقاطعات أخرى من الإمبراطورية، وسيعاد توطين سكان الأراضي التي حصلوا عليها في فلسطين -بمساعدة الجمعية- في المقاطعات العثمانية الأخرى([23])، ومن الواضح أن الصهاينة كانوا يعملون على مخططات لترحيل الفلسطينيين منذ الأيام الأولى من حركتهم.
لقد كان القناع الزائف الذي يخفي تحته الصهاينة رغباتهم ينزلق من حين لآخر، ليفضح سريرتهم أمام العامة؛ فها هو حاييم وايزمان (Chaim Weizmann) -الدبلوماسي المحنك في صفوف الصهاينة- لم يستطع دائمًا أن يحافظ على ثبات قناعه؛ فبعد عامين من وعد بلفور، أعلن للجمهور في لندن أن الصهاينة خططوا لجعل فلسطين "يهودية تمامًا مثلما أن إنجلترا إنجليزية، وأمريكا أمريكية"([24])، وفي عام 1921 رددت صحيفة (The Jewish Chronicle of London) -الجريدة اليهودية الأسبوعية الرائدة في ذلك الوقت- نفس الأفكار؛ ففي مقالها الرئيسي، أوردت الجريدة أنه ينبغي منح اليهود "تلك الحقوق والامتيازات في فلسطين التي ستمكنهم من جعلها يهودية مثلما أن إنجلترا إنجليزية، وكندا كندية؛ وهذا هو السبيل الوحيد المعقول -أو بالأحرى الممكن- لبناء وطن قومي يهودي"([25]). لا جدال في أن فكرة التطهير العرقي دائمًا ما كانت تراود الصهاينة؛ لم يكن هذا سرًّا، على الرغم من مراوغاتهم.
حتى الخطاب الصهيوني كان يخالف نواياهم المبيّتة. من المشهور جدًّا أن الصهاينة لخّصوا جوهر حركتهم في شعارهم "أرض بلا شعب - لشعب بلا أرض"([26])، ومثل المحتلين البيض الآخرين، رأوا أن فلسطين "فارغة"، حتى اعتبر البعض تلك الكلمة صحيحة حرفيًا، ومع ذلك، كان مقصدهم -في كثير من الأحيان- أن هذا يعني أن سكان فلسطين الأصليين ليسوا شعبًا؛ فلم يكن لهم أي ارتباط بأرضهم. في عام 1914، تحدث حاييم وايزمان بانتشاء عن إنشاء دولة يهودية على أنه "زواج" بين شعب "ليس له وطن" و"أرض بلا شعب"، كان الأمر بسيطًا تمامًا، فلم يكن يتجاوز تركيب ترس (اليهود) في آلة (فلسطين)، ولإتمام هذا "الزواج"، احتاج الصهاينة فقط إلى موافقة الأتراك، أصحاب "الآلة"([27])، وفي عام 1920 أوضح إسرائيل زانغويل (Israel Zangwill) أن الفلسطينيين ليسوا شعبًا لأنهم لم يكونوا "يعيشون في اندماج حميم مع دولتهم، ولم يكونوا يستغلّون مواردها بما يضفي عليها انطباعًا مميزًا، إنها في أحسن الأحوال: مخيم عربي، ويمكن للصهاينة إقناع الفلسطينيين -بلطف- بالرحيل إلى الخارج"؛ وعلى أية حال، إنهم ثلة من البدو، ديدنهم هو "طيّ خيامهم" و"الرحيل بصمت"([28])، ومن هنا، كانت فلسطين -بالنسبة إلى الصهاينة- "فارغة" فعلًا؛ لأنه كان من السهل إفراغها من سكانها.
كان لدى السياسيين البريطانيين أيضًا فهم واضح للتداعيات الديموغرافية للمشروع الصهيوني. في مراجعة للشؤون الفلسطينية في أكتوبر 1919، كتب ونستون تشرشل (Winston Churchill) -وهو من أشدّ المؤيدين للصهيونية- أن اليهود "يعتبرون أن إجلاء السكان المحليين لتحقيق رغبتهم؛ أمرًا بدهيًّا مسلّمًا به"([29])، لكن قبل عامين من وعد بلفور، أكد البريطانيون للعالم "أنه لن تتخذ أي خطوة من شأنها المساس بالحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين"، لكن في مذكرة سريّة إلى مجلس الوزراء البريطاني، كتب اللورد بلفور (Balfour) أن الصهيونية "سواءً كانت صحيحة أو خاطئة، جيدة أو سيئة؛ فإن تقاليدها القديمة، واحتياجاتها الحالية، وتطلعاتها المستقبلية؛ أهم بكثير من رغبات وتحيزات 700000 عربي يسكنون الآن تلك الأرض القديمة"؛ كما يقرّ اللورد بلفور بأنه "فيما يتعلق بفلسطين، لم تُصدِر القوى الكبرى أي إعلان لسياسة لم تكن تنوي انتهاكها دائمًا"([30]). كان القادة البريطانيون يتواطؤون مع الصهاينة لخداع "السكان الأصليين".
ومع تحفظهم الجزئي في خطابهم العام، إلا أن الصهاينة لم يتمكّنوا من إخفاء "الحقائق" التي كانوا يخلقونها على أرض الواقع، فمنذ السنوات الأولى استبعدت المنظمات الصهيونية في فلسطين -بلدياتها الزراعية ونقاباتها العمالية والبنوك والمدارس والمستشفيات وحتى الصحف- الفلسطينيين العرب بشكل صارم؛ لقد سعوا لفرض مقاطعة للاقتصاد العربي، حتى وصل الأمر إلى مهاجمة ربّات البيوت اليهوديات اللاتي يشترين من المزارعين العرب، وهاجموا المزارع العربية ودمروا محاصيلها، كما حظروا إعادة بيع الأراضي للعرب، وتذرّعوا بأنهم لا يريدون استغلال العمالة العربية من أجل تمرير تحريم الكيبوتس([31]) "الاشتراكية" توظيف العمال العرب([32]). بالإضافة إلى ذلك، كان الصهاينة يعملون على بناء اقتصاد من شأنه –أيضًا- حرمان العرب من استخدام بنيتهم التحتية -القطارات والخدمات البريدية والموانئ وحتى الطرق([33])، وإذا لم يكن من الممكن طرد العرب على الفور، فيجب استبعادهم من المشاركة في الاقتصاد والمجتمع اليهودي، وقد كان لهذا الاستبعاد ميزة تكتيكية أخرى؛ فهو سيضمن أن طرد العرب -متى ما أمكن ذلك- لن يتسبب في تعطيل اقتصاد الدولة اليهودية.
* * *
لطالما عرف الصهاينة أن إنشاء دولة يهودية في فلسطين يستلزم "تهجير" سكانها العرب؛ لكن في العقود الأولى من حركتهم، لم تكن هذه هي المشكلة الأكثر إلحاحًا.
كان التحدي الصهيوني الأول هو تأمين دعم واحدة أو أكثر من القوى العظمى لمشروعهم الاحتلالي، وبمجرد أن تحقق ذلك في عام 1917، حوّلوا انتباههم إلى زيادة تدفق المستعمرين اليهود إلى فلسطين؛ ومع زيادة أعدادهم، اتجّهوا إلى وضع حجر الأساس لدولة يهودية في فلسطين. وخلال العشرينيات من القرن الماضي، بدأ الصهاينة يولون اهتمامًا أكبر لمشكلة السكان الأصليين، لكن الدعوة للتطهير العرقي خلال هذا العقد ظلّت -على حد تعبير بيني موريس- "مترددة، وفي حدود ضيقة، وعابرة بشكل كبير"؛ لكن بحلول أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي "بدا أن هناك بين قادة الحركة إجماعًا شبه كامل على فكرة التطهير العرقي؛ وكل نوبة عنف عربية كبيرة كان يقابلها اهتمام صهيوني متجدد بفكرة الترحيل"([34])، وقبل انتهاء هذا العقد، التزم معظم أعضاء الهيئة التنفيذية للوكالة اليهودية (الحكومة الافتراضية للييشوف Yishuv) "بترحيل إجباري للفلسطينيين، مفضلين بالطبع أن ينفذه البريطانيون وليس الييشوف"([35]).
بعد الثورة العربية عام 1936، أدرك الصهاينة أن البوابة التي سيخرج منها مشروعهم إلى الوجود تنغلق بسرعة؛ ونتيجة لذلك، عندما عرضت لجنة بيل عليهم دولة يهودية في 20٪ من فلسطين -مع توصية بـ "ترحيل" خمسي سكانها العرب- صوّت الصهاينة لصالح الاقتراح. وبالفعل، اعتبر بن غوريون أن هذا العرض كان "هبة من السماء"؛ لأن البريطانيين كانوا يعرضون عليهم دولة استعمارية استيطانية إقصائية، وهو ما أرادوه من البداية؛ لا يهم أنهم حصلوا على أقل مما كانوا يتوقعون، فبمجرد أن يضعوا حجر الأساس لدولتهم سيلتهمون فلسطين كلها([36]).
يعكس التحوّل في موقف القيادة الصهيونية نحو الترحيل الإجباري القدرة المتزايدة للييشوف على فرض إرادتها على الفلسطينيين. في أغسطس 1937، أخبر بن غوريون الكونغرس الصهيوني العشرين في زيورخ أنه سيتعين عليهم الآن اتخاذ "مسار مختلف تمامًا" في سياسة الترحيل، يختلف عن عمليات الترحيل الصغيرة في الماضي؛ وأضاف أن الأمر الأهم هو أن "القوة اليهودية المتنامية ستزيد أيضًا من إمكانياتنا لتنفيذ الترحيل على نطاق واسع"، وفي يونيو 1938، أعلن بن غوريون دعمه المطلق للتطهير العرقي، وصرّح قائلًا: "أنا أدعم الترحيل الإجباري، لا أرى فيه أي شيء غير أخلاقي". في كانون الأول/ديسمبر 1940، كتب يوسف ويتز (Yosef Weitz) -مدير دائرة الأراضي التابعة للصناديق القومية اليهودية- في مذكراته: "لا مكان في البلاد لكلا الشعبين"، كان ويتز يفكر في طرد جميع السكان الأصليين من فلسطين، حيث كتب "يجب ألا نترك قرية واحدة، ولا حتى أصغر قبيلة بدوية"([37]). لقد تغذى طغيان وجموح الفكر الصهيوني على قوتهم التي كانت تنمو باطّراد.
اتفقت جميع فصائل الحركة الصهيونية -باستثناء القليل منها- على أن الدولة اليهودية في فلسطين يجب أن تحتوي على أقل عدد ممكن من العرب، ويفضّل أن تخلو منهم، وفي يونيو 1938، صرّح مناحم أوسيشكين (Menahem Ussishkin) -أحد قادة الصهاينة البارزين- بإيجاز: "لا يمكننا أن نشيد دولة يهودية نصف عدد سكانها من العرب... إن مثل هذه الدولة لا يمكن أن تستمر ولو ساعة. إن الترحيل هو الشيء الأكثر أخلاقية الذي يمكننا القيام به... وأنا مستعد للدفاع عن ذلك أمام الله"([38]).
وفي كانون الأول /ديسمبر 1947، تحدث بن غوريون إلى كبار أعضاء حزبه "ماباي (Mapai)"، موضحًا لهم أن مقترح الدولة اليهودية التي يشكل اليهود 40% فقط من سكانها -كما حددته خطة التقسيم من الأمم المتحدة- غير مقبول؛ وأعلن أن "أقل ما نطلق عليه "دولة" هو أن يكون 80٪ على الأقل من سكانها من اليهود، وتلك هي الدولة الوحيدة القابلة للحياة والاستقرار"([39]). لقد حمل الشعار الصهيوني "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" بذور العواقب التي ستنتج عن هذا المشروع الاحتلالي.
لم يكن الطموح الصهيوني الجريء في غير محله؛ ففي غضون عام واحد -1948- كاد الصهاينة أن يحققوا أهدافهم الجامحة: إنشاء دولة يهودية في 78% من فلسطين، مع طرد معظم سكانها العرب إلى خارج حدود إسرائيل. لا ينبغي افتراض -كما يؤكد البعض- أن هذه النتيجة المفاجئة جاءت من ظروف غير متوقعة، مثل هجوم العرب المجاورين على الدولة اليهودية، أو الاضطهاد النازي لليهود في ألمانيا، فقد بدأ التخويف والتهديدات بالقتل والهجمات ضد القرى الفلسطينية -حتى قرى لبنان وسوريا- من قِبل القوات اليهودية في ديسمبر 1947، أي قبل عدة أشهر من هجوم الجيوش العربية على الدولة اليهودية ([40])، وحتى لو لم يهاجم العرب في عام 1948، كان الإسرائيليون سيجدون بسرعة طرقًا لاستفزازهم للهجوم. وبالمثل، فإن الإجماع الصهيوني على ضرورة التطهير العرقي للعرب في فلسطين لم يكن فكرة متأخرة، أنضجتها أهوال الهولوكوست، بل كان هذا الإجماع موجودًا قبل فترة طويلة من بدء هذه المأساة. إن التطهير العرقي للفلسطينيين جاء مباشرةً من القرار الصهيوني بإنشاء دولة يهودية في فلسطين.
----------
[1] Masalha, Expulsion of the Palestinians, 9–10; Hirst, The Gun and the Olive Branch, 161; Morris, The Birth of the Palestinian, 50; Shavit, “Survival of the Fittest.”
[2] - DellaPergola, Demography in Israel/Palestine.
[3] Jewish Virtual Library, Jewish and non-Jewish Population of Palestine-Israel.
[4] في عام 1994 ، قام إيليا زريق ("اللاجئون الفلسطينيون" “Palestinian Refugees,” 11) بمسح التقديرات المختلفة لأعداد الفلسطينيين المطرودين من إسرائيل: تتراوح هذه التقديرات من 700000 إلى 800000 ؛ لكن سلمان أبو ستة (النكبة الفلسطينية، The Palestinian Nakba, 14) يؤكد أن عدد المطرودين بلغ 935.000.
[5] كما مُنع العديد من العرب الذين أجبروا على الفرار من ديارهم عامي 1948 و1949 وظلوا داخل إسرائيل ، من العودة إلى ديارهم. أصبحوا لاجئين داخل إسرائيل. Masalha, Catastrophe Remembered.
[6] تعرف رسميًّا باسم "اللجنة الملكية لفلسطين"، وقد كانت لجنة تحقيق ملكية بريطانية نظمت لاقتراح تغييرات على الانتداب البريطاني على فلسطين في أعقاب اندلاع الثورة العربية في فلسطين 1936-1939. كان يرأسها الإيرل پيل. في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1936 وصلت اللجنة فلسطين للتحقيق في الأسباب وراء الانتفاضة، وجاء في تقرير اللجنة الذي نشر في 8 يوليو 1937 اقتراحًا بإنشاء ثلاثة أقاليم في فلسطين: إقليم تحت الانتداب البريطاني يضم بيت لحم والناصرة، ودولة يهودية، ويتحد الجزء الباقي مع شرق الأردن ويكونا دولة عربية. (المترجم).
[7] يحدد آفي شلايم (Avi Shlaim) (The Iron Wall, xiii) أربعة أعمال نُشرت جميعها في أواخر الثمانينيات مع بداية ظهور هذه الكتابات التاريخية الجديدة:
Flapan, The Birth of Israel; Morris, The Birth of the Palestinian Refugee Problem, 1947–49; Pappé, Britain and Arab-Israeli Conflict; and Shlaim, Collusion across the Jordan.
ثم تبع هذه الكتابات كتابات أخرى:
Pappé, The Ethnic Cleansing of plastine; and Morris, 1948: A History.
[8] Karsh, Fabricating Israeli History.
[9] Finkelstein, Image and Reality, 8.
[10] Hirst, The Gun and the Olive Branch, 161.
[11] وفقًا لهرتزل (الدولة اليهودية، 10) فإن "السبب المباشر"لمعاداة السامية" هو إنتاجنا المفرط للمفكرين السطحيين، الذين لا يستطيعون إيجاد حلول فعالة للمسألة اليهودية، فعندما نطمس قدراتنا، نصبح بروليتاريا ثورية، وضباطًا تابعين للحزب الثوري. لكن عندما نرتقي، تظهر القوة الرهيبة للعقل اليهودي".
[12] اقترح إسرائيل زانجويل طرد الفلسطينيين؛ ففي وقت مبكر من عام 1905 أعلن أنه "[يجب] أن نكون مستعدين إما لطرد القبائل العربية بقوة السيف، كما فعل أجدادنا، أو نكون على استعداد للتصدي لمشاكل وجودنا بين عدد كبير من السكان الأجانب، معظمهم من المسلمين الذين اعتادوا على كرهنا لقرون". انظر: Masalha, Expulsion of the Palestinians, 10.
[13] - الهستدروت (Histadrut): الاتحاد العام لنقابات العمال الإسرائيلية، تأسس في حيفا في ديسمبر 1920 كنقابة عمال يهودية تحت الانتداب البريطاني على فلسطين، وهو الآن مؤسسة نقابية في إسرائيل. (المترجم).
[14] Ibid., 176.
[15] Finkelstein, Image and Reality, 8–9.
[16] Ibid., 9; Sternhell, The Founding Myths, ch. 2.
[17] تأتي الدول الاستعمارية الاستيطانية في ثلاثة أشكال على الأقل؛ الأول: ينتهي الأمر بالمستوطنين الأجانب في المستعمرة بتشريد أو إبادة جميع "السكان الأصليين" أو غالبيتهم، وتعرف هذه بمستعمرة المستوطنين الإقصائية. وفي الشكل الثاني، يستولي المستوطنون على أفضل الأراضي ويستخدمون السكان النازحين كاحتياطي من العمالة الرخيصة، وتعرف تلك بمستعمرة المستوطنين المختلطة. في الشكل الثالث، يستبدل المستوطنون في المستعمرة السكان الأصليين المنقرضين -الذين قتلوا بسبب الأمراض، أو وحشية المستعمرين، أو كليهما- بالعبيد المستوردين أو العمال بعقود؛ وتعرف بمستعمرة المستوطنين المصطنعة. انظر: Fieldhouse, Colonial Empires, 11–12.
[18] Masalha, Expulsion of the Palestinians, 27.
[19] "ظلّ التعليم العام الصهيوني -في مطلع القرن العشرين وحتى الأربعينيات- يؤكد على أن هناك مساحة كافية لكلا الشعبين في فلسطين، وأنه لا داعي لأن يكون هناك تهجير للعرب لإفساح المجال للمهاجرين الصهاينة أو الدولة اليهودية. لم تكن هناك حاجة لتهجير العرب ولا يجب بأي حال من الأحوال دمج هذه الفكرة في البرنامج السياسي الأيديولوجي للحركة ":
Morris, The Birth of the Palestinian Refugee Problem Revisited, 43.
[20] كان رئيس بلدية القدس قد كتب إلى كبير حاخامات فرنسا، رسالة ينصح فيها اليهود بأنه -على حد تعبير هرتزل- "من الأفضل لهم الذهاب إلى مكان آخر":Khalidi, From Haven to Conquest, 91–92.
[21] قد يكون من الجدير بالذكر أن هرتزل (الدولة اليهودية ، 11) أبدى اهتمامًا كبيرًا بكتابة كل أنواع التفاصيل التي يعتقد أنها ستضمن نجاح خطته لدولة يهودية. حيث يخصص فقرة كاملة حول كيفية تخليص فلسطين من "وحوشها البرية"، وبدلًا من ملاحقتهم بالحربة والرماح البدائيين، يجب إبادتهم بـ "قنابل الميلنيت"، ومع ذلك، لا يوجد ذكر للعرب في صفحات الدولة اليهودية، وكأن فلسطين فارغة حقًا.
[22] Morris, Righteous Victims, 21–22.
[23] Khalidi, “The Jewish-Ottoman Land Company,” 44; Hirst, The Gun and the Olive Branch, 138–39.
[24] Hirst, The Gun and the Olive Branch, 161.
[25] Ibid., 171.
[26] ينسب إيلون (الإسرائيليون (The Israelis, 149) هذه العبارة إلى إسرائيل زانجويل. في عام 1903، كتب زانجويل: "فلسطين بلد مدمر واليهود شعب محطم، وكلاهما بحاجة إلى الآخر من أجل التعافي؛ فلسطين بحاجة لشعب، وإسرائيل بحاجة إلى دولة ". انظر:
Simon, Speeches, Articles, 80.
[27] Masalha, Expulsion of the Palestinians, 5–6.
[28] Zangwill, The Voice of Jerusalem, 104, quoted in Masalha, Expulsion of the Palestinians, 6, 14.
[29] Masalha, Expulsion of the Palestinians, 15.
[30] Hirst, The Gun and the Olive Branch, 162–63.
[31] الكيبوتس (kibbutz): تجمع سكني تعاوني يضم جماعة من المزارعين، أو العمال اليهود الذين يعيشـون ويعملون سـويًا، ويبلغ عـددهم ما بين 40 و1500 عضو. ويعد الكيبوتس من أهم المؤسسات استندت إليها الحركة الصهيونية، والتي أثرت على الحياة السياسية والاجتماعية في إسرائيل حتى بداية الثمانينات. وهي مؤسسة مقصورة على المجتمع الصهيوني، وتعتمد الحياة في الكيبوتس على الاشتراكية التامة في الإنتاج والاستهلاك والتعاون المتبادل بين أعضاء الكيبوتس. (المترجم).
[32] Ibid., 184–85.
[33] في عام 1937، عندما اعترض أعضاء (Hashomer Hatza'ir) (اتحاد الكيبوتس الذي دافع عن دولة ثنائية القومية) على إنشاء "دولة عبرية نقية عرقيًّا"؛ لأن هذا من شأنه أن يخلق حواجز بين اليهود والعرب، رد يوسف باراتز (Yosef Baratz) -زعيم حزب ماباي- "ألم يكن هذا الحاجز موجودًا دائمًا في البلاد؟ أليس كل ما نبنيه من محطات قطارات، ومكاتب بريدية وحكومية، ومواني بحرية وطرق، وعامة ما نبنيه في الاقتصاد أليس كله لليهود، ولليهود فقط؟" [التسويد مضاف] انظر:
Masalha, Expulsion of the Palestinians, 75.
[34] Morris, The Birth of the Palestinian Refugee Problem, 44.
[35] The quotes in this paragraph are from Morris, The Birth of the Palestinian Refugee Problem, 44, 50.
[36] Ibid., 47–48.
[37] Ibid., 48, 50, 54.
[38] Ibid., 50.
[39] Pappe, The Ethnic Cleansing of Palestine, 48.
[40] Ibid., 55–60.
انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.
انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.
