جريمة الفراغ!
علي بن ناصر آل حواء
في حياة الأمم لحظاتٌ تتسلَّل من بين الأصابع كما يتسلَّل الماء من كفٍّ غافلةٍ، لا لشيءٍ إلَّا لأنَّ الحسَّ بالزمن فيها مريضٌ، والوعي بإيقاع اللحظةِ فيها مُغشَّى عليه، ومن هنا يتولَّد ذلك الصراع الخفيُّ بين فكرة الحضارة وفوضى العادة، ولذلك لمس مالك بن نبي لبَّ الداء حين قال: "إنَّ من الصعب أن يسمع شعبٌ ثرثارٌ الصوت الصامت لخطى الوقت الهارب!! فينبغي أن نحدِّد التجربة المطابقة لمقتضى الحال لكي نعلِّم المسلم علم الزمن، فنعلِّم الطفل والمرأة والرجل تخصيص نصف ساعةٍ يوميًّا لأداء واجبٍ معيَّنٍ، فإذا خصَّص كلُّ فردٍ هذا الجزء من يومه في تنفيذ مهمةٍ منتظمةٍ وفعَّالةٍ، فسوف يكون لديه في نهاية العام حصيلةٌ هائلةٌ من ساعات العمل لمصلحة الحياة الإسلاميَّة في جميع أشكالها العقليَّة والخلقيَّة والفنيَّة والاقتصاديَّة والمنزليَّة، وسيثبت هذا (النصف ساعة) عمليًّا فكرة الزمن في العقل الإسلاميِّ، أي في أسلوب الحياة في المجتمع، وفي سلوك أفراده، فإذا استغلَّ الوقت هكذا فلم يضع سدى ولم يمرَّ كسولاً في حقلنا، فسترتفع كمية حصادنا العقليِّ واليدويِّ والروحيِّ، وهذه هي الحضارة"،([1]) وما أبهاهُ الفارق بين نفسٍ تُنفق الوقت لِتَلدَ فكرًا، وأخرى تُبدِّد الحياة لِتَلدَ فراغًا! هنالك تُزهر الأرواح فتورق معها الحضارة، وهنا تذبل الهمم في ضوءٍ باردٍ لا يدفئ القلب ولا يوقظ العقل.
وكثيرٌ من الناس يبدِّدون أعمارهم في لهوٍ لا يُثمر، يذرُّون الساعات كما يُذرَّى الرماد في مهبِّ الريح، وكأنَّهم يختَرعون الجريمة قبل ميلادِ أمواتها؛ إذ يقتلون الزمن قبل أن يُولد عطاؤه، ويجهضون الفكرة قبل أن تستوي نبتتها، وهم يزرعون في حقول الأيام فراغًا صاخبًا، ويتقنون فنَّ التواني، حتى إذا نامت الهمَّة استيقظت الغفلة، يركضون في ممرَّاتٍ مضيئةٍ بالوهم، خاليةً من الحقِّ، يمرُّ الوقت من بينهم ضيفًا مهانًا، لا يُحسَن استقباله ولا يُحزن على رحيله، فالخسارة أن تمرَّ علينا الساعات ونحن بلا أثرٍ، نعيش لحظتنا كما لو أنَّها هُدنةٌ بين غفلتين، والزمنُ لا يُقبرُ في الانتظار، بل حين يُفرَّغ القلب من مهمَّته، فيمشي الإنسان كظلٍّ فقد صاحبه.
ثمَّة مساحاتٌ صغيرةٌ بين أطراف اليوم يسمِّيها الناسُ "أوقاتًا ميتةً"، وما مات فيها إلَّا وعينا، فالزمنُ كلُّه حيٌّ، والنَّفَسُ كلُّه قابلٌ لأن يُغرَس، هي دقائقُ على أبواب العيادة، وومضاتُ انتظارٍ قبل اجتماعٍ، وخطواتٌ إلى المسجد، وزمنُ إعداد القهوة حتى تفور، ومسافةُ الطريق حين تنقاد لك المركبة ولا تحتاج عقلك، هذه الهوامش ليست "فتاتًا" يُرمى، بل أوقافٌ صغيرةٌ إن أُحسِن تدبيرها كثَّفت معنى العُمر، ومن أسرار الاستثمار أنْ تُحوِّل هذه الفواصل إلى منازَل ثابتةٍ لا استراحاتٍ سائبةٍ، ولكي لا تتحوَّل الهوامش إلى مناجِل تشتيتٍ، يلزمها قانونٌ وذوقٌ، فالقانون: أن تُقيم للوقت حرمتَه، وللعمل مقامَه، والذوق: أن تزرع البذرةَ في تربةٍ واحدةٍ، لا في سبعةِ أوديةٍ من الرمل.
وللأوقات الميتة مقامٌ عجيبٌ في إصلاح القلب؛ لأنَّها أوقات صدقٍ لا يراك فيها أحدٌ غالبًا، الذكرُ فيها يجري لوجه الله صرفًا، والمراجعةُ فيها تُحكَم بعيدًا عن عين التهليل، والإحسانُ فيها يصلُ إلى قريبٍ أو صديقٍ دون انتظارِ تماثيلِ الثناء، سيأتي يومٌ تُعرَض فيه صحائفُنا، وسنرى فيها شريطًا طويلاً من دقائق كان اسمها في الأرض "فراغ". هناك تظهر براعة الموفَّق: من حوَّل الهامش إلى حديقةٍ صغيرةٍ تتكاثر، ومن تركه طريقًا ترابيَّةً لا علامة فيها، والفراغُ لا يحدثُ سكونًا، وإنما يخلقُ دوَّامةً، فراغٌ في الذهن يجرُّ فراغًا في الهمَّة، ثم يَستدعي فراغًا في العمل، فتدور النفسُ في مدارٍ منخفضِ الضغط يمتصُّ كلَّ ما خفَّ وزنُه، وكما أنَّ الخلاء يَجذب الغبار، كذلك الفراغُ يَجذب السَّفاسف، فإذا امتدَّ المقام في دوَّامة التردُّد، استأنست النفسُ بسكونها كما يألف السجينُ جدرانَ حبسه، فيصبح النهوضُ مجاهدةً تُشبه الصعودَ في وجه الريح، لا لقسوتها، بل لليونةِ ما ألفتْ من راحةٍ مخدِّرة.
والذي أفهمه من علم النفس عن فكرة الفراغ أنه يفرخُ قلقًا مُبهَمًا؛ طاقةٌ بلا وجهةٍ تتقلب على هيئةِ تململٍ وتسويفٍ واجترارِ أفكارٍ، ثم تتبدَّل كيمياءُ الدافعيَّة: تبحثُ عن مُكافآتٍ سريعةٍ فتستدينُ من الغد، وتتعلَّم العجزَ حين تُكرِّر الهروبَ من الأثقل، ويُصابُ الانتباهُ بترهُّلٍ عضليٍّ، يقفز من نافذةٍ إلى نافذةٍ حتى ينسى مشيةَ التركيز، فتغدو القراءةُ مسافةً أطول ممَّا يلزم، والتفكيرُ العميقُ إقامةً شاقةً بلا أثاثٍ.

وقد كشفت دراسةٌ نُشرت في مجلة (هارفارد للطبِّ النفسيِّ)، "أنَّ الإحساس بالفراغ ليس خواءً عدميًّا، بل بناءٌ وجدانيٌّ معقَّدٌ تتشابك فيه ثلاثة أبعادٍ متداخلةٍ: الجسدُ الذي يختبر الثقل، والعزلةُ التي تُطفئ حرارةَ الصلات، والمقصد الذي يتوارى خلف غيمةِ اللانفع"،([2]) وخلصت إلى أنَّ هذا الشعور يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاكتئاب والوحدة والبلادة الشعوريَّة، وأنَّ خطره الأعظم في كونه لا يُرى بالعين، بل يُستشعَر بانطفاء البواعث، وضمور الإرادة، وتحوُّل الحركة إلى دورانٍ في فلك العدم.
وبناءً على ذلك، حين يمتدُّ الفراغ من الزمن إلى اللغة، تعمل مناجل المعاني في الحقل اللسانيِّ كما تعمل في الحقول المهجورة، تحصد ما تبقَّى من الثمار الفكريَّة، وتترك التربة قاحلةً من المفردات الحيَّة، فالفراغ لا يكتفي بأن يسرق من الإنسان وقته، بل يسرق من لسانه قدرته على التعبير، ويُصابُ اللسانُ بمجاعةٍ دلاليَّةٍ؛ تتقلَّص المفرداتُ التي تحمل الأفكار الثقيلة، ويُستبدَل "التحريرُ" بـ"الاقتباس"، و"الكتابةُ" بـ"النسخ". فاللغةُ - كما يقول أليكس فاري في مقاله: "تُنيرُ العقل بقدر ما تُقيَّده؛ فهي تفتح له نوافذ الوعي، لكنها تبني حوله أيضًا أسوارًا من المفاهيم، تُحدِّد له ما يمكن أن يراه وما يُعجزه عن إدراكه"،([3]) وههنا تتجلَّى المفارقة الكبرى: الكلمةُ التي وُلدت لتُحرِّر، قد تتحوَّل في يد الغافل إلى قيدٍ من حريرٍ، والبيانُ الذي خُلِق ليُبصِّر قد ينقلب غبارًا يُعمي، فإذا ضاق الحقلُ اللسانيُّ بالمعاني، ضاق معه مجالُ الفكر، وغدا العقلُ أسيرًا داخل لغته، لا يفكر إلَّا بقدر ما تسمح به ألفاظه، ولا يرى من العالم إلا ما تُضيئه مفرداته، ومن هنا، يبدأ مشروعُ النهضة من إصلاح الكلمة، لأنَّ مَن صلُحت لغتُه استقام فكرُه، ومَن استقام فكرُه استردَّ سيادته على الزمن والمضمون معًا.
وهناك في بورصة الاقتصاد يُدار الفراغُ كسوق: تُباعُ انتباهاتُنا بالثانية، وتُصمَّم منصَّاتٌ تُمدَّد اللحظة الرخوة لتبتلع ساعة، ثم يُعاد تشكيلُ يومِ الإنسان حول "المثير التالي"، فكلُّ ثانيةٍ لا تدرُّ إعلانًا تُستَخلصُ منها ثانيةٌ أخرى، ويخرج العاملُ وقد عمل كثيرًا في "لا شيء"، حركةٌ واسعةٌ بلا أثرٍ متراكمٍ، ولقد صار الانتباهُ عملةَ العصر، كما يشير باخمان وهاينتز في دراستهما عن أسواق الانتباه الرقميَّة؛ "إذ أضحى موردًا اقتصاديًّا نادرًا، يُقاس بالزمن، ويُتداول عبر المهن والتقنيات التي تتنافس على خطف الوعي الإنساني. غير أنَّ الإنسان، وسط هذا الطَّنين، ما يزال يُخفي في أعماقه قدرةً على المقاومة، يحرس بها حقَّه في أن يُنفق انتباهه حيث تزكو روحه، لا حيث يُستدرج وعيه".([4])
ومن أوسع مداخل الانهيار النفسيِّ أن يُسلم الإنسان قلبه لفكرة التوقُّف، إذا مرَّت به لحظة كسوفٍ روحيٍّ أو اختطفته يدُ تعبٍ، فإذا أصاب قلبه فَقْدٌ، أو نزل بجسده مرضٌ، أو أربكته تقلباتُ الحياة، فبدل أن يُكمِل السير في مشاريعه الهادئة أو عاداته التي تُعينه على التوازن، يُفرغ يومه من المقصد الشريف، ويُبقي ساحته مفتوحة لزحف الخواطر المنهكة، ومواسم الأسى المتراكمة، وهنا يجد الشيطان ثغرةً لم يكن يحلم بها، فيملأ الفراغ بوحشة الأفكار، ويغرس في فسحة الوقت هواجسه من كلِّ وادٍ، حتى يغدو الألم مضاعفًا، والبلاء متكاثفًا، وما يزال البلاء يتكاثر لا لشدِّته، بل لأنَّ صاحبه فرَّط في ما كان يُمسك روحه قائمةً وهو بين الشوك، فالمداومة على النور، ولو بقدمٍ وحيدةٍ، تبقي الروح في مدار الأمان، وتحفظها من السقوط في فخاخ الحزن الخامل، حيث يثقل الوقت، ويطول النظر في الخواء الزمنيِّ.
وقد أودع عبدُالصمدِ بن هشامٍ بن الغاز الجرشيُّ حكمةً وجيزةً عثر عليها في دفترٍ من كتب أبيه بعد وفاته، كأنَّها خُلاصةُ تجربةِ الدهر: "أدنى عملٍ خيرٌ من الفراغ، والفراغ خيرٌ من عمل السوء"،([5]) والفراغُ مفتاحُ الضياع، والنفسُ إنْ لم تُشغل بالمَعالي انحرفت نحو مهاوي الباطل، وأشدُّ ما يُبتلى به القلبُ تعلُّقٌ بلا أصلٍ واتباعٌ بلا وجهةٍ، يعيش صاحبه على سرابٍ يحسبه موردًا وهو هباءٌ، والعاقل مَن يحفظ بوابة قلبه، فالمشاعرُ تكبرُ بما تُغذَّى، وتضمحلُّ بما يُقطع عنها، وهي بين ذلك تنبضُ أو تموت، ودنياك قنطرةٌ لآخرتك، فلا تُبددها في شوقٍ عقيم أو حنينٍ موجع، وإلا فالعذاب حاضرٌ، وأيامك تَذهل عن غاياتك الكبرى.
والعبدُ إذا أكرمه الله بحياةٍ كريمةٍ، وانشغل بعمارة دنياه وآخرته، ضاق وقته عن التفرُّغ لصغائر الناس، وارتفعت همَّته عن مكائد التوافه ومناكفات السخفاء، فلا يجد في قلبه فراغًا يُتاح لمكامن الحسد أو غوايات الخصام أن تتسرَّب إليه؛ إذ هو مشغولٌ بعمارٍ داخليٍّ، ومرابطٌ على ثغور نفسه، مستكفٌّ بحاله عن الناس. وأمَّا مَن أُفرغت حياته من الغاية الأسمى، وتجرَّدت أيامه من البذل الصادق، فإنَّه لا يجد ذاته إلَّا في التطفُّل على حيوات الآخرين؛ فتارةً يتصيَّد الزلَّات، وتارةً يفتعل التناوش، وتارةً يفتش عن الخصومة لينتزع بها شعور الوجود، ويهون عليه أن يُؤذي غيره، ما دام لا يملك ما ينفع به نفسه، والفقيه في معارج السلوك يعلم أنَّ مدار الكرامة لا يكون في ردِّ الأذى، بل في كفِّه، ففي الردِّ يثور الجسد، وفي الكفِّ ينهض الإيمان، والردُّ يُطفئ لهبَ الموقف، والكفُّ يُطفئ لهبَ النفس، ومَن ملك نفسه فقد ردَّ الدنيا إلى حجمها، والعاقل لا يلوِّث مروءته بمستنقع السفه، ولا يُقايض كرامته بردود لا تزيده إلا ضياعًا، وهؤلاء - في طبائعهم - لا تحدُّهم خرائطُ، ولا يُقيدهم زمنٌ، فهم في كلِّ عصرٍ، وتحت كلِّ سقفٍ، فسلِ الله العافية، وجانبْ أهل الفراغ، تُصنْ لك المروءة، ويصفو لك العمر. ومِن بساتين المواعظ التي تسقي القلب وعيًا بثمرته ووقته، قولُ محمد بن حامد: "رأسُ مالِك قلبُك ووقتُك، وقد شغلتَ قلبَك بهواجسِ الظنون، وضيَّعتَ أوقاتَك بارتكابِ ما لا يعنيك، فمتى يربحُ من خسرَ رأسَ مالِه؟".([6])
وأوَّل ما يلفت انتباهي في مجالسة بعض الأصحاب ليس ما يقولونه، بل ما لا يفعلونه، تلك الحالة الرماديَّة التي تسمَّى "الفراغ"، ولا شيء يُربك البصيرة كمجالسة الفراغ، فهو ليس مساحةً خاليةً من الأفعال، بل هو ساحةٌ خصبةُ تنبت فيها الأوهام، وتتعشَّش على أطرافها خيالاتٌ كاذبةٌ، تستدرج الإنسان إلى شتاتٍ داخليٍّ يُفقِده قيمته وهو لا يشعر، والفراغ هو غيابٌ للمعنى، وضياعٌ للمقصد، وتآكلٌ خفيٌّ لعصب الإرادة، حيث يتحوَّل الشاب من مشروع بناءٍ إلى ريشةٍ في مهبِّ الملهيات، الشاب الذي يقف عند قارعة الطريق في مطالع العشرين أو حوافِّ الثلاثين دون وجهةٍ واضحةٍ، ليس مؤجّلًا فحسب، بل هو مُهدَّدٌ، لأنَّ المجهول لا يُبقي أحدًا على الحياد، والفراغ لا يُبقي القلب خاملاً، بل يملؤه على غير وعيٍ منه، ومأساويَّة الفراغ ليست في وقته الضائع، بل فيما يصنعه من شخصيَّةٍ تافهةٍ، تستثقل حقيقة العلم، وتستبدل بها الانشغال بالسطحيَّات والعلائق الزئبقيَّة، ومؤسفٌ حين يُسارع بعضهم إلى تبرير هذا السكون بأنَّه "راحةٌ"، بينما هو في الحقيقة صيغةٌ من الغياب المتقن، الذي لا يُدرك خطورته إلَّا حين تُستهلك الأيام في انشغالاتٍ لا تُقوِّي قلبًا، ولا تبني عقلًا، ولا تزكِّي روحًا.
وليست المصيبة أن يسقط الإنسان دفعةً واحدةً، بل أن يتآكل ببطءٍ، يُسلَب منه حبُّ الطاعة، ويتقزَّم فيه مشروع العمر، ويصغر قلبه حتى لا يحتمل فكرةً كبيرةً، وهذا الذوبان يبدأ غالبًا من لحظة فراغٍ تُترك بلا مشروعٍ، ولا تسأل بعدها لماذا الذبول؟ ومن لطيف التأمُّلات: النفس لا تُفرغ من شيءٍ إلا ليمتلئ بغيره، فإن لم تملأها بالحقِّ، تسرَّبت إليها السخافات، واكتظَّت بشظايا الملهيات، وليس المقصود أن يكون الإنسان موسوعيًّا، ولا أن يبلغ رتبة العلماء، بل أن يحفظ ما بقي من عمره بما ينفعه، ويؤنس قلبه ويقوده بخطى وئيدةٍ إلى مراد الله منه، ومَن عرف سنن الله في النفوس، علم أنَّ النفس لا تُترك، فإمَّا أنْ تُقاد إلى الحقِّ، أو تُسحب إلى الباطل، وما مِن شيءٍ أنبل وأغلى وأبقى، من أن يُملأ هذا الفراغ بطاعة الله، والإقبال على العلم، وسلوك درب المعرفة، لا بوصفها زينةً ثقافيةً، بل لأنَّها ما أثبته التاريخ، ونطقت به تجارب الحكماء، وأجمعت عليه عقول المصلحين، منذ أن تنبَّه الإنسان إلى معنى وجوده على هذا الكوكب الأزرق.
وحين يتأمَّل المرءُ تضاريسَ ساعاته، يدرك أنَّ مواطن السقوط لا تكمن في لحظات الكدِّ والاحتشاد، بل في فراغات النفس حين تَغفو المراقبة وتسترخي الحاسة الإيمانيَّة، فتغدو الروح بلا حارسٍ على أسوارها، هناك يتسلَّل الشيطان بخواطر ملساء، يمرِّرها في لُجَّة السكون كما تمرُّ الريح في الماء، فيُزيِّن للإنسان راحةً تُشبه السكينة في ظاهرها، غير أنَّها تَستبطنُ خدرَ العزيمة ووَهَنَ الهمَّة.
والفراغ في حقيقته خللٌ في التوجُّه، وغيابُ قبلةٍ للعقل والقلب، فإذا اجتمع مع الهمِّ والملل صار تربةً رخوةً تنبت فيها كلُّ شهوةٍ ضالةٍ، ولذلك فإنَّ فقه العاقل أن يُحسن تعمير فراغه كما يُحسن تشييد عمله، لأنَّ العملَ من وحي الضرورة، أمَّا الفراغ فمنطقةُ الإرادة، وهنا يتحدَّد المصير بين نفسٍ تُعمر وقتها بالإرادة الموصولة بالله، وأخرى تترك مناجل الفراغ تحصد سنابل عمرها وهي تبتسم للسراب، والمعاصي إنما تنبت في مساحات الفراغ، و تنمو بعيدةً عن أَسِرَّة المرضى ، قال الحبيب ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ».([7])
ويأتي صوتُ الماورديِّ كأنَّه نداءٌ للعقل فيقول: "ثُمَّ اجْعَلْ مَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْك مِنْ صِحَّةِ الْقَرِيحَةِ وَسُرْعَةِ الْخَاطِرِ مَصْرُوفًا إلَى عِلْمِ مَا يَكُونُ إنْفَاقُ خَاطِرِك فِيهِ مَذْخُورًا، وَكَدُّ فِكْرِك فِيهِ مَشْكُورًا، وَنَحْنُ نَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ نُغْبَنَ بِفَضْلِ نِعْمَتِهِ عَلَيْنَا، وَنَجْهَلَ نَفْعَ إحْسَانِهِ إلَيْنَا، وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: مِنْ الْفَرَاغِ تَكُونُ الصَّبْوَةُ، وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَنْ أَمْضَى يَوْمَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ قَضَاهُ، أَوْ فَرْضٍ أَدَّاهُ، أَوْ مَجْدٍ أَثَّلَهُ أَوْ حَمْدٍ حَصَّلَهُ، أَوْ خَيْرٍ أَسَّسَهُ أَوْ عِلْمٍ اقْتَبَسَهُ، فَقَدْ عَقَّ يَوْمَهُ وَظَلَمَ نَفْسَهُ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
لَقَدْ أَهَاجَ الْفَرَاغُ عَلَيْك شُغْلًا وَأَسْبَابُ الْبَلَاءِ مِنْ الْفَرَاغِ"([8])
_____________
([1]) شروط النهضة، مالك بن نبي، دار الفكر -دمشق، 1986م: ص141.
([2]) D’Agostino, A., Rossi Monti, M., Starcevic, V., & Raballo, A. 2020*The Feeling of Emptiness: A Review of a Complex Subjective Experience*. Harvard Review of Psychiatry, 28(5), 287–295.
([3]) Vary, A. (2017). Language Enlightens & Entraps Intellect. Journal of nsciousness Exploration & Research, 8(9).
([4]) Bachmann, P., & Heintz, B. (2021). How to Buy, Sell, and Trade Attention: A Sociology of (Digital) Attention Markets. In The Digital Economy and Sociology (pp. 147–157). Springer.
([5]) تاريخ دمشق، ابن عساكر: (٣٦/٢٦٠).
([6]) طبقات الصوفية، أبو عبد الرحمن السلمي، دار الكتب العلمية -بيروت، ط1، 1419ه: (١/259).
([7]) صحيح البخاري، عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه، رقم: 6412.
([8]) أدب الدنيا والدين، الماوردي: (١/٥٥).
انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.
انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.
