كيف تكوَّن الرازي فلسفيّاً؟

5 ديسمبر 2024
مدونة نَشر
كيف تكوَّن الرازي فلسفيّاً؟

كيف تكوَّن الرازي فلسفيّاً؟


د.عبدالله بن أحمد الأنصاري




إن من أبرز ما يكشف طبيعة صلة الرازي بالفلسفة هو سؤال هذه الفقرة، وهو: كيف تكوَّن الرازي فلسفياً؟


سبقت الإشارة إلى أن الرازي تتلمذ في الفلسفة والعلوم العقلية على يد مجد الدين الجيلي، ورافقه إلى (مراغة) وتعلم منه العلوم العقلية، ولعل هذه الدراسة هي بداية اتصال الرازي بالفلسفة والاشتغال بها، ولا يعرف له شيخ في الفلسفة غيره، وذكر الصفدي([1]) في إسنادٍ لكتاب (الإشارات والتنبيهات) إلى ابن سينا، ذكر فيه أن الرازي أخذها من شرف الدين محمد المسعودي، ولم أجد فيما وقفت عليه من كتب التراجم من أشار إلى تتلمذ الرازي عليه.


وكما تقدم فإن الرازي لم يُعرَف بكثرة الشيوخ، وإنما كان غالب تحصيله من الكتب، ويمكن أن يقال بأن غالب تكوينه الفلسفي حصّله بالمطالعة والقراءة، بعد دراسته على الجيلي، حيث عني بالكتب الفلسفية وصرف فيها شطراً صالحاً من الجهد والوقت([2])، وكان اهتمامه منصباً على ابن سينا وكان معظِّماً له و "لا يطلق لفظ الشيخ إلا عليه وكان يحفظ الإشارات التي له بالفاء والواو ويكتبها من حفظه"([3]).


قال في مقدمة شرحه لـ (الإشارات والتنبيهات): "ولما كان كتاب الإشارات والتنبيهات من كتب الشيخ الرئيس، وإن كان صغير الحجم إلا أنه كثير العلم، عظيم الاسم ..." إلى أن قال: "وكنت قد صرفت طرفاً صالحاً من العمر إلى تتبع فصوصه، وتفهم نصوصه، واستكشاف أسراره والتعمق في أغواره، أردت أن أثبت تلك الفوائد إرشاداً للطالبين إلى هذا المطلب العظيم، والمقصد الكريم"([4]).


فلاشك أن ابن سينا أهم مصادر الرازي الفلسفية، وهذا لا يمكن أن يشكك فيه من اطلع على كتب الرازي.


وممن كان يُجِلُّهم الرازي من الفلاسفة: أبو البركات البغدادي، الذي يعده "من أكابر الفلاسفة المتأخرين"([5])، ويستشهد باعتراضاته على الفلاسفة كابن سينا وغيره فيما يخالفهم فيه([6])، لكن كثيراً من تلك الاعتراضات التي يوافق فيها أبا البركات هي قول للمتكلمين وغيرهم، فيستشهد الرازي به من باب الرد على كلام الفلاسفة ممن هو من أصحابهم، كاستشهاده بإثبات أبي البركات علم الله بالجزئيات خلافاً للفلاسفة([7])، ونحو ذلك([8])، وهذا النوع من الاحتجاج بكلام أبي البركات لا يجعل قول الرازي الموافق لأصوله الكلامية؛ متأثراً بأبي البركات([9])، وقد وقع له بعض التأثر به لكن غالبه في العلم الطبيعي([10]).


وممن ينقل عنهم الرازي: محمد بن زكريا الرازي، وقد استحسن بعض كلامه، كاستدلاله على وجود الله بعجائب بدن الإنسان، حيث قال عنه: "واعلم أن هذا البيان الذي ذكره محمد بن زكريا الرازي في هذا الموضع حسن كامل"([11])، ويستفيد أيضاً من اعتراضاته على الفلاسفة([12])، وغيرهم كالمعتزلة([13]) إذا وافقت رأيه، كما يفعل مع أبي البركات البغدادي.


ومن نافلة القول أن الرازي لم يكن متأثراً بكل ما يذكرونه بل يخالفهم كثيراً، ولسنا بصدد تتبع الموافقات والمخالفات، وإنما المقصود الإشارة إلى اطلاعه على كلامهم.

ويذكر الرازي آراء بعض الفلاسفة غير هؤلاء من المنتسبين إلى الإسلام، كثابت بن قرة الحراني([14])، أو من قدماء فلاسفة اليونان، كقوله: "وجاء في الفلسفة القديمة"([15]).


لكن الإمام ابن تيمية يشكك في اطلاعه على كتب أولئك، ومعرفته الدقيقة بآرائهم، ويغلب على ظنه أنه يأخذ آرائهم من كتب المتأخرين، فيقول: "غالب مادته.... في كلام الفلاسفة: ما يجده في كتب ابن سينا وأبي البركات ونحوهما"([16])، ومقصود ابن تيمية أن نسبة الرازي للأقوال إلى قدماء الفلاسفة ليست دقيقة، وأن سبب ذلك اعتماده على ما يجده في كتب المتفلسفة المنتسبين إلى الإسلام كابن سينا وأبي البركات البغدادي؛ وذلك لأن الرازي ربما نسب قول قدماء الفلاسفة إلى أبي البركات مثلاً وهو معروف قبل أبي البركات، فهذا ما تنبه له ابن تيمية وفي ذلك يقول: "فهذا القول الذي حكاه – يعني الرازي- عن أبي البركات هو قول أكثر قدماء الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو، وقول كثير منهم، كما نقل ذلك أرباب المقالات عنهم"([17]).


وربما نسب قول ابن سينا مثلاً إلى جمهور الفلاسفة، وفي ذلك يقول ابن تيمية: "وما ذكره الرازي من اتفاق الفلاسفة على أن الله تعالى عالم بالكليات؛ فهو اتفاق ابن سينا وأمثاله، بخلاف أرسطو وأتباعه"([18]).


بل لا حظ ابن تيمية أنه ربما حكى الإجماع أو الاتفاق اعتماداً على ابن سينا، فقال: "إذا قال الرازي: (أجمعت الفلاسفة)، فإن عمدة ما ذكره ابن سينا"([19])، وهذا ما أكده الدكتور إبراهيم مدكور، فقال متعجباً من ذلك: "ووصل الأمر بفخر الدين – وهو من نعرف إلماماً بالآراء والمذاهب- أن قال: (أطبق الفلاسفة على أن النفس جوهر ليس بجسم)([20])، وكأنَّ الفلاسفة إذا ما ذكروا في العالم الإسلامي بعد القرن الخامس الهجري، إنما يراد بهم ابن سينا!!"([21]).


وهذا يؤكد نتيجة وهي: أن الرازي وإن نسب الكلام إلى أحد الفلاسفة باسمه، فليس هذا -وحده- دليلاً على اطلاعه على كتبه؛ لأنه ربما نقل بواسطة، فحينما يقول الرازي مثلاً: "ما ذكره (بطليموس) في كتاب (الثمرة).."([22])، أو يقول: "وحكى (أبو الفاء البوزجاني) في(مجسطيه).."([23])، فليس هذا كافياً في الدلالة على أنه أطلع على هذه الكتب بنفسه.


كما أن عدم ذكره للمصادر أيضاً لا يدل على عدم اطلاعه عليها، وقد يكون أطلع على بعض كتبهم، كما صرّح بذلك في قوله: "رأيت في كتاب (الأهوية والبلدان) لـ(أبقراط) "([24])، فيكون تصريحه بأنه رآه دليلاً على أنه اطلع عليه بخلاف مجرد النقل عنهم.


وبالجملة فمن الصعب جداً تحديد مصادر الرازي الفلسفية في كل كتبه، لكن المحَقَّق أنه يعتمد كثيراً على كتب ابن سينا، وأبي البركات البغدادي وأمثالهما ممن ينقل كلام الفلاسفة.

ولا بد هنا من التفريق بين أمرين:


الأول: اطلاع الرازي على أفكار الفلاسفة، فهذا مما لا شك فيه؛ لكن هل كان اطلاعه عليها مباشراً أم بواسطة؟ هذا ما يصعب إثباته أو نفيه، لأنه يحتاج إلى تتبع للآراء التي نسبها الرازي إليهم والتأكد من صحة نسبتها، والذي حصل للإمام ابن تيمية أنه وقف على نماذج لم يكن الرازي مصيباً في نسبتها إلى الفلاسفة، ويرى أنه إنما يعتمد في ذلك على ما يجده في كتب ابن سينا وأبي البركات وأمثالهما، وكذلك ما ذكره الدكتور إبراهيم مدكور، من نسبة الرازي قول ابن سينا إلى الفلاسفة.

وهذا غير مستبعد؛ لأن الرازي كما هو واضح من منهجه أنه يولِّد الأقوال أحياناً بمجرد الفهم والقياس على الأصول ولا يلتزم فيها بالنقل عن أصحابها!


الأمر الثاني: التأثر بتلك الآراء؛ فهذا يمكن أن يحصل دون أن يطلع على آرائهم مباشرة وإنما بواسطة، بل ربما يتأثر بابن سينا مثلاً فيما هو متأثر فيه بأرسطو، وبالتالي فلا يمكن أن يجعل تأثر الرازي ببعض أفكار أفلاطون –مثلاً- دليلاً على أنه كان مطلعاً على كتبه.


---------

([1]) في ترجمة شمس الدين الشرواني الصوفي، قال الصفدي: "أخبرني الشيخ الإمام شمس الدين محمد بن ابرهيم المعروف بابن الأكفاني، وقد تقدم قال: قرأت إشارات الرئيس أبي علي بن سينا على الشيخ شمس الدين الشرواني الصوفي بخانقاه سعيد السعداء داخل القاهرة أواخر سنة ثمان وتسعين و أوائل سنة تسع، وقال لي: قرأتها بشرحها على شارحها خواجا نصير الدين محمد الطوسي، قال: قرأتها على الأمام أثير الدين المفضل الأبهري، قال: قرأتها على الشيخ قطب الدين ابرهيم المصري، قال: قرأتها على الأمام المعظم فخر الدين محمد الرازي، قال: قرأتها على الشيخ شرف الدين محمد المسعودي قال: قرأتها على الشيخ أبي الفتح محمد المعروف بابن الخيام، قال: قرأتها على بهمنيار تلميذ الرئيس، قال: قرأتها على مصنفها الرئيس أبي علي ابن سينا، وتوفي الشرواني بضم الشين المعجمة وسكون الراء سنة تسع وتسعين وست ماية". الوافي بالوفيات (2/ 101).

([2]) انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (265).

([3]) الوافي بالوفيات (12/ 249).

([4]) شرح الإشارات والتنبيهات (1/2).

([5]) الأربعين (1/118).

([6]) انظر: الأربعين (2/266)، والمباحث المشرقية (1/346).

([7]) انظر: المباحث المشرقية (2/498-503).

([8]) انظر: الأربعين (1/118).

([9]) انظر: التفكير الفلسفي لدى الرازي، للرشيد قوقام (236).

([10]) انظر: التفكير الفلسفي لدى الرازي (231).

([11]) المطالب العالية (1/225).

([12]) انظر مثلاً: المطالب العالية (4/227).

([13]) انظر مثلاً: المطالب العالية (4/419).

([14]) انظر: المباحث المشرقية (2/66).

([15]) المطالب العالية (2/80).

([16]) درء التعارض، لابن تيمية (2/ 159).

([17]) درء التعارض، لابن تيمية (2/ 159).

([18]) شرح الأصفهانية، لابن تيمية (88).

([19]) شرح الأصفهانية، لابن تيمية (316).

([20]) المعالم (82).

([21]) في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق (1/169).

([22]) المطالب العالية (7/345).

([23]) المطالب العالية (7/384).

([24]) المطالب العالية (7/316).






انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.




انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.