تأصيل ابن تيميَّة لاستعمال مسلك القَدْح بمُخالفة السَّلف

5 يوليو 2026
مدونة نَشر
تأصيل ابن تيميَّة لاستعمال مسلك القَدْح بمُخالفة السَّلف

تأصيل ابن تيميَّة لاستعمال مسلك القَدْح بمُخالفة السَّلف


د. إسراء بنت طارق البكري



أصَّل ابن تيميَّة رحمه الله لاستعمال هذا المسلك؛ فبيَّن أنَّ كلَّ ما خالف ما كان عليه السَّلف فهو باطلٌ، فقال: "الإنسان ينبغي له أن يعرف دين الإسلام الذي بعث اللهُ به رسوله، وما كان عليه الصَّحابة والتَّابعون وسلف الأُمَّة، وأن ذلك الأمر لا يمكن أن يخالفه معقولٌ صحيحٌ قطُّ، بل كلُّ ما خالفه فهو باطل"([1]).

وصرَّح بالتَّحاكُم لتقريرات أئمة السَّلف، وجعلِها ميزانًا يُحكَم من خلاله على أقوال الآخرين بالصحَّة والفساد، ويُرَدُّ ما خالفه، فقال في حكايته لما دار بينه وبين مُخالفيه في المناظرة التي جرت في العقيدة الواسطيَّة: "وقلتُ مراتٍ: قد أمهلتُ كلَّ مَن خالفني في شيءٍ منها([2]) ثلاث سنين، فإن جاء بحرفٍ واحدٍ عن أحدٍ من ‌القرون ‌الثلاثة التي أثنى عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم حيث قال: «خير القرون القرن الذي بُعِثت فيه، ثُمَّ الذين يلونهم، ثُمَّ الذين يلونهم» يخالف ما ذكرته؛ فأنا أرجع عن ذلك.

 وعليَّ أن آتي بنقول جميع الطَّوائف عن ‌القرون ‌الثلاثة توافق ما ذكرته؛ من الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشافعيَّة، والحنبليَّة، والأشعريَّة، وأهل الحديث، والصُّوفيَّة، وغيرهم"([3]).

المستند الذي يقول عليه هذا المسلك:


من خلال استقراء كلام ابن تيميَّة رحمه الله يتبيَّن أنَّ هذا المسلك يعتمد على حقيقةٍ ضروريَّةٍ، هي: أنَّ السَّلف هم ‌أفضل ‌قرون هذه الأمَّة علمًا واعتقادًا، وقولًا وعملًا؛ ولهذا فإنَّهم أولى بالحقِّ والصَّواب من غيرهم، فإذا قرَّر السَّلف أمرًا، وقرَّر غيرهم خلافه؛ وجب أن يكون الحقُّ فيما ذهب إليه السَّلف، وأن يكون ما قرَّره المُخالِف باطلًا، وافتراض عكس ذلك، وهو: أنَّ الحقَّ مع المُخالِف، وأنَّ السَّلف هم المخطئون؛ أمرٌ معلوم الفساد بالضَّرورة.

وفي التَّصريح بهذا المعنى، يذكر ابنُ تيميَّة: "أنَّ كثيرًا من... أتباع أبي الحسن الأشعري يُصرِّحون بمُخالفة السَّلف في مثل مسألة الإيمان، ومسألة تأويل الآيات والأحاديث، يقولون: "مذهب السَّلف أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ يزيد وينقص، وأمَّا المُتكلِّمون من أصحابنا فمذهبهم كيت وكيت"، وكذلك يقولون: "مذهب السَّلف أنَّ هذه الآيات والأحاديث الواردة في الصِّفات لا تتأوَّل، والمُتكلِّمون يرون تأويلها إمَّا وجوبًا وإمَّا جوازًا"، ويذكرون الخلاف بين السَّلف وبين أصحابهم المُتكلِّمين، هذا منطوق ألسنتهم ومسطور كتبهم.

 أفلا عاقل يعتبر، ومغرور يزدجر، أنَّ السَّلف ثبت عنهم ذلك حتى بتصريح المُخالِف، ثُمَّ يُحدِث مقالة تخرج عنهم؟!

 أليس هذا صريحًا: أنَّ السَّلف كانوا ضالِّين عن التَّوحيد والتَّنزيه، وعلمه المُتأخِّرون؟! وهذا فاسدٌ بضرورة العقل الصَّحيح والدِّين المتين"([4]).

ومن خلال النصِّ السَّابق يتبيَّن أنَّ الحقيقة التي يقوم عليها هذا المسلك، -وهي: أنَّ ما خالف فيه السَّلفَ غيرُهم؛ فالحقُّ فيه هو قول السَّلف، والباطل ما خالفه-؛ تستند في إثباتها على مستندين ضروريين: مستندٌ نقليٌّ، ومستندٌ عقليٌّ.


أولًا: المستند النَّقلي:

والمراد به: ما عُلِم بالضَّرورة من دلالات النُّصوص الشَّرعيَّة، والإجماع على فضل السَّلف ووجوب اتباعهم، وتقديم قولهم على مَن جاء بعدهم.

وفي الإشارة إلى هذا المستند، يقول ابن تيميَّة: "ومن المعلوم بالضَّرورة لمَن تدبَّر الكتاب والسُّنة، وما اتَّفق عليه أهلُ السُّنة والجماعة من جميع الطَّوائف، أنَّ ‌خيرَ ‌قرون هذه الأمَّة في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كلِّ فضيلةٍ... القرن الأوَّل، ثُمَّ الذين يلونهم، ثُمَّ الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن غير وجهٍ، وأنَّهم أفضلُ من الخلف في كلِّ فضيلةٍ؛ من علمٍ وعملٍ وإيمانٍ وعقلٍ ودينٍ وبيانٍ وعبادة، وأنَّهم أولى بالبيان لكلِّ مُشْكِل.

هذا لا يدفعُه إلَّا مَن كابر المعلومَ بالضَّرورة من دين الإسلام، وأضلَّه الله على عِلمٍ، كما قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: «مَن كان منكم مُسْتَنًّا فليَسْتَنَّ بمَن قد مات، فإنَّ الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفتنة، أولئك أصحابُ محمَّد، أبرُّ هذه الأُمَّة قلوبًا، وأعمقُها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا، قومٌ اختارهم الله لصُحبة نبيِّه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهَدْي المستقيم».

وقال غيره: «عليكم بآثار من سَلَف، فإنهم جاؤوا بما يكفي وما يشفي، ولم يحدث بعدهم خيرٌ كامِنٌ لم يعلموه».

هذا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يأتي زمانٌ إلَّا والذي بعده شرٌّ منه حتى تلقَوا ربَّكم... وما أحسن ما قال الشافعي رحمه الله في رسالته: "هم فوقنا في كلِّ علمٍ وعقلٍ ودينٍ وفضل، وكلِّ سبب يُنال به علمٌ أو يُدرَك به هدى، ورأيهم لنا خيرٌ من رأينا لأنفسنا"([5]).


ثانيًا: المستند العقلي:

والمقصود به: ما ثبت للسَّلف من مزايا وخصالٍ يحكم العقل من خلالها ضرورةً أنَّ رأي السَّلف أقوم، وفهمهم للدِّين أصحُّ وأصوب ممَّن جاء بعدهم؛ ممَّا يقتضي تقديم قولهم على قول مَن عداهم.

 وفي ذِكْر هذا المستند العقلي، يقول ابن تيميَّة: "وأمَّا كونهم([6]) أعلم ممَّن بعدهم وأحكم، وأنَّ مُخالِفهم أحقُّ بالجهل والحشو، فنُبيِّن ذلك بالقياس المعقول من غير احتجاجٍ بنفس الإيمان بالرسول... فنقول: من المعلوم أنَّ أهل الحديث يشاركون كلَّ طائفةٍ فيما يتحلَّون به من صفات الكمال، ويمتازون عنهم بما ليس عندهم؛ فإنَّ المُنازِع لهم لا بُدَّ أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقًا أخرى، مثل: المعقول والقياس والرأي والكلام والنَّظر والاستدلال والمحاجَّة والمجادلة، والمكاشفة والمخاطبة والوَجْد والذَّوق، ونحو ذلك.

وكلُّ هذه الطُّرُق لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها؛ فهم أكمل النَّاس عقلًا، وأعدلهم قياسًا، وأصوبهم رأيًا، وأسدُّهم كلامًا، وأصحُّهم نظرًا، وأهداهم استدلالًا، وأقومهم جدلًا، وأتمُّهم فراسةً، وأصدقهم إلهامًا، وأحدُّهم بصرًا ومُكاشفةً، وأصوبهم سمعًا ومخاطبةً، وأعظمهم وأحسنهم وَجْدًا وذوقًا"([7]).

ويقول أيضًا: "ومَن آتاه الله علمًا وإيمانًا؛ علم أنَّه لا يكون عند المُتأخِّرين من التَّحقيق إلَّا ما هو دون تحقيق السَّلف لا في العلم ولا في العمل، ومَن كان له خبرة بالنَّظريَّات والعقليَّات، وبالعمليَّات؛ علم أنَّ مذهب الصَّحابة دائمًا ‌أرجح ‌من ‌قول ‌مَن ‌بعدهم، وأنَّه لا يبتدع أحدٌ قولًا في الإسلام إلَّا كان خطأً، وكان الصَّواب قد سبق إليه مَن قبله"([8]).

وهذه المزايا والخصال التي تميَّز بها السَّلف كثيرةٌ، بعضها ممَّا اختصَّ به الصَّحابة، وبعضها ممَّا هو مُشتركٌ بين الصَّحابة ومَن بعدهم من السَّلف، وإن كان اتِّصاف الصَّحابة به أقوى وأكمل ممَّن بعدهم.


 وأبرز هذه المزايا والخصال التي تميَّز بها السَّلف، ما يلي:


المزيَّة الأولى: قوة إيمانهم ويقينهم وسلامة قلوبهم.

فقد حصل للصَّحابة -رضي الله عنهم- بصحبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، مؤمنين به مجاهدين معه، من الإيمان واليقين في قلوبهم ما لا يساويهم فيه أحد، ولم يشركهم فيه من بعدهم، وكذلك حصل للتَّابعين بصحبتهم لهؤلاء الصَّحابة ما لم يحصل لمَن بعدهم، ولأتباع التَّابعين بصحبتهم للتَّابعين ما لم يحصل لمَن بعدهم.

وفي ذِكْر هذه المزيَّة، يقول ابن تيميَّة: "وقد ثبت في الصَّحيحين عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «لا تسبُّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفَه».

وذلك أنَّ الإيمان الذي كان في قلوبهم حين الإنفاق في أول الإسلام وقلَّة أهله، وكثرة الصَّوارف عنه، وضعف الدَّواعي إليه لا يمكن أحدًا أن يحصل له مثله ممَّن بعدهم.

 وهذا ممَّا يَعرِف بعضَه مَن ذاق الأمور، وعرف المحن والابتلاء الذي يحصل للنَّاس، وما يحصل للقلوب من الأحوال المختلفة.

وهذا ممَّا يُعرَف به أنَّ أبا بكر -رضي الله عنه- لن يكون أحدٌ مثلَه؛ فإنَّ اليقين والإيمان الذي كان في قلبه لا يساويه فيه أحد... وهكذا سائر الصَّحابة حصل لهم بصُحبتهم للرسول، مؤمنين به مجاهدين معه إيمانٌ ويقينٌ لم يشركهم فيه مَن بعدهم...

 وفي الصَّحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «لَيأتِيَنَّ على النَّاس زمان يغزو فيه فئامٌ من النَّاس، فيُقال: هل فيكم من صحب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ فيُقال: نعم، فيُفتَح لهم».

 وفي لفظٍ: «هل فيكم مَن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم؛ فيُفتَح لهم، ثُمَّ يأتي على النَّاس زمان يغزو فيه فئامٌ من النَّاس، فيُقال: هل فيكم مَن صحب مَن صحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم؛ فيُفتَح لهم».

 هذا لفظ بعض الطُّرُق، والثلاث الطَّبقات مُتَّفقٌ عليها في جميع الطُّرُق، وأمَّا الطَّبقة الرَّابعة فهي مذكورةٌ في بعضها"([9]).

ويقول رحمه الله: "ليس في ‌القرون ‌الثلاثة من هذه الأُمَّة -التي هي خير أُمَّةٍ أُخرِجت للنَّاس وأفضلها ‌القرون ‌الثلاثة- مَن كان يلتفت إلى المنطق أو يُعَرِّج عليه، مع أنَّهم في تحقيق العلوم وكمالها بالغاية التي لا يدرك أحدٌ شأوَها، كانوا أعمق النَّاس علمًا وأقلَّهم تكلُّفًا وأبرَّهم قلوبًا"([10]).


المزيَّة الثَّانية: سلامة مصدرهم في التَّلقِّي.

فالسَّلف إنَّما أخذوا دينهم من المنبع الصَّافي؛ الكتاب والسُّنَّة اللذين تلقاهما الصَّحابة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ونقلوهما لمَن بعدهم، وحافظوا على نقاء ما أخذوه من هذا المنبع الصَّافي فلم يُكدِّروه بشوائب أخذوها من منابع أخرى، فليسوا كمخالفيهم من أهل البدع الذين خلطوا ما علموه من الحقِّ بما استقَوه من أصناف أهل الضَّلال من الفلاسفة وأهل الكتاب وغيرهم.

وفي التَّصريح بهذه المزيَّة للسَّلف، يقول ابن تيميَّة: "فإنَّ عامَّة ما عند السَّلف من العلم والإيمان؛ ما استفادوه من نبيهم صلى الله عليه وسلم الذي أخرجهم الله به من الظُّلمات إلى النُّور، وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد، الذي قال الله فيه: هُوَ ‌ٱلَّذِي ‌يُنَزِّلُ ‌عَلَىٰ ‌عَبۡدِهِۦٓ ‌ءَايَٰتِۭ ‌بَيِّنَٰتٖ ‌لِّيُخۡرِجَكُم ‌مِّنَ ‌ٱلظُّلُمَٰتِ ‌إِلَى ‌ٱلنُّورِۚ [الحديد: 9]"([11]).


المزيَّة الثَّالثة: ما لهم من قُربٍ من عصر النبوة واختصاصٍ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم ليس لغيرهم.

فقد كان السَّلف أقرب الأُمَّة لعصر النبوة، ولا سيما الصَّحابة الذين عاصروا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وشهدوا نزول الوحي؛ فكانوا "أعلم الأُمَّة بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته ومقاصده وأحواله"([12])، وهذا جعلهم أخصَّ النَّاس به.

وفي هذا يقول ابن تيميَّة: "ومن المعلوم أنَّ كلَّ مَن كان بكلام المتبوع وأحواله وبواطن أموره وظواهرها أعلم، وهو بذلك أقوم؛ كان أحقَّ بالاختصاص به.

ولا ريبَ أنَّ أهل الحديث أعلم الأُمَّة وأخصُّها بعلم الرسول ‌وعلم ‌خاصَّته، مثل: الخلفاء الراشدين، وسائر العشرة، ومثل: أُبيِّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وأبي ذرٍّ الغفاري، وعمَّار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، ومثل: سعد بن معاذ، وأُسيد بن حضير، وسعد بن عبادة، وعبَّاد بن بشر، وسالم مولى أبي حذيفة، وغير هؤلاء ممَّن كان أخصَّ النَّاس بالرسول وأعلمهم بباطن أموره وأتبعهم لذلك.


 فعلماء الحديث أعلم النَّاس بهؤلاء وببواطن أمورهم وأتبعهم لذلك، فيكون عندهم العلم؛ علم خاصَّة الرسول وبطانته، كما أنَّ خواصَّ الفلاسفة يعلمون علم أئمتهم، وخواصَّ المُتكلِّمين يعلمون علم أئمتهم، وخواصَّ القرامطة والباطنيَّة يعلمون علم أئمتهم.

وكذلك أئمة الإسلام مثل أئمة العلماء، فإنَّ خاصَّة كلِّ إمامٍ أعلم بباطن أموره...


ومن المستقرِّ في أذهان المسلمين أنَّ ورثة الرُّسُل وخلفاء الأنبياء هم الذين قاموا بالدِّين علمًا وعملًا ودعوةً إلى الله والرسول، فهؤلاء أتباع الرسول حقًّا، وهم بمنزلة الطَّائفة الطيبة من الأرض التي زكت فقبلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشب الكثير؛ فزكت في نفسها وزكَا النَّاس بها.

وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدِّين والقوة على الدَّعوة، ولذلك كانوا ورثة الأنبياء الذين قال الله تعالى فيهم: وَٱذۡكُرۡ ‌عِبَٰدَنَآ ‌إِبۡرَٰهِيمَ ‌وَإِسۡحَٰقَ ‌وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِﵞ[ص: 45]"

([13]).

المزيَّة الرَّابعة: أنَّهم أفهم النَّاس لمعاني الوحي وأعلمهم بالمراد منه.

وفي ذِكْر هذه المزيَّة، يقول ابن تيميَّة: "ونحن نعلم أنَّ القرآن قرأه الصَّحابة والتَّابعون وتابعوهم، وأنَّهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنَّهم أعلم بالحقِّ الذي بعث اللهُ به رسولَه

صلى الله عليه وسلم، فمَن خالف قولهم وفسَّر القرآن بخلاف تفسيرهم؛ فقد أخطأ في الدَّليل والمدلول جميعًا"([14]).


ومن أهمِّ أسباب ذلك:

السَّبب الأوَّل: مجيء الوحي بلغة العرب.

فقد نزل القرآن، وتكلَّم النبيُّ صلى الله عليه وسلم باللغة العربيَّة التي كانت لغة الصَّحابة -رضي الله عنهم-، ووفق معهود كلامهم وعادتهم في الخطاب، ولا شكَّ أنَّ لهذا بالغ الأثر في صحَّة فهمهم لمعاني الوحي، ومعرفتهم بمراداته؛ ولذلك لما جاء بعدهم قومٌ لم يعرفوا هذه اللغة؛ أخطأوا في فهم نصوص الوحي، ممَّا أوقعهم في الضَّلال والانحراف.

وفي الإشارة إلى هذا المعنى، يقول ابن تيميَّة: "ومَن لم يعرف ‌لغة ‌الصَّحابة التي كانوا يتخاطبون بها، ويخاطبهم بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وعادتهم في الكلام؛ وإلا حرَّف الكلم عن مواضعه.

 فإنَّ كثيرًا من النَّاس ينشأ على اصطلاح قومه وعادتهم في الألفاظ، ثُمَّ يجد تلك الألفاظ في كلام الله أو رسوله أو الصَّحابة؛ فيظنُّ أنَّ مراد الله أو رسوله أو الصَّحابة بتلك الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه، ويكون مراد الله ورسوله والصَّحابة خلاف ذلك"([15]).


السَّبب الثَّاني: ما سبق ذِكْره من اختصاصهم بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ ممَّا جعلهم أفهم النَّاس لكلامه، وما جاء به من الوحي.

وفي التَّنبيه على أثر هذا الاختصاص بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم- الذي انفرد به الصَّحابة- على كمال فهمهم للكتاب والسُّنَّة بما لا يشاركهم فيه غيرهم، يقول ابن تيميَّة: "‌وللصَّحابة فهمٌ في القرآن يخفى على أكثر المُتأخِّرين، كما أنَّ لهم معرفةً بأمورٍ من السُّنَّة وأحوال الرسول لا يعرفها أكثر المُتأخِّرين؛ فإنَّهم شهدوا الرسولَ والتَّنزيل، وعاينوا الرسولَ وعرفوا من أقواله وأفعاله وأحواله ممَّا يستدلُّون به على مرادهم ما لم يعرفه أكثر المُتأخِّرين الذين لم يعرفوا ذلك"([16]).

وقد حرص الصَّحابة رضي الله عنهم على نقل ما علموه من معاني الوحي للتَّابعين، كما حرصوا على نقل حروفه وألفاظه؛ فكان للتَّابعين في ذلك مزيَّةٌ عمَّن جاء بعدهم.

وفي ذِكْر هذا المعنى، يقول ابن تيميَّة: "فإنَّ الرسول لما خاطبهم([17]) بالكتاب والسُّنَّة؛ عرَّفهم ما أراد بتلك الألفاظ، وكانت معرفة الصَّحابة لمعاني القرآن أكمل من حفظهم لحروفه، وقد بلَّغوا تلك المعاني إلى التَّابعين أعظم ممَّا بلَّغوا حروفه"([18]).

ونقل التَّابعون ذلك لأتباعهم، فكان السَّلف -رحمهم الله- من أهل القرون الثلاثة أعلم النَّاس بتفسير القرآن ومعانيه، وبما بعث اللهُ به نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وكان قولهم في ذلك هو الصَّواب المُقدَّم، وقول مخالفهم خطأ.

وفي التَّصريح بهذا المعنى، يقول ابن تيميَّة: "ونحن نعلم أنَّ القرآن ‌قرأه ‌الصَّحابة والتَّابعون وتابعوهم، وأنَّهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنَّهم أعلم بالحقِّ الذي بعث الله به رسوله

صلى الله عليه وسلم، فمَن خالف قولهم وفسَّر القرآن بخلاف تفسيرهم؛ فقد أخطأ في الدَّليل والمدلول جميعًا"([19]).


المزيَّة الخامسة: أنَّهم أعظم النَّاس علمًا وعقلًا وفهمًا.

فلم يكن تفوُّق السَّلف على غيرهم في العلم والفهم قاصرًا على فهم نصوص الكتاب والسُّنَّة -كما سبق بيانه في الخاصيَّة السَّابقة-، وإنَّما تميَّزوا إضافةً إلى ذلك بالذَّكاء وقوة العقل، وكمال الفهم والإدراك للأمور، والتَّحقيق في العلوم بشكلٍ عام.

وفي التَّصريح بهذه الميزة، يقول ابن تيميَّة: "ليس في ‌القرون ‌الثلاثة من هذه الأُمَّة -التي هي خير أُمَّةٍ أُخرِجت للنَّاس وأفضلها ‌القرون ‌الثلاثة- مَن كان يلتفت إلى المنطق أو يُعَرِّج عليه، مع أنَّهم في تحقيق العلوم وكمالها بالغاية التي لا يدرك أحدٌ شأوَها، كانوا أعمق النَّاس علمًا وأقلَّهم تكلُّفًا وأبرَّهم قلوبًا، ولا يوجد لغيرهم كلامٌ فيما تكلَّموا فيه إلَّا وجدتُ بين الكلامين من الفرق أعظم ممَّا بين القدم والفرق"([20]).

ويقول أيضًا: "وكلُّ أحدٍ يعلم أنَّ عقول الصَّحابة والتَّابعين وتابعيهم أكمل عقول النَّاس.

واعتبر ذلك بأتباعهم، فإن كنتَ تشكُّ في ذكاء مثل: مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وزُفَر بن الهذيل، والشَّافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي عبيد، وإبراهيم الحربي، وعبد الملك بن حبيب الأندلسي، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، وعثمان بن سعد الدارمي.

 بل، ومثل: أبي العباس بن سريج، وأبي جعفر الطَّحاوي، وأبي القاسم الخِرقي، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وغيرهم من أمثالهم.

 فإن شككت في ذلك فأنت مُفرِطٌ في الجهل أو مُكابِر.

 فانظر خضوع هؤلاء للصَّحابة وتعظيمهم لعقلهم وعملهم، حتى إنَّه لا يجترئ الواحد منهم أن يخالف الواحد من الصَّحابة إلَّا أن يكون قد خالفه صاحبٌ آخر.

وقد قال الشَّافعي رحمة الله عليه -في الرِّسالة-: "أنَّهم فوقنا في كلِّ عقلٍ وعلمٍ وفضلٍ وسببٍ يُنال به علمٌ، أو يُدرَك به صواب، ورأيهم لنا خيرٌ من رأينا لأنفسنا" أو كما قال رحمة الله عليه"([21]).

ويقول: "القرون ‌الثلاثة من هذه الأُمَّة الذين كانوا أعلمَ بني آدم علومًا ومعارفَ" ([22]).


وفي تعليله لما تميَّز به أهل الحديث -وفي مُقدِّمتهم السَّلف- من سداد الرأي، وقوَّة العقل، وسرعة تحصيلهم للعلوم؛ أرجع ابنُ تيميَّة ذلك لما عندهم من الإيمان والهُدى، واعتقاد الحقِّ الثابت الذي يُقوِّي الإدراك ويُصحِّحه، حيث يقول: "فكلُّ مَن استقرى أحوال العالم؛ وجد المسلمين أحدَّ وأسدَّ عقلًا، وأنَّهم ينالون في المدَّة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال.

وكذلك أهل السُّنَّة والحديث تجدهم بذلك مُتَّصفين؛ وذلك لأنَّ اعتقاد الحقِّ الثابت يُقوِّي الإدراك ويُصحِّحه، ..."([23]) .


ويُبيِّن رحمه الله الأدلة التي يَثبُتُ من خلالها هذا التميُّز للسَّلف، فيقول -بعد كلامه السَّابق-: "وهذا يُعلَم:

- تارةً بموارد النِّزاع بينهم وبين غيرهم؛ فلا تجد مسألةً خُولِفوا فيها إلَّا وقد تبيَّن أنَّ الحقَّ معهم.

- وتارةً بإقرار مخالفيهم ورجوعهم إليهم دون رجوعهم إلى غيرهم، أو بشهادتهم على مخالفيهم بالضَّلال والجهل.

- وتارةً بشهادة المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض.

- وتارةً بأنَّ كلَّ طائفةٍ تعتضد بهم فيما خالفت فيه الأخرى، وتشهد بالضَّلال على كلِّ مَن خالفها أعظم ممَّا تشهد به عليهم"([24]).



-------------------------------------

([1]) الصفدية (2/ 332).

([2]) يعني: من العقيدة الواسطية.

([3]) مناظرة في العقيدة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (3/ 169)، وانظر أيضًا: المرجع السابق (3/ 229).

([4]) الانتصار لأهل الأثر (ص 220-221).

([5]) الانتصار لأهل الأثر (ص 222- 224).

([6]) يعني: السلف.

([7]) الانتصار لأهل الأثر (ص 13- 14).

([8]) الإيمان (ص 339).

([9]) منهاج السنة النبوية (6/ 223-225).

([10]) مجموع الفتاوى (9/ 23).

([11]) الانتصار لأهل الأثر (ص 224).

([12]) الانتصار لأهل الأثر (ص 140).

([13]) الانتصار لأهل الأثر (ص 134- 137).

([14]) مجموع الفتاوى (13/ 362).

([15]) مجموع الفتاوى (1/ 243).

([16]) مجموع الفتاوى (19/ 200)، وانظر أيضًا: المرجع نفسه (13/ 363-364).

([17]) يعني: الصَّحابة.

([18]) مجموع الفتاوى (17/ 353).

([19]) مقدمة في أصول التفسير (ص 38).

([20]) مجموع الفتاوى (9/ 23).

([21]) درء تعارض العقل والنقل (5/ 72-73).

([22]) الانتصار لأهل الأثر (ص 307)، وانظر أيضًا: مجموع الفتاوى (13/ 363-364).

([23]) الانتصار لأهل الأثر (ص 15).

([24]) الانتصار لأهل الأثر (ص 15).




انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.


انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.