معالم المنهج الحدادي الجديد في البحث العلمي

14 يونيو 2026
مدونة نَشر
معالم المنهج الحدادي الجديد في البحث العلمي

معالم المنهج الحدادي الجديد في البحث العلمي



للمنهج الحدادي الجديد معالم متعدّدة في البحث العلمي، ينبغي على طلبة العلم معرفتها والعلم بها؛ لأنها تبين أصول الانحراف المنهجي في تعاملهم مع العلم وما يتعلق به من الإثبات والنقض، وتتحصل أصول تلك المعالم فيما يلي:


المعلم الأول: القصور الشديد في تحرير مذهب أئمة السلف، وذلك أنهم يقتصرون على الأخذ بالمطلقات من كلامهم في كثير من الأبواب، من غير مراعاة لما في كلام أئمة السلف الآخر من ذكر للضوابط وتنبيه على القيود، وهذا الخلل وقع قديما من عدد من أتباع المذاهب في التعامل مع كلام أئمة السلف، ونبه عليه ابن تيمية في مواضع من كلامه كما سيأتي ذكره.

والتيار الحدادي الجديد يكرر الخطأ نفسه، فإنهم يوردون في كلامهم جملا مطلقة من كلام السلف، لها تقييد معلوم ومعروف، إما في مواضع أُخَر، أو من خلال تعاملهم وتطبيقهم، ولكنهم لا يلتفتون لهذا كله، وإنما يقتصرون على الأخذ بتلك الجمل المطلقة.


المعلم الثاني: عدم الصمود أمام البحث العلمي، فترى أكثرَهم لا يصمُد أمام المسألة العلمية المطروحة، ولا يكمل متطلبات البحث العلمي فيها، ولا يصمد أمام النقد العلمي المفصَّل الموجَّه لكلامهم، وإنما ينقد منه جملا محددة، ثم يزعم أنه نقده وأبطل ما فيه.

فكم قُدّم في نقد منهج الحدادية الجديدة من أبحاث ومقالات، وكم كتب من ردود عليهم، وتراهم في تعاملهم مع الأبحاث الجادة القوية منها يختارون مواضع محددة ويعملون عليها، ثم يدَّعون أنهم أبطلوا ما فيها من نقد مفصَّل لقولهم.

ومن المستفيض عند كثير من أتباع التيار الحدادي أنهم يبحثون للمخالف لهم عن خطأ وقع فيه؛ إما في رده عليهم أو في مجمل حاله، فيجعلون هذا الخطأ سيفا مسلَّطا على كل ما يقدّمه من نقد لفكرهم، ويحوّلونه إلى شماعة يعلّقون عليها انصرافهم عن مناقشة ما يبطل به مذهبهم.


المعلم الثالث: تحريف كلام المخالفين لهم عن مواضعه، فإنهم إذا خالفهم مخالف حرَّفوا كلامه وصرفوه إلى معان أخرى لا يقصدها.

ومن أشهر الشواهد على هذا المعلم أنه إذا ناقشهم أحد في تكفير أعيان الجهمية يحرفون كلامه ويجعلون أصل بحثه المناقشة في حكم المقالة نفسها، وأنه لا يحكم على عقائد الجهمية بالكفر!


وقد كتب أحد رؤوس الحدادية منشورا في سياق تعليقه على من رد عليه في تكفير السيوطي، يقول فيه: "مبرِّرُو الشرك قالوا: لا يكفُر من دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم يظنون أنه حي. قلت: المسيح عليه الصلاة والسلام حيّ قطعًا، فاخرجوا أمام متابعيكم وقولوا: (أستغيثك يا سيدنا المسيح في إهلاك الحاكم الجائر فلان) كما استغاث إمامكم السيوطي رسول الله في إهلاك حاكم في زمانه. فإن لم يفعلوا فاعلم أنهم يعرفون الحق ويغشون الناس كإبليس".


هذا الكلام أنموذج فريد من الجهل المركب، والخلط العلمي الفظيع، وجَمعَ مع ذلك أكواما من تحريف الكلم عن مواضعه، ومن الظلم والبغي والاستطالة على الناس.

لا يكتب مثل هذا الكلام إلا أحد رجلين: إما جاهل جهلا مركبا لا يعرف أصول العلم، ولا مسالك النقاش والحوار، وإما رجل بلغ به العناد والبغي والظلم مبلغا عظيمًا جدًّا.


وبيان ما في هذا الكلام القصير من الجهل والخلط العلميّ والبغي والظلم يتحصل بما يلي:

الأمر الأول: أن صاحب ذلك الكلام يجعل الردّ عليه في تكفير أحد علماء المسلمين تبريرا للشرك وتسويغا له! فمن يردّ عليه يقول له: الإشراك بالله حرام لا يجوز، والطلب من الميت أن يفعل شيئا للحي شرك أكبر، والاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر إلا الله شرك أكبر، ولكنك فهمت كلام السيوطي خطأ، وحمّلت كلامه ما لا يحتمل، ويقول له: على التسليم بأن السيوطي قصد بلفظ الاستغاثة الطلب المباشر من النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يصح تكفيره بعينه لكونه معذورا بما عنده من شبهات، فالبحث في القائل لا في القول الشركي نفسه.

فأنت -أيها الكريم- ترى أن الرد عليه لم يكن في تبرير الشرك بالله ولا في تسويغه، وإنما في أمور أخرى، فيأتي ذلك الجاهل الباغي، فينسب إلى من ردَّ عليه وبيَّن جهله بأنه يبرر الشرك بالله تعالى!


الأمر الثاني: أن الذين يعذرون من العلماء وطلبة العلم بالجهل والتأويل في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعلوا ما ذكروه من الموانع سببا لإباحة ذلك الفعل الشركي البتة، فلم يقل أحد من العلماء ولا من طلبة العلم: إن الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه مع ظنِّ حياته أمرٌ مباح البتة، وإنما يكررون دائما بأن الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه شرك أكبر مخرج من الملة، ولا يجوز للمسلم الإقدام عليه أبدا، ومن أقدم على ذلك الفعل فهو واقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة.

فكيف يأتي ذلك الجاهل إلى من رد عليه وبيَّن جهله ويلزمه بأن يقول: "أستغيثك يا سيدنا المسيح في إهلاك الحاكم الجائر فلان"؟!


الأمر الثالث: أن الذين يعذرون بالجهل والتأويل في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم والاستغاثة به لا يرون أن الدعاء والاستغاثة بكل حيّ ليست شركا أكبر، بل ينصون في كتبهم وشروحهم أن الاستغاثة بالحي تكون شركا أكبر في صور متعددة، فمن دعا مخلوقا أو استغاث به -سواء كان حيا أو ميتا- في أمر لا يقدر عليه إلا الله فهو واقع في الشرك الأكبر، ومن دعا مخلوقا أو استغاث به -سواء كان حيا أو ميتا- وهو في غاية التذلل والخضوع له فهو واقع في الشرك الأكبر، ومن دعا مخلوقا أو استغاث به -سواء كان حيا أو ميتا- في مكان بعيد عنه بحيث لا يسمع كلامه فهو واقع في الشرك الأكبر، وهكذا يذكرون صورا كثيرا جدا في أن دعاء المخلوق -الحي أو الميت- والاستغاثة به شرك أكبر.

فكيف ينسب إليهم ذلك الجاهل أنهم يبيحون الاستغاثة بالمخلوق الحي، ويلزمهم بأن مطلق دعاء الحي ليس شركا أكبر هكذا بإطلاق؟!

فهذا الإلزام لا يقوله إلا من لا يعرف طرق الاستدلال ولا مسالك الحجاج، أو من أعمى البغي والظلم قلبه، فأخذ يستطيل على الناس.


الأمر الرابع: أن لازم كلام ذلك الجاهل أن من خالفه في تكفير السيوطي كافرٌ بعينه؛ لأن كلامه يفهم منه أن من عذر السيوطي يبرر الشرك ويسوّغه، ولا شك أن من برّر الشرك وسوّغه كافر، فهو حكم على عامة أهل العلم الذين لم يكفروا السيوطي وأمثاله بأنهم كفار!

فهذا اللازم يكشف عن حجم الانحراف في فكر ذلك الجاهل الباغي، وعن مقدار الكارثة العلمية والمنهجية التي يمكن أن تترتب على قوله الباطل.

وكونه لم يصرح بتكفير من لم يكفر السيوطي لا ينفعه؛ لأنه وضع المقدمات المؤدية إلى ذلك بشكل صريح جدا، ثم سكت عن النتيجة التي سيقع فيها ضِعاف العقل والعلم، فهو في الحقيقة يتحمل وزر تلك النتيجة الكارثية التي تنبني على مقدماته التي ينشرها.


المعلم الرابع: إطلاق التهم الزائفة على المخالفين بلا زمام ولا قيود، كما في المثال السابق، فقد أطلق ذلك الحدادي بأن المخالفين له يسوّغون الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وترى بعضهم يتَّهم المخالفين له بأنهم لا يعظمون الله تعالى، وليس في قلوبهم تعظيم لمقامه سبحانه، وترى بعضهم يتهم المخالفين بأنهم يعظمون صفات المخلوق أكثر من صفات الله تعالى، وغيرها من التهم الشنيعة التي يراها القارئ لكلام الحدادية الجديدة أو السامع لمحاضراتهم.


المعلم الخامس: الانتقال من مقام إلى مقام قبل الانتهاء من البحث، فالخليفي يخلط كثيرا بين مقام البحث في التكفير ومقام البحث في التبديع، فإن شعر بأن موقفه ضعيف في إثبات التكفير الذي يتبناه، انتقل مباشرة إلى مقام التبديع، فيذكر بأن أولئك المتكلمين إذا لم يكفَّروا فإنه يجب أن يبدَّعوا، والبحث معه الآن ليس في مقام التبديع، وإنما في مقام التكفير، ولا بد أن ينتهي البحث في هذا المقام من كل تفاصيله، ثم بعد ذلك ينتقل منه إلى غيره.


المعلم السادس: التوسع في تحديد منطلقات المخالفين لهم، فإن لدى الحدادية الجديدة هوسًا شديدًا في الخوض في مقاصد المخالفين لهم ومنطلقاتهم، فتراهم يتهمونهم بأنهم إنما يتبنون هذا القول من أجل الدفاع عن الجهمية، أو من أجل أنهم متأثرون بالإنسانوية والعلمانية، وبالمدرسة المنارية التي أسسها الأستاذ محمد رشيد رضا، أو غيرها من التحليلات الزائفة التي لا تقوم على أسُس صحيحة ولا على براهين صادقة.


المعلم السابع: الظاهرية الصلفة في فهم الكلام المطلق من آثار أئمة السلف، فالحدادية لديهم جمود كبير على بعض ما ينقل عن السلف من مقولات بدعوى أنها عامة أو مطلقة أو ظاهرة، ويدعون أن من لا يفهمها كما يفهمون قد خالف السلف.

وهذا المسلك الظاهري قد ضل بسببه الخوارج مع ما هو أعظم وأجل وهو نصوص القرآن، فقد جمدوا على ما فهموه من عموم وإطلاق ولم يلتفتوا لما يقيده أو يصحح فهمهم لها، وأعرضوا عن كلام من هم أعلم بالقرآن، واغتروا بأفهامهم واستخفوا بغيرهم، فكان سببًا في ضلال عظيم واستباحة لدماء المسلمين، وكذلك الحال عند الحدادية، فالجمود على الظواهر الواقع من رموزهم دون فقهٍ مؤذِنٌ بنفس الخراب الذي وقع سابقًا، وقد ظهر في بعض صغار من تأثر بفكرهم مَن يتوسّع في التكفير كما هو عند الخوارج أو قريب منه.


المعلم الثامن: الجمع بين كل مخالفيهم في سياق واحد، فإنك ترى الخليفي في سياق رده على المخالفين له يجعلهم جميعا في مقام واحد، ويخلط بينهم مع علمه بأنهم ليسوا سواء، فتراه يخلط بين من ينكر تكفير الجهمية بإطلاق وبين من يقر تكفيرهم المطلق ولكنه ينازعه في تكفير الأعيان، وتراه يخلط بين من لا يكفر كل أعيان الجهمية وبين من ينفي تكفير أي واحد منهم، وتراه يخلط بين من ينكر باب التكفير كلّه بحجة الوطنية أو المصلحة وبين من لا ينكر باب التكفير وإنما ينازعه في ضوابطه المنحرفة، فيذكُرهم في سياق واحد؛ ليسهل عليه التشنيع والتشغيب.

وسيأتي في أثناء البحث بيان منهجية العلماء في فهم المطلق من أئمة السلف، وكيف حرروا المراد منه من خلال جمع كل كلامهم وتبيين المطلق بالمقيد. 



انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.


انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.