تاريخ علامات الترقيم: كيف صارت تقلّبات الفكر ونبرات الصوت واتّقاد المشاعر علاماتٍ مكتوبة؟

5 سبتمبر 2026
مدونة نَشر
تاريخ علامات الترقيم: كيف صارت تقلّبات الفكر ونبرات الصوت واتّقاد المشاعر علاماتٍ مكتوبة؟

تاريخ علامات الترقيم:

كيف صارت تقلّبات الفكر ونبرات الصوت واتّقاد المشاعر علاماتٍ مكتوبة؟[1]


بقلم: فلورنس هازرات

ترجمة: مرح نصار علي[2]



تمهيد المحرر:


«علامات الترقيم أساسية في التواصل الكتابي؛ فهي إشارات المرور التي تنظّم معنى جملنا، وتضبط نبرتها الشعورية أيضًا!»

هكذا كتبت فلورنس هزرات وهي باحثة ألمانية من أصول إيرانية، وقد قضت عدة سنوات من حياتها الأكاديمية في دراسة علامات الترقيم التي شغفت بها كما تقول في مدونتها الخاصة. وصنّفت أولًا كتابها عن علامة التعجب (النقطة التعجبية: تاريخ موجز لعلامة التعجب) الذي نشر عام 2023:



ثم طوّرت مشروعها، وأصدرت مؤخرًا في 2026 كتابًا شاملًا عن «تاريخ علامات الترقيم: من مصر القديمة إلى الرموز التعبيرية»:



**

ربما تتعجّب حين تعلم أن منظومة علامات الترقيم التي نعرفها اليوم ليست بالقدم الذي قد تتوقّع، فمعظم علامات الترقيم المستعملة اليوم في اللغات الأوروبية تبلورت في المدة بين 1400 و1600، ثم ظلت منذ ذلك الحين شبه ثابتة.

أما في الكتابة العربية فقد عُرفت منذ وقت أقدم علاماتٌ للفصل والوقف وتنظيم القراءة، ويسرد مصطفى الجوهري، في مقالته «علامات الترقيم في المخطوطات العربية» المنشورة في مجلة معهد المخطوطات العربية أبرزها كما تظهر في المخطوطات العربية القديمة:


ثم جاء أحمد فارس الشدياق (1219–1304هـ / 1804–1887م) في كتابه (اللفيف في كل معنى طريف) الذي نشر أول مرةً في مالطة عام 1255هـ/1839م؛ ورأى أن يصطلح (على هذه العلامات، جريًا على ما يستعمله الإفرنج في كتبهم من الإشارات)، وهذه العلامات هي الفاصلة، والتعجب، والاستفهام، ونحوها.

ويأتي التقعيد الأشهر الذي خطه أحمد زكي باشا في كتابه (الترقيم وعلاماته في اللغة العربيّة: ورسم بعض الحروف ووضع الحركات وضبط الأعلام الجغرافية والتاريخية والاختزال في بعض الكلمات وبعض الجمل الدعائية) المطبوع بالمطبعة الأميريّة بمصر، سنة ١٣٣٠هـ/١٩١٢م، وبخلاف تسمية الشدياق لها «إشارات»، اختار أحمد زكي لهذا العمل اسم «الترقيم»، فقال: (قد أصطلحتُ على تسمية هذا العمل بالترقيم، لأنّ هذه المادّة تدلّ على العلامات والإشارات والنقوش التي توضع في الكتابة)، ولأجل صوغها بإتقان شرع في مراجعة ما ألّفه علماء العربية في الوقف والابتداء، ثم رجع إلى ما استقرّ عليه اصطلاح الأوروبيين في كتب النحو والمعاجم. وانتهى إلى أن النظامين يمكن التوفيق بينهما في أكثر المواضع استعمالًا، وأن ما بينهما من اختلاف لا يعدو جزئيات يسيرة لا تحتاج العربية إلى الأخذ بها.


ولم يقدّم هذه العلامات بوصفها ابتكارًا من عنده، وقد قال: (هذه العلامات قد شاع استعمالها في المدارس والمطبوعات والمخطوطات العربيّة، في عصرنا هذا). بل سبق له أن نشر سنة 1318هـ/ 1900م كتابه "الدنيا في باريس"، وصدّره بتنبيه نصه: (رأينا تقدم العصر في الكتابة والفكر، يوجب إتحاف أبناء العربية بالإشارات المستعملة في أغلب اللغات الأورباوية؛ لإرشاد القارئ على مواقع الوقوف القليل، والمستطيل، ومواضع التعجُّب والحيرة والاستفهام ونحو ذلك، لا جرم أن هذه الإشارات خير مرشد له في حسن التلاوة، وعدم خلط الجمل مع بعضها، كما هو حاصل في أغلب المطبوعات العربية، بحيث يضطر الإنسان كثيرًا لمراجعة نفسه وإعادة القراءة لمعرفة أول الجملة من آخرها).


ولكن أهمية كتاب أحمد زكي الأشهر تكمن في كونه (نقل استخدام علامات الترقيم من المستوى الفردي غير المتفق عليه، ومن المؤسسات غير الرسمية، إلى المؤسسة الرسمية)، كما يقول محمود مصطفى في مقالته المفيدة (تطور استخدام علامات الترقيم في اللغة العربية) المنشور في مجلة مجمع اللغة العربية بالناصرة، وقد توصل بعد تتبع إلى أن الكتب المطبوعة منذ بدء الطباعة باللغة العربية نقلت العلامات الشائعة في المخطوطات، بانتقاء واحدة من هذه العلامات أو أكثر، دون تمييز بين وظائفها على الغالب. وقد تغيّرت صور بعض العلامات التي تراها في الصورة السابقة، أما الفاصلة العربية فبقيت على صورتها الأصلية.


وعلى أية حال، لا تتطابق علامات الوقف والفصل في التراث العربي والإسلامي مع نظام الترقيم الحديث؛ فلكل منهما سياقه ووظائفه، وإن التقيا في بعض أغراض تنظيم القراءة وتوضيح المعنى. كما أن انتقال علامات الترقيم الأوروبية إلى العربية لم يقع دفعةً واحدة، بل جرى تدريجيًا مع الطباعة والصحافة والتعليم، قبل أن يُقعَّد استعمالها على نحو أوضح. وتعرض المقالة المترجمة أدناه جانبًا من المسار الغربي لهذا التاريخ:


**

أحَقًّا ماتت علاماتُ التّرقيم؟


إن كنتَ ممّن كتبوا يومًا في رسالةٍ هاتفيّة "im here" بَدَلًا من "I'm here" أو   "its in the car" بَدَلًا من"it's in the car" [3]، فلَستَ بِدْعًا في ذلك، بل إنّ رِفقةً واسِعة تشاركك ذاك الصّنيع؛ فمنذ بزوغ فجر الرسائل النصيّة، ندَرَ ألّا يكونَ أحدُنا قد تجاوَزَ حدودَ القواعِدِ اللغويّة الصّارمة، فأغفَلَ فاصلةً عُليا هنا أو هناك طلبًا للسّرعة أو التماسًا للخِفّةِ والرّاحة.


وقد كشفت الدّراسات أن تلك الممارَساتِ التّراسليّة -مثل الأخطاء الإملائيّة المتعمّدة، والاختصارات، وإسقاط الفواصلِ العُليا- لا تُفضي إلى تدهوُرِ الملَكات اللّغويّة، بل إنّها -على النّقيض من ذلك- قد تشحذُها وتُعَزِّزُها؛ وذلك مشروطٌ بأن يترافَقَ التراسُل العفويّ مع تعليمٍ منهجيّ لقواعِدِ اللغةِ الأصيلة.

بَيْدَ أنَّ إسقاطَ هذا الخُطَّاف المطبعيّ الصغير -نعني بهِ الفاصلةَ العُليَا- قد يطرحُ إشكالاتٍ أكثرَ عُمْقًا وخطورةً حينَ يتعدَّى المراسلاتِ الخاصّةَ إلى الفضاءاتِ العامّة؛ كما هي الحالُ في الإعلاناتِ الترويجيّة، أو لافتاتِ المَتاجرِ والمَقاهي، بل وحتَّى في لوحاتِ أسماءِ الشوارع. فهل يختلِفُ الأمرُ حينَ تكونُ الجهاتُ الرَّسميّةُ نفسُها هي مَنْ يخرقُ القواعدَ اللغويّة؟ وهنا مَثَلَتْ الجمعيّةُ الدوليّةُ لحمايةِ الفاصلةِ العُليَا(Apostrophe Protection Society) ، مَرفوعةَ اللواءِ لِتُشهِّرَ بالتجاوزاتِ وتَبُثَّ الوعيَ بالممارساتِ اللغويّةِ السَّوِيَّة.


ولكنْ تشرينُ الثاني (نوفمبر) من عامِ 2019 حمَلَ نَبَأَ زوالِ هذهِ الجمعيّة؛ ولم يكنْ خُفوتُ نَشاطِها عائدًا فحسبُ إلى تقدُّمِ عُمْرِ مؤسّسِها جون ريتشاردز الذي ناهزَ السادسةَ والتسعينَ -وهو عُمْرٌ يفرضُ احترامَهُ بلا رَيْب- بل أعلنتِ الجمعيّةُ أنَّ قرارَ الإغلاقِ جاءَ نِتَاجًا لما وَصَفَتْهُ بـ "الجهلِ والكسلِ المُستشرِيَيْنِ في عصرِنا الحديث".


وقد تَرَدَّدَ صدى هذا الإعلانِ في وسائلِ الإعلامِ العالميّةِ كافّة، مِمَّا أدَّى إلى قفزةٍ في عَدَدِ زياراتِ مَوْقِعِها الإلكترونيّ -ذي الطابعِ الكلاسيكيِّ الساحر- بنحوِ ستمئةِ ضِعْف، وهو ما تسبَّبَ في خروجِهِ عن الخدمةِ مُؤَقَّتًا، واندلاعِ موجةِ من الاحتجاجِ والاستنكارِ لإغلاقِ الجمعيّة. قد تتغيَّرُ عاداتُنا في استخدامِ علاماتِ الترقيم، لكنَّنا لا نزالُ نأبهُ بها.


أَتُرى قواعِدُ اللغةِ المعياريّةُ ضرورةً لا غنى عَنها، أَمْ أَنَّها لَيْسَتْ إلَّا أثَرًا باقِيًا مِن رواسِبِ التَّزَمُّتِ التّقليديِّ والعَهْدِ النُّخبَوِيّ الماضي؟ وهَل نحنُ بحاجةٍ حقيقيَّةٍ إلى الفَواصِلِ العُليا -أو أيّةِ علامةِ ترقيمٍ على الإِطلاق- أمْ يَسَعُنا أنْ نُخَفِّفَ منها قصدًا للإيجازِ وطلَبًا للاختِصار؟ أَفَتَكُونُ كِتَابَةُ اسْمِ شارِعٍ مِثْلَ "Princes Street" (شارع الأمراء) عَرِيًّـا عن الفاصِلَة، بَدَلًـا مِنْ صِيغَةِ المِلْكِيَّةِ لِلْمُفْرد "Prince’s" أَوْ حتّى صيغَتِها الجَمْعِيَّة المَنيعَة "Princes’ Street" ، أمارَةً حقًّا على ضَعْفِ اكتِراثِنا وإِهمالِنا البالِغِ للدَّقائقِ في عَصْرِنا هذا؟ فَإنْ كانَ في مَقدورِ عَلاماتِ التّرقيمِ أن تَتَساقَطَ وتَزول معَ بقاءِ الكَلامِ مُفيدًا لِلْمَعنى، فَما الَّذي دَعانا إلى اصْطِناعِها والحاجَةِ إليْها بَدْءًا؟ إنَّ لِعَلاماتِ التّرْقيمِ -شَأنها شأن أيِّ نِتاجٍ ثقافيٍّ آخَر- تاريخًا حافِلًا بالمَنافِع العامَّةِ والأهْواءِ الشَّخْصِيَّة.

إنَّ علاماتِ الترقيمِ -بالمعنى الواسِعِ للكلمة- هي أيُّ رمزٍ أو علامةٍ في النصِّ لا تمثِّلُ حرفًا أبجديًا. ويشملُ ذلك الفراغاتِ بين الكلمات، وهي فراغاتٌ لم يكن حضورُها أمرًا مسلَّمًا به على الدوام؛ ففي العصورِ الكلاسيكيةِ القديمة، كانت النقوشُ الحجريةُ والمخطوطاتُ اليدويةُ تُكْتَبُ على نحوٍ متواصلٍ دون فواصل: "هكذاستبدوالكتابة"؛ مكتوبةً على لفائف، يمكن أن تمتدَّ إلى ما لا نهايةَ.


أما أسبابُ هذا الأسلوبِ المتصلِ في الكتابةِ فليستْ واضحةً جليّة، لعلَّها ترتبطُ بتصوُّرٍ كان يَرَى في الكتابةِ مَحضَ سِجِلٍّ للملفوظِ الصوتيِّ لا ممارسةً لغويةً قائمةً بذاتِها. وبما أنَّنا لا نكادُ نَعِي تلك الوقفاتِ اليسيرةَ الخاطفةَ التي نقِفُها بين الكلماتِ أثناءَ حديثِنا، لم يكنْ مِن البدَهيِّ أن نُفرِدَ لشيءٍ نَفعلُه ونُدْرِكُه لا شعوريًا علامةً تمثِّلُه، وهي في حقيقتِها "لا علامةَ": ونَعني بها الفراغَ الأبيضَ.


لقد كان إلقاءُ المحاضراتِ والخطبِ السياسيةِ أحدَ الأغراضِ الرئيسةِ للكتابةِ في اليونانِ وروما القديمتينِ، ولم يكنِ الغرضُ منها نشرَ النصوصِ وتداولَها. فقبل اعتلائِه المِنبر، كان الخطيبُ يعكفُ على نصِّه فيُهذِّبُه، واضعًا رموزًا ذاتيةً يصطلحُ عليها بينه وبين نفسِه؛ لتشيرَ إلى المقاطعِ الصوتيةِ الطويلةِ والقصيرة، ومواضعِ الوقفِ لتحقيقِ الأثرِ البلاغيِّ والتقاطِ الأنفاس، فضلًا عن وصلِ الكلماتِ عند القراءةِ الجهرية. إذ لم يكنْ ثَمَّ وجودٌ لِما نسمِّيه اليوم "القراءةَ من النظرةِ الأولى" أو القراءةَ المرتجلةَ.


ظلَّتِ الكِتابةُ طيلةَ مئاتِ السنين مُرسَلةً مَحرومةً من علاماتِ الترقيم، وذلكَ على الرَّغمِ من المحاولاتِ الفرديّةِ الدَّؤوبةِ كمحاولةِ أريستوفان، أمينِ مكتبةِ الإسكندريّة. ففي حدودِ عامِ مِائتيْ سنةٍ قبلَ الميلاد، سَعَى أريستوفان الإسكندريّ إلى تيسيرِ نُطْقِ الإغريقيّةِ على الأعاجم؛ فاقترحَ رسمَ دوائرَ صغيرةٍ تَتوزَّعُ على مستوياتٍ مختلفةٍ من السَّطْرِ ترمزُ إلى وقفاتٍ متباينةِ الطُّول، لِيَعكسَ بذلكَ جَرَسَ الجملةِ وإيقاعَها الموسيقيَّ دُونَ أنْ يَمَسَّ بِنْيَتَها النَّحويّةَ. وقَدْ ظلَّتْ صياغةُ البنيةِ النَّحويّةِ مَطْمَحًـا بعيدًا أُرجِئَ تحقيقُهُ حتَّى القرنِ السابعِ الميلاديِّ على يدِ الموسوعيِّ ورَجُلِ الكنيسة إيزيدور الإشبيليِّ.


اخْتَرعَ إيزيدور علاماتِ الترقيمِ الثلاث: النُّقطةَ، والفاصلةَ، والنُّقطتيْنِ الرَّأسيَّتيْن. إذْ أَعادَ النَّظَرَ في نظامِ الترقيمِ الذي وضعَهُ أريستوفان -القائمِ في جَوْهَرِهِ على وقفاتِ عند القراءةِ الجهرية- لِيَصُوغَهُ صياغةً بنائيَّةً تَرتبطُ بالأركانِ النَّحويّةِ للجملة. فصارتِ العبارةُ التي لُفِظَتْ واستقامَ معناهَا ونَحْوُها تُوسَمُ بنقطةٍ في أعلى السَّطر، وهي النُّقطةُ التي هبطتْ بمرورِ الأيامِ إلى قاعِ السَّطرِ لِتغدوَ "النُّقطةَ" أو "علامةَ الوقفِ التَّامّ" بِمَفهومِها الحديث.


أمَّا العبارةُ تامَّةُ النَّحوِ والدَّلالةِ التي تحتملُ استرسالًـا وإضافة، فكان نصيبُها نُقطةً تَتوسَّطُ السَّطر، وهي التي مَهَّدتْ لولادةِ "النُّقطتيْنِ الرَّأسيَّتيْنِ". وفي خِتامِ المَطاف، فإنَّ العبارةَ غيرَ التامَّةِ في بِنْيَتِها ودَلالتِها كان يُشارُ إليها بنقطةٍ عندَ أسفلِ السَّطر، وهي التي تَحوَّرَتْ لِتُصبِحَ "الفاصلة".


وبِهذا النِّظامِ الجديد؛ بَعْدَ أنْ كانَ رَسْمُ فواصلِ الكِتابةِ حَكْرًا على نِهاياتِ الجملِ التامَّة؛ صارَ مَقدورًا تمييزُ المكوِّناتِ والوحداتِ البنائيّةِ في داخلِ الجملةِ الواحدة. وقد لَقِيَتْ أفكارُ إيزيدور قَبُولًـا واسعًـا وسارتْ بها الرُّكْبانُ، وقبلَ انقضاءِ ذلكَ القرن، عمدَ الرهبانُ الأيرلنديونَ إلى إدخالِ الفراغاتِ البينيّةِ بَيْنَ الكلماتِ لِتَنْسَلَّ بينَ نظامِ النِّقاطِ هذا.


وتَقِفُ هذهِ التَّحوُّلاتُ شَاهِدًا على انْعِطافَةٍ مِفْصَلِيَّةٍ في فَلْسَفَةِ الكِتابة؛ إذ لَمْ تَعُدْ مُجرَّدَ رَسْمٍ صَدَوِيٍِّ لِأَصْوَاتٍ مَنْطوقة، بل أصبحتْ وِعَاءً مُهَنْدَسًـا يَقِيدُ المَعرفةَ والمَعلومات. فلم يَعُدِ المَعنى بِحاجةٍ لِيَعْبُرَ من مَنْفَذِ العَيْنِ إلى فِضاءِ العَقْلِ عبرَ جِسْرِ الصَّوتِ والأُذُن، بل غدا يُدرَكُ مُباشرةً -في صَمْتٍ بليغ- بِمُجرَّدِ النَّظَر.


تُقـدِّمُ علامـاتُ التَّرتـيلِ عَوْنًا للأداءِ الشَّفَـهـيِّ؛ بــدءًا مــن

مَواضعِ الوقف، وصولًا إلى الألحانِ الموسيقيّةِ المقرَّرَة


كانَ الباعثُ الرَّئيسُ تعليميًّـا؛ فمعَ أفولِ الإمبراطوريّةِ الرومانيّةِ تسلَّلَ ضعفٌ تدريجيٌّ في مَعرفةِ اللغةِ اللاتينيّة، فكانَ كلُّ ما يُعينُ على فَهْمِها حائطَ صَدٍّ يَقِيها التَّدهوُر، ولا سِيَّمَا أنَّ اللاتينيّةَ لغةٌ إعرابيّةٌ تعتمدُ على تصريفِ أواخرِ الكلماتِ التي تتغيَّرُ بحَسَبِ مَوقِعِها الإعرابيّ، مِمَّا يَعْرِضُها لِلَّبْسِ بسهولة. وقَدْ ساهَمَ انتشارُ المسيحيّةِ واعتمادُها على الكِتابِ المخطوطِ في تحفيزِ الحاجةِ المُلحَّةِ لِزيادةِ وضوحِ الكِتابةِ قَصْدَ تثبيتِ المَعنى؛ فما دامَ الكتابُ المقَدَّسُ يُمثِّلُ كلامَ الرب الخالِصَ من الشَّوائِب، فقد كانَ مِن الحَسْمِ بمكانٍ ضَمانُ سِلْسِلَةِ نَقْلٍ صَافِيَةٍ لا يَعترِيها تبديل.


ومع أنَّ المسيحيّةَ قد طَوَّرَتْ نِظامَ الترتيلِ الخاصَّ بها، والذي ساهَمَتْ رُموزُهُ في نَشْرِ علاماتِ التَّرقيمِ خِلالَ العصورِ الوسطى، فإنَّ تلاوةَ كلماتِ الكتابِ المقَدَّسِ بصوتٍ مرتفعٍ بعدَ ترجمتِها وتثبيتِها باللاتينيّةِ لا تُؤثِّرُ في جَوْهَرِ معناها فَهْمًـا وإدراكًـا. فالمسيحيّةُ -خِلافًـا لِلْيهوديّةِ والإسلامِ اللَّذَيْنِ يَرتكِزانِ على مَوْرُوثٍ شَفَهِيٍّ راسِخ- كانتْ مُنذُ نَشأتِها ديانةً كِتابيّةً إلى حدٍّ كبير[4]. وتَعُودُ إحدى أقدمِ مَخطوطاتِ التوراةِ إلى القرنِ التاسعِ الميلاديّ، وتَظهَرُ فيها شواهِدُ على إضافةِ الحركات، بالإضافةِ إلى علاماتِ الترتيلِ التي تُعينُ على الأداءِ الشَّفَهيّ، بَدْءًا من مَواضِعِ الوقفِ وصولًا إلى الألحانِ الموسيقيّةِ المُقرَّرَةِ التي يَنبغي أنْ تُرتَّلَ بها الجُملة.


وتُوجَدُ مِثْلُ هذهِ العلاماتِ الترتيليّةِ في القرآنِ الكريمِ أيضًا، الذي يَرتبِطُ جَوْهَرُهُ ارْتباطًـا وثيقًـا بالأداء؛ إذ نُزِّلَ النصُّ بواسطة المَلك جِبريل على النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تلاوةً وترتيلًا. وتأتي العلاماتُ القرآنيّةُ المعروفةُ بـ"علاماتِ الوقف" على شَكْلِ حُروفٍ مُفردةٍ تُكتَبُ فوقَ السَّطر، لِتُبَيِّنَ أنواعًـا شتَّى من الوقف، تَتراوحُ بَيْنَ الوقفِ اللازمِ أو وَصْلِ الكلمات، وبَيْنَ "الوقفُ أَوْلَى"، و"يجوزُ الوقف"، و"يَجِبُ الوقفُ". ولا تَقومُ مَواضِعُ الفصلِ والوَصْلِ الصوتيِّ هذهِ لِتكونَ مَواضِعَ لِلتَّنفُّسِ بالدَّرجةِ الأُولى، بل لِتثبيتِ المَعنى وإضفاءِ الجَمال.


تَشتملُ النصوصُ العربيّةُ والعبريّةُ اليومَ على علاماتِ الترقيمِ ذاتِها المعهودةِ في اللغاتِ الغربيّة، وإنْ كانَ الكُتَّابُ نادِرًا ما يَستعملونَها على أكملِ وجه. وقَدْ عرفَتِ العربيّةُ الحديثةُ دخولَ علاماتِ الترقيمِ الغربيّةِ أواخرَ القرنِ التاسعِ عشر، في مَسارٍ ارتبطَ ارتباطًا وثيقًا بالحقبةِ الاستعماريّةِ. ففي مَقالٍ نُشِرَ عامَ 1893 في مَجلةِ "الفتاة" المصريّة، دَعَت الأديبةُ اللبنانيّةُ زينب فوَّاز إلى اقتباسِ علاماتِ الترقيمِ الغربيّةِ قياسًا على النَّموذجِ الفرنسيّ. وكانَ مَطْمَحُها تيسيرَ العربيّةِ المكتوبةِ لعامَّةِ النَّاسِ وتَحقيقَ انتشارها، لِتكونَ مُقترَبَةَ المَنالِ دونَ حاجةٍ إلى مَعرفةٍ نحويّةٍ مَنهجيّةٍ مُتعمِّقة؛ تِلْكَ المَعرفةُ التي ظلَّتْ حِكرًا على نُخبةٍ يسيرةٍ من الصَّفْوَةِ المُتعلِّمة. وعَبْرَ إدراجِ علاماتِ الترقيم -بوصفِها "إشاراتِ المرورِ" للنَّصِّ التي تُوجِّهُ القارئَ إلى مَواضعِ ابْتِداءِ المَعنى ومُنْتهاه، وتَدُلُّهُ على كيفيّةِ تلقِّيه- كانتْ تَأمُلُ في مَحْوِ الأُمِّيَّةِ ونَشْرِ المَعرفةِ بالعربيّة، ومُقاوَمةِ تَغلغُلِ الفرنسيّةِ بوصفِها لغةً لِلتَّدوينِ والكِتابةِ في المَغربِ العربيّ. وفي عامِ 1900، كَتَبَ أحمد زكي [باشا] أوَّلَ رِوايةٍ عربيّةٍ تَعتمدُ علاماتِ الترقيمِ الغربيّة، وقد مَهَّدَ لها بِمُعجَمٍ اصطلاحيٍّ ومُقدِّمةٍ بليغة، مُثنيًا على عظيمِ نَفْعِها في صَوْنِ العربيّةِ وحِفظِ كِيانِها.


إنَّ تاريخَ تَطوُّرِ علاماتِ الترقيمِ تاريخٌ مُتشعِّبٌ يَفتقرُ إلى النَّسَقِ المُطَّرِد؛ ذلك أنّ عواملَ شتَّى تتضافَرُ لِتحولَ دُونَ صياغةِ سَرْدِيَّةٍ تاريخيّةٍ بَسِيطَةٍ لَه، ومِنْ ذلك: العاداتُ المتباينةُ للكُتَّابِ فُرادى، والأشكالُ المتغيِّرةُ للعلاماتِ التي تتبدَّلُ من مَخطوطةٍ إلى أُخرى، أو حتَّى الدَّواعي العمليّةُ البَحْتَةُ المتعلِّقةُ بِتَوفيرِ المساحاتِ على السُّطور.

وبَدَلًا من تَصوُّرِ هذا التطوُّرِ في خَطٍّ نُشوئيٍّ مُستقيم، يَجْدُرُ بِنا أنْ نَتخيَّلَ نُموَّ علاماتِ الترقيمِ على شَكلِ الجِذْمُور (الريزوم)؛ وهو شَبكَةٌ أُفقيّةٌ مَطَّاطَةٌ من الممارسات، والتَّجارب، والأعرافِ مَرِنةِ الفَهْم، تتقاطعُ فُروعُها فَتُؤدِّي الوظيفةَ ذاتَها أحيانًا على رَغْمِ اختلافِ مَظاهِرِها. وهي فُروعٌ قد تَخفَى وتَغيبُ طَوْرًا لتَظهَرَ في مَوضعٍ آخَرَ تَارة، أو تَنْبثِقُ بَغتةً من غَياهِبِ الخُمولِ لِتَفرِضَ سِيادَتَها على النَّسيجِ الكِتابيِّ لِأسبابٍ شتّى.

ومعَ أواخرِ العصورِ الوسطى، كانتِ الفاصلةُ والنقطتانِ الرأسيّتانِ والنقطةُ قد استقرَّتْ ركائزُها. ثمَّ انضمَّتْ علامتا التعجبِ والاستفهامِ إلى رَكْبِها، لِتَشهدا على نزوعٍ مُلحٍّ إلى تأكيدِ الشحنةِ الشعوريّةِ وتبيانِ النَّبْرةِ الصوتيّة؛ إذ إنَّ ما يَبدو جليًّا لا غبارَ عليهِ في الكلامِ المَنطوقِ قد يَعتريهِ الشكُّ والارتيابُ حينَ يُكتَب، على الرَّغمِ من وجودِ أدواتِ الاستفهامِ وتراكيبِهِ النحويّة.


إنَّ الرَّجاءَ -أو الضرورةَ المُلجِئةَ- لإيضاحِ مرامي الكلماتِ التي انسلَّتْ مُجرَّدةً من نبراتِ الصوتِ وتعبيراتِ الجسد، هو الذي دفعَ بعلاماتِ الترقيمِ إلى حَيِّزِ الوجود. ومِن الشواهدِ النادرةِ على اختراعٍ مَعلومِ الصَّانِع، ولادةُ الأقواسِ في كتاب "عن شرفِ القوانينِ والطبِّ" الصادرِ عامَ 1399م، وهو مُصنَّفٌ يَتأرَّجُ حولَ المفاضلةِ بينَ الطبِّ والقانونِ في مَضمارِ النُّبْل؛ إذ عمدَ العالِمُ الإيطاليُّ كولوتشيو سالوتاتي إلى إضافةِ أقواسٍ نصفِ زاويّةٍ ونصفِ مُستدقَّةٍ إلى النصِّ الذي خَطَّهُ ناسخُهُ الخاصّ، مُظهِرًا بذلكَ مَدَى اهتمامِهِ ودِقَّتِهِ البالغةِ في تفاصيلِ التعبيرِ المكتوب.


يُمثِّلُ الاعتراضُ (parenthesis) صورةً بلاغيّةً من صورِ الاستطراد، وقد كان موجودًا قبلَ اختراعِ العلامةِ البصريّةِ التي تفصلُه عن سياقِ الكلامِ الرئيس. إذْ عَمَدَ مُنَظِّرُ البلاغةِ الرومانيُّ كوينتيليان، في كتابِهِ حولَ التعليمِ البلاغيِّ، إلى صوغِ مقابلٍ لاتينيٍّ للاستطراد، مطلقًا عليه اسمَ «interpositio»؛ وهو تعبيرٌ يُحيلُ -تمامًا كما يفعلُ نظيرُهُ الإغريقيُّ «parenthesis»- إلى الصورةِ الحسيّةِ لشيءٍ يقفُ مكانيًّا بينَ شيءٍ آخرَ أو إلى جانبِه.


وَعَلَى ذَلِك، فَإِنَّ هَذَا الِاسْتِطْرَادَ النَّحْوِيَّ المُصَغَّرَ ضَارِبٌ فِي القِدَم، بَيْدَ أَنَّهُ اسْتَغْرَقَ زُهَاءَ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ عَامٍ لِتَتَبَلْوَرَ العَلَاقَاتُ بَيْنَ الجُمَلِ الرَّئِيسَةِ وَمُتَمِّمَاتِهَا عَبْرَ الجُدْرَانِ شِبْهِ المُنْفِذَةِ لِلْأَقْوَاس. وَمَعَ تَعَاظُمِ دَوْرِ الكِتَابَةِ فِي المُعَامَلَاتِ التِّجَارِيَّةِ وَالتَّوَاصُلِ السِّيَاسِيّ، تَوَالَى ابْتِكَارُ عَلَامَاتِ التَّرْقِيمِ لِتَيْسِيرِ القِرَاءَةِ وَجَعْلِهَا أَسْرَعَ وَأَدقّ.


وَخِلالَ مَسَارِ القَرْنِ الخَامِسَ عَشَر، اتَّخَذَتِ الأَقْوَاسُ شَكْلَهَا الدَّائِرِيّ، غَيْرَ أَنَّ الكُتَّابَ قَلَّمَا اسْتَعْمَلُوها، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ لِتَطْوِيَهَا مَطَاوِي النِّسْيانِ لَوْلَا اخْتِراعُ المَطْبَعَةِ قُرابَةَ عَامِ 1450م. فَقَدْ لَقِيَتْ هَذِهِ الأَقْواسُ قَبولًا سَريعًا لَدى بَعْضِ الطَّبَّاعينَ الأَلْمان. وَأَثْبَتَتِ المَطْبَعَةُ أَنَّهَا كَانَتْ بِمَثَابَةِ نِعْمَةٍ عُظْمى لِعَلاماتِ التَّرْقيم؛ فَهذِهِ التَّقْنِيَةُ الحَديثَةُ لَمْ تَكْفُلْ فَحَسْبُ الطِّباعَةَ السَّرِيعَةَ لِأَعْدادٍ غَفيرَةٍ مِنَ النُّسَخِ بِأَسْعَارٍ زَهِيدَةٍ نِسْبِيًّا، بَلْ أَتَاحَتْ أَيْضًا إِعادَةَ إِنْتاجِ الرُّموزِ وَالعَلَامَاتِ بِشَكْلٍ مُتَطابِقٍ تَمامًا. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ بَقَاءِ قَدْرٍ كَبِيرٍ مِنَ الِاضْطِرابِ حَوْلَ اسْتِعْمَالِ التَّرْقِيمِ وَأَنَّ نُشُوءَ النِّظامِ الحالِيِّ لِلْعَلاماتِ اسْتَغْرَقَ مَدًى مِنَ الزَّمَن، فَإِنَّ التَّقْنينَ المِعْيارِيَّ كَفَلَ سُهُولَةَ القِراءَةِ وَمَهَّدَ السَّبيلَ لِلِاسْتِخْدامِ الواسِعِ لِلْأَقْواسِ وَغَيْرِها مِنْ عَلاماتِ التَّرْقيم.


إِضْرابُ الفاصِلَةِ يَبْسُطُ المَقَاطَعَةَ الشَّعْبِيَّةَ فِي رُوسْيا


لم يكنِ الطَّبَّاعُونَ في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا مجرَّدَ حِرَفِيِّين، بل كانوا في كثيرٍ من الأحيانِ عُلَماءَ مُثقَّفِين، أسهموا إسْهامًـا حاسِمًـا في إدخالِ علاماتِ الترقيم، ونَشْرِ استخدامِها، ورَسْمِ مَعالِمِها. وقدِ اخترعَ أَلْدُوس مَانُوتْيُوس البندقيُّ -وهو النَّجمُ الساطعُ بينَ الطَّبَّاعِينَ المثقفينَ الأوروبيين- الفاصلةَ المنقوطةَ من أجلِ حِوارِيَّةِ "عَنْ جَبَلِ إِيتْنَا"، 1494م للشاعرِ الإيطاليِّ بييترو بيمبو؛ مُتِيحًـا بِذَلِكَ أساليبَ جديدةً وبارعةً للوقفِ التعبيريِّ الرفيع.


بَيْدَ أنَّ المَواضعَ الدقيقةَ لِاستخدامِ هذهِ العلامةِ وكيفيَّتَها لا تزالُ تُحيِّرُنا إلى يومِنا هذا؛ مِمَّا أفضى إلى رَفْضٍ غاضبٍ وتراشُقٍ بألْفَاظٍ نَابِيَة. إذْ نَعَتَها كاتبُ القرنِ العشرينَ كورت فونيجت بأنَّها "كائناتٌ خُنثويَّةٌ مُتشبِّهَةٌ لا تُمثِّلُ شَيْئًـا على الإطلاق"؛ لِمَا يَبثُّهُ غيابُ الحدودِ الحاسمةِ والوضوحِ من قلقٍ في نفوسِ القُرَّاء. وذهبَ الكاتبُ الأمريكيُّ إدوارد آبي إلى أبعدَ من ذلكَ حينَ شبَّهَها بأنَّها "عاصفةٌ من ذَرْقِ الذُّبابِ تَسَاقَطَتْ على الورقةِ المطبوعة". ولكنْ، على الرَّغمِ من هذا الهجوم، فحينَ سُئِلَ القُرَّاءُ عن علامةِ الترقيمِ الأثيرَةِ لديهم في استطلاعٍ للرأيِ أجرَتْهُ مَجلةُ اللُّغَةِ السويديّة سْبْرَاكْتِيدْنِينْغِنْ (Språktidningen) عامَ 2012م، فازتِ الفاصلةُ المنقوطةُ مُحقِّقَةً صَدارةً بفارقِ 10% على سائرِ العلاماتِ الأخرى.


تغدو الفاصلةُ المنقوطةُ على يدِ أديبٍ بليغٍ أو متمكِّنٍ من ناصيةِ البيان مَنزلةً بينَ مَنزلتين؛ معلَّقةً بينَ التَّلكُّؤِ والوصول، فهي تَعِدُ بنهايةٍ حاسمة، لكنَّها تَعكِسُ في الوقتِ ذاتِهِ تَحَفُّظًـا وإِمْسَاكًـا. يصفُ مارتن لوثر كينغ الابن في رسائِلِهِ من السِّجن حالَ السُّودِ في حالةٍ من التَّرقُّبِ والانتظارِ الطويلِ عبرَ سلسلةٍ من الجُملِ التي تفصِلُ بينَها الفواصلُ المنقوطة. إِذْ لَا يَمْلِكُ دَفْعَ المَسَاوَاةِ إِلَى أَجَلٍ غَيْرِ مُسَمًّى، بَدَلًا من إقرارِها فَوْرًا، إلّا أُولئكَ الذينَ لم يذوقوا مَرارةَ الاضطهادِ والظُّلمِ والعُنف. ويَسرِدُ «كينغ» ضُرُوبًـا من التجاربِ المروِّعة، بدءًا من عملياتِ الإعدامِ الغوغائيّ خارجَ نطاقِ القانون، وصولًـا إلى الألقابِ المُهينةِ والندوبِ النفسيّةِ العميقةِ التي خلَّفَها الفصلُ العنصريّ، في جُملٍ متلاحقةٍ تفصِلُ بينَها فواصلُ منقوطة؛ ممَّا يخلُقُ تجربةً نصيّةً تمزجُ بينَ الإمساكِ والفيض. وبعدَ جُملةٍ تفيضُ بالفواصلِ المنقوطةِ ملأتْ صفحةً كاملة، يرتطمُ صوتُ «كينغ» بشاطئِ النقطةِ بوقارٍ مهيبٍ وصارم: "حينَ تُجبرُ على خوضِ صراعٍ أَبَدِيٍّ ضدَّ شعورٍ متغلغلٍ بالهوان وانعدام القيمة somebodiness- حينَها فقط ستُدركُ لِماذا نَجِدُ صعوبةً في الانتظار".


ومُنذُ أواخرِ القرنِ السابعِ عشرَ فَصَاعِدًا، باتَت تحتَ تصرّفِ الكُتَّابِ علاماتٌ متنوّعة؛ منها علامتا الاستفهامِ والتعجُّب، والأقواسُ والفواصلُ المنقوطةُ للوقفِ والإضافة، والشرطاتُ لقطعِ الكلامِ أو الإشارةِ إلى شؤونٍ لم تكتملْ بَعْد، والنِّقاطُ المتتابعةُ (علامة الحذف) للدلالةِ على التردُّدِ أو الشَّكّ، ناهيكَ عن الشرطاتِ الصغيرة، والفواصل، والنَّجمات، وعلامةِ العطف (&)، والحواشي السُّفليّة، والنُّقطةِ والفراغِ البسيطين، فضلًا عن علاماتِ ترقيمٍ ورموزٍ طباعيّةٍ أخرى لا حصرَ لها. ولم تكنْ أيٌّ من هذهِ العلاماتِ مَحكومةً بقواعدَ صارمةٍ حاسمة، بل كانتْ جميعُها في طَوْرِ التشكُّلِ والتبلْوُر. فقد تغلغلتِ الكِتابةُ لتلمسَ مناحي الحياةِ كافّة، الخاصّةِ منها والعامّة، وحملَ ذلكَ معهُ رغبةً عارمةً في تجسيدِ خوالجِ الفكرِ وتناقضاتِه، ونبراتِ الصوتِ المتقلِّبة، وعُمقِ المشاعرِ الجيّاشة، عبرَ خطوطٍ وحروفٍ مَخطوطةٍ بالحِبْر.


لم تكنِ الفاصلةُ المنقوطةُ علامةَ الترقيمِ الوحيدةَ التي دخلتِ التاريخ؛ ففي عامِ 1905م، طالبَ عُمَّالُ المطابعِ في موسكو بأنْ يتقاضَوْا أُجُورًا عن صَفِّ علاماتِ الترقيمِ كشأنِهم في صَفِّ الحروفِ الأبجديّةِ سَواءً بسَواء؛ إذ يتطلَّبُ كِلاهُما الجهدَ العضليَّ والوقتَ الزمنيَّ نفسَه. وما عُرِفَ بـ إضرابِ الفاصلةِ (Comma Strike) بَسَطَ موجةً من المقاطعةِ الشعبيّةِ في أرجاءِ البلادِ كافّة، ممَّا أَلْجَأَ القيصرَ في نهايةِ المطافِ إلى مَنْحِ روسيا أوَّلَ دستورٍ لها. وهكذا، يمكنُ لفاصلةٍ صغيرة -بوجهٍ من الوجوه- أن تُشْعل الغَضَب.


وضِيقًـا بما يَعْترِي الكِتابةَ من سُوءِ فَهْمٍ يَنشأُ عن العَجْزِ عن التقاطِ نَبْرةِ الصوتِ الكامنةِ في السُّطور، اخترعَ الطَّبَّاعُ الإنجليزيّ هنري دينهام علامةً تَدُلُّ على التهكُّمِ والسُّخريّة؛ وقد قدَّمَ دينهام علامتَهُ تلكَ عامَ 1575م. وكانتْ علامتُهُ على هيئةِ علامةِ استفهامٍ مَعكوسة، رجاءَ أن تكونَ إشارةً تنبيهيّةً تُوضِّحُ السؤالَ البلاغيّ، ممَّا يُيَسِّرُ على القارئِ سَبْرَ غَوْرِ مَقاصِدِ الكاتب. غَيْرَ أنَّ هذهِ العلامةَ لم تلقَ قَبُولًـا ولم يُقدَّرْ لها الانتشار.


ولم يكنْ دينهام بدْعًـا في مَسعاه، إذْ توالتِ المحاولاتُ لِابتكارِ ملامحَ جديدةٍ للترقيم؛ ففي عامِ 1668م، اقترحَ الفيلسوفُ الطبيعيُّ الإنجليزيّ جون ويلكنز استخدامَ علامةِ التعجُّبِ المقلوبةِ للدلالةِ على السُّخريةِ والتَّهكُّم. وفي عامِ 1781م، أعربَ الفيلسوفُ الفرنسيّ جان جاك روسو عن رغبتِهِ في وجود علامةٍ خاصَّةٍ بالسُّخريّة ثمَّ في عامِ 1899م، حاولَ الشاعرُ الفرنسيُّ ألكانتر دي برام إحياءَ علامةِ الاستفهامِ المَعكوسةِ التي وضعَها دينهام للغرضِ نفسِه، وهو ما صَنعَهُ أيضًا الكاتبُ الفرنسيّ هيرفي بازين عامَ 1966م حينَ اقترحَ -بداعي الفُكاهةِ والدُّعابة- علامةً تَمزجُ بينَ الحرفِ الإغريقيّ بسي (psi) وعلامةِ التعجُّبِ. وفي عامِ 1962م، ابتكرَ المسؤولُ الإعلانيُّ الأمريكيُّ مارتن سبيكتر علامةَ «الإنتروبانغ» (Interrobang) للأسئلةِ البلاغيّة، من خلالِ تركيبِ علامتيِ الاستفهامِ والتعجُّبِ إحداهما فوقَ الأخرى. ومعَ أواخرِ القرنِ العشرين، خَاضَ المتواصلونَ عبرَ الفضاءِ الرقميِّ تجاربَ لغويّةً تمثَّلتْ في الخَطِّ المائلِ المَعكوس (sartalics)؛ لِلدلالةِ على التَّهكُّم. وتُوِّجَتْ هذهِ السِّلسلةُ عامَ 2010م بابتكارِ العلامةِ التجاريّةِ المسجَّلّةِ باسمِ علامةِ السُّخرية (SarcMark) وهي لولبٌ يُشبهُ قوقعةَ الحلزون يمكنُ إضافتُهُ إلى خطوطِ الهواتفِ الذكيّة.


لم يُكتبْ لأيٍّ من هذه العلاماتِ ذيوعٌ أو قبول؛ لذا، ولتساعدَنا على تجاوزِ ذلك، نلجأ إلى علامةٍ نصيّةٍ أخرى: علامةِ الشَّبّاك (#)، أو الأوكتوثورب الـoctothorpe، التي انتقلت من علامة الرطل والترقيم الأمريكي إلى الهاشتاج، لِيَغْدوَ وَسْمًا لِتَصْنِيفِ المَوْضُوعاتِ وأَدَاةً لِلتَّعْلِيقِ التَّعْقِيبِيِّ على مَوْقِعِ (تويتر) وغيرِهِ من مَواقعِ التَّواصُلِ الاجتماعيّ. فوَسْمٌ مثلُ #سخرية (Sarcasm#) يَمْنَحُ القَارِئَ مَعْلُومَةً تَعْقِيبِيَّةً تُرْشِدُهُ إلى كَيْفِيَّةِ فَهْمِ نَبْرَةِ الكَلامِ المَكْتُوب. وبِالفِعْل، بَلَغَ أُنْسُنَا بتعليقاتِ الهاشتاجِ مَبْلَغًا جَعَلَ هَذِهِ العَادَاتِ الكِتَابِيَّةَ تَتَسَلَّلُ عَائِدَةً إلى حَياتِنا وتَعاملاتِنا الشَّفَهيَّةِ اليَوْمِيَّة، لِتُحَاكِيَ طَرِيقَةَ التَّعْلِيقِ الرَّقْمِيِّ التَّعْقِيبيِّ (على سَبِيلِ المِثَال: لقد نَسِيَ اسْمَ مُدِيرِهِ! #مُحْرِج!).


ولَعَلَّ عَدَمَ تَرْحِيبِنا الحَمَاسِيِّ بِأَيٍّ من هَذِهِ العَلامَات، واسْتِهْجَانَنا لِنُطْق "الهاشتاج" جَهْرًا في أَحَادِيثِنا الشَّفَهيَّةِ بِوَصْفِهِ سُلُوكًا ثَقِيلًا عَبَثِيًّا، يَدُلُّ على أَنَّ غُمُوضَ النُّصُوصِ والْتِبَاسَ مَعَانِيهَا رُبَّمَا يَكُونَانِ أَمْرًا حَيَوِيًّا وضَرُورِيًّا؛ شَيْئًا نَنْجَذِبُ إليهِ ونَحْتَاجُه، لَا عَقَبَةً يَنْبَغِي حَلُّهَا وتَفْكِيكُهَا في كُلِّ سِيَاق. فَإِنَّ الإِشَارَةَ إلى تَهَكُّمِ أَبْطَال جِين أُوسْتِن في حِوَارَاتِهِمْ عَبْرَ عَلامَةِ تَرْقِيمٍ بَارِزَة، قَدْ يَكُونُ بِمَثَابَةِ رَصَاصَةِ الرَّحْمَةِ التي تَقْتُلُ جَمَالِيَّةَ النَّصّ، تَمَامًا كَمَا تَمُوتُ الدُّعَابَةُ حِينَ تَنْبَرِي لِشَرْحِها وتَفْسِيرِها.


تُشيرُ النُّقطةُ (علامةُ الوقفِ التَّامِّ) إلى النِّهايةِ القاطعةِ، وقد تَبدو جافيةً أو فظّةً

إذا مــا اسْتُخْدِمَتْ فـي هَــذا الـفـضـاءِ الــرقــمــيِّ اللامحــدودِ للتَّمريرِ الإلكترونيِّ.


ومعَ ظهورِ الحاسوبِ الشخصيِّ والإنترنتِ، وَجَدْنا أنفسَنا وِجاهَ علاماتِ ترقيمٍ جديدة؛ إذْ أُعِيدَ توظيفُ النقطتينِ الرأسيّتينِ والأقواسِ لِتغدوَ رُموزًا تَعبييريّةً تُحاوِلُ التقاطَ المَبادئِ الدُّنيا لِلْمَشاعر (بينَ مَسراتٍ وأحزان)، وتتيح مُعظمُ مِنصاتِ الكِتابةِ الرقميّةِ اليومَ طَيْفًا واسعًا من رُموزِ (الإيموجي) المصوَّرَةِ للتعبيرِ عن شتَّى المَزاجات، والمواقف، والأشياء. وعلى الرَّغمِ من أنَّنا قد نُخفِّفُ من وِطْأةِ غُموضِ الرسالةِ النصيّةِ بوضعِ (إيموجي) غامِز -ونَعني بهِ الصُّورَة- فإنَّنا لا نَزالُ نَتلمَّسُ علاماتِ التَّرقيمِ لِلتَّشديد، أو الصُّراخ، أو الإيماء. ويَبدو أنَّ الصُّوَرَ لا تُمكِّنُنا إلّا من بلوغِ حدٍّ مُعيَّن، بَيْنَما تَمْنَحُنا علاماتِ التَّرقيم (بما فيها الحروفُ الكبيرة) طَيْفًا أكثرَ عُمقًا ودِقَّةً من التعبيرِ المكتوب. أَلَيْسَ كَذلِك؟؟؟؟؟!!!!!؟؟؟؟


مثلما كَانَ شَأْنُهَا مَعَ عُمَّالِ المَطابِعِ الرُّوس، لَا تَزالُ عَلاماتُ التَّرْقِيمِ قَادِرَةً عَلَى إِثَارَةِ غَضَبِنا. فَقَدْ كَشَفَتِ الدِّراساتُ حَوْلَ اسْتِخْدَامِ عَلَامَاتِ التَّرْقِيمِ فِي سِيَاقَاتِ المُحَادَثَاتِ الفَوْرِيَّةِ غَيْرِ الرَّسْمِيَّةِ أَنَّ الرَّدَّ عَلَى سُؤَالٍ مَا بِرِسَالَةٍ مِنْ سَطْرٍ وَاحِدٍ مَتْبُوعَةٍ بِنُقْطَة -مِثْل: «تَمَامًا.» أَوْ «حَسَنًا.» بَدَلًا مِنْ «تَمَامًا» وَ«حَسَنًا» دُونَ نُقْطَة- يَبْدُو جَافًّا وَمُفْتَقِرًا إِلَى الصِّدْق. فَالنُّقْطَةُ هُنَا تُوحِي بِالحَتْمِيَّةِ وَالنِّهَايَةِ القَاطِعَة، وَقَدْ تَبْدُو فَظَّةً وَغَيْرَ مُتَعَاوِنَةٍ إِذَا مَا اسْتُخْدِمَتْ فِي هَذَا الفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ المَطَّاطِ لِلتَّمْرِيرِ الإِلِكْتُرُونِيِّ اللامَحْدُودِ الَّذِي تُمَثِّلُهُ الرَّسَائِلُ النَّصِّيَّةُ الفَوْرِيَّة.


وَنَحْنُ نَمِيلُ إِلَى الاعْتِقَادِ بِأَنَّ مَنْ يَتَكَبَّدُ عَنَاءَ إِضَافَةِ عَلَامَةِ تَرْقِيمٍ إِلَى رِسَالَةٍ تَقْتَصِرُ عَلَى تَبَادُلِ المَعْلُومَاتِ اليَوْمِيَّةِ البَسِيطَة، عِوَضًا عَنِ التَّوَاصُلِ الأَكْثَرِ عُمْقًا وَتَرْكِيبًا، لَا بُدَّ أَنَّهُ يُضْمِرُ مَعْنًى أَكْثَرَ عُمْقًا. بَيْدَ أَنَّهُ عِنْدَمَا يَكُونُ الحَدِيثُ الرَّقْمِيُّ أَقَلَّ شَبَهًا بِالكَلَامِ المَلْفُوظ، وَيَتَحَوَّلُ إِلَى كِتَابَةٍ لِرَسَائِلَ أَطْوَلَ مِنْ دَعْوَةٍ عَفْوِيَّةٍ أَوْ مُزَاحٍ عَابِر، فَإِنَّ عَلَامَاتِ التَّرْقِيمِ (بِمَا فِيهَا النُّقْطَةُ) تَظَلُّ حَاضِرَةً بِشَكْلٍ كَامِلٍ تَقْرِيبًا.


وَفِي هَذَا الصَّدَدِ، عكفَ عَالِمُ اللِّسَانِيَّاتِ الأَمْرِيكِيّ تَايلر شْنُوبِيلِين عَلَى دِرَاسَةِ 157,305 رِسَائِلَ نَصِّيَّةٍ عَلَى هَاتِفِهِ الخَاصّ، فَلَحَظَ أَنَّ الرَّسَائِلَ الَّتِي تَقِلُّ عَنْ 17 حَرْفًا، وَتِلْكَ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَى اخْتِصَارَاتٍ مِثْل "lol" وَ"haha" وَ"yup" وَ"ok" ، نَدَرَ أَنْ تَشْتَمِلَ عَلَى عَلَامَاتِ تَرْقِيم. أَمَّا الرَّسَائِلُ الَّتِي تَجَاوَزَتْ 72 حَرْفًا وَاشْتَمَلَتْ عَلى كَلِمَاتٍ مِثْل "أَعْتَقِدُ" وَ"أَشْعُرُ" وَ"أَعْرِفُ" وَ"يَبْدُو" وَ"حَزِين"، فَقَدْ جَرَى تَرْقِيمُهَا وِفْقًا لِلْعَادَاتِ الكِتَابِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ خَارِجَ الشَّابِكة؛ مِمَّا يُشِيرُ إِلَى أَنَّنَا نَتَمَتَّعُ بِمُرُونَةٍ عَالِيَةٍ وَقُدْرَةٍ فَائِقَةٍ عَلَى تَشْكِيلِ عَلَامَاتِ تَرْقِيمِنا أوإِسْقَاطِهَا عَمْدًا بِمَا يُلَائِمُ غَرَضَ رِسَالَتِنَا النَّصِّيَّةِ وَأُسْلُوبَها.


وَعَلى الرَّغْمِ مِمَّا قَدْ يَبْدُو عَلَيْهِ الأَمْرُ فِي الظَّاهِر، فَإِنَّ أَيَّ مَنْ يُلْقِي نَظْرَةً فَاحِصَةً عَلَى رَسَائِلِهِ النَّصِّيَّةِ سَيُدْرِكُ أَنَّ عَلَامَاتِ التَّرْقِيمِ لَمْ تَمُتْ قَطّ. نَعَم، إِنَّهَا تَتَغَيَّر، وَلَكِنَّ هَذَا دَأْبُهَا عَلَى الدَّوَام. فَقَدْ تَتَبَدَّلُ بَعْضُ العَلَامَاتِ لِتَتَّخِذَ أَشْكَالًا جَدِيدَة، وَتَضْطَلِعَ بِمَهَامَّ وَدَلَالَاتٍ مُبْتَكَرَة؛ وَهَذَا أَيْضًا أَمْرٌ لَهُ سَوَابِقُ كَثِيرَةٌ فِي التَّارِيخ. إِنَّ مُسْتَقْبَلَ عَلَامَاتِ التَّرْقِيم سَيَرْتَبِطُ بِالتِّقْنِيَّةِ الَّتِي نَسْتَخْدِمُهَا فِي الكِتَابَة، وَبِمَا نَكُونُ بِحَاجَةٍ إِلَيْه... أَوْ نَبْتَغِيه.

_________________________

[1] المصدر الأصلي:

Florence Hazrat, “A History of Punctuation: How We Came to Represent (Through Inky Marks) the Vagaries of the Mind, Inflections of the Voice, and Intensity of Feeling,” Aeon, September 3, 2020.

[2] باحثة فلسطينية في فلسفة اللغة والأدب والنّقد، ومهتمة بقضايا الفكر المعاصر.

[3] يمكن قياس ذلك على المراسلات النصيّة العربيّة، بإسقاط بعضنا همزة القطع في كثيرٍ من الأحيان (المترجمة).

[4] هذا الإطلاق غير دقيق، فالأديان الثلاثة منذ البدء جمعت، بدرجات مختلفة، بين النص المكتوب والحفظ والتلاوة والقراءة الجهرية. ففي المسيحية سبقت الروايات الشفهية عن المسيح تدوين الأناجيل، وفي اليهودية ارتبط النص بالتلاوة والتفسير الشفهي، وفي الإسلام -الدين الحقّ- اجتمع حفظ القرآن وتلاوته مع كتابته وجمعه جمعًا جزئيًا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روي ابن حبان وغيره عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قوله: (كان إذا نزَلتْ مِن القرآنِ الآيةُ دعا النَّبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلَّم بعضَ مَن يكتُبُ فيقولُ له: ضَعْه في السُّورةِ الَّتي يُذكَرُ فيها كذا)، وفي حديث زيد رضي الله عنه في البخاري قال: (فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ واللِّخافِ). (المحرر).


انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.