الأسس المنهجية للقراءة في المصادر العربية التراثية

13 يوليو 2026
مدونة نَشر
الأسس المنهجية للقراءة في المصادر العربية التراثية


الأسس المنهجية للقراءة في المصادر العربية التراثية


أ.د. مقبل بن علي الدعدي




السؤال الرئيس الذي يسعى المَسْلَك للإسهام في إجابته هو: كيف ندرس مصدرًا لُغويًّا تُراثيًّا دراسة علمية تحقِّق الأصالة في المنهج والإضافة المعرفيّة في المضمون؟


     ولا شَكّ أن لهذا الموضوع أهمية تتجلّى بوضوح في الحاجة الماسَّة إلى منهجيّة علميّة؛ لقراءة المصادر اللغوية في عصرٍ تتزايد فيه المعلومات وتتنوع مصادرُها، وسهُل الوصول إلى الكتاب، واختلط العلم الصحيح بالعلم الزائف -وفي تسميته بالعلم تَسَمُّح-، وهذه مُفارَقة غريبة، فالمعلومات غزيرة، والإشكال في تمييزها، والمعارف قريبة، والعزيز توظيفها، وهذا يتطلب الارتكاز على معايير واضحة تضبط التعامل الأمثل مع الكتب المرجعية.

 ودراسة الكتب اللغوية من غير هُدًى، ومن غير التزام بمنهجيّة موضوعيّة، وانطلاق من معايير علمية: يُوقِع في إشكالات علميّة، وتحديات معرفية، ومنها مثلًا: 

- عدم الإفادة من المحتوى العلمي للمصادر اللغوية.

- صعوبة في تقويم جودة المصادر وأهميتها العلمية.

- تَشَتُّت في منهجيات القراءة والتحليل بين الباحثين.

- ضعف في ربط المعلومات المستخرجة من المصادر بما يَسْتَجِدّ من إشكالات([1]).

 وقد قسّمت المنهجيّة إلى ثلاث مراحل:

 

المرحلة الأولى: قبل القراءة.. التأسيس والإعداد:

في هذه المرحلة تَتَشَكَّل الأصول المعرفية، وتتّضِح الأُسُس الإجرائية التي سيُبنَى عليها التصوُّر المبدئي لدراسة الكتاب، وأهمّ أهداف القراءة، والأسئلة المعرفية، ومن أهم ما تتطلبه هذه المرحلة:


- الوَعْي بأنواع القراءة:

وهي عَتاد الباحث، وغير خافٍ أهمية هذا الوعي، ومع وُضُوحه وبَدَهِيَّتِه، فإنّ الناظر في كثير من الدراسات البحثيّة المتعلِّقة بكتابٍ بعينه، أو مؤلفات عالمٍ، لَيَجِد غياب الوعي بالقراءة المناسبة لمثل هذه الدراسات، القراءة التي تحقّق الأهداف المَرْجُوَّة من البحث، فلا يَعْدُو كثيرٌ منها أن يكون تلخيصًا للكتاب، أو إعادة لمادته بترتيب جديد! والقراءة البحثية أو التحليلية غير ذلك، فهذه القراءة يمكن تقريبها بأنّها القراءة التي تنطلق من سؤال علمي، أو فرضية بحثيّة، وهي قراءة تفسيرية، لا تكتفي بظاهر النصوص، وإنما تسعى إلى الغَوْص في دلالاتها وسياقاتها المعرفية، وهي قراءة تُحَلِّل النص، وتكشف بنيته الداخليّة، وتُراجع منطقه الحِجاجِيّ، وتفتّش فيما يتضمنه من افتراضات وما ينطلق منه من منهجيات، ولا يُفهم من هذا القول شرح مُفردات الكتاب، أو تحليل مسائلها كلّها، فالمنهجيّة والغاية والسؤال والفرضية هي مَن تحدد ذلك.


-   اِسْتِيعاب المَعايِير العِلميّة لاختيار المصادِر:

وهي خطوة عمليَّة مَبْدَئِيّة تتطلب من الباحث الانطلاق من معايير علميّة في اختيار الكتاب الذي سيدرسه، فليس كلُّ كتاب يستحق البحث، ومُؤَهّل للدراسة، كما أنّ بعض الكتب تتطلب أكثر من دراسة، يقول القاضي أبو بكر بن العربي: "ولا ينبغي لحَصِيفٍ أن يتصَدَّى إلى تصنيف، أن يَعْدِلَ عن غرضَيْنِ: إِمَّا أن يخترع معنى، أو يبتدعَ وَضْعًا ومَبْنًى، وما سِوَى هذيْنِ الوجهَيْنِ فهُو تَسْوِيدُ الورَق، والتَّحَلِّي بحِلْيَةِ السَّرَق"([2])، فليست المصادر سواءً في القِيمَة، وليس كلُّ قديم نفيسًا، فبعضها لا يخرج عن وصف ابن العربي: «تسويد ورق»([3]).

 وفهم المعايير واستيعابها لا يقتصر على الجانب المعرفي فحَسْب، بل بحاجة إلى القدرة على تطبيقها، وتنزيلها على الكتاب، وهذه المعايير ليست مستقلة عن بعضها، بل قد تتداخل فيما بينها؛ وتُشَكِّل بمجموعها أسبابًا علمية وموضوعيّة للاختيار، وإليك أبرز المعايير:


المِعْيار الأوّل: المَرْكَزِيَّة المَعْرِفِيَّة للمَصْدَر ضِمْن الحَقْلِ العِلْمِيّ.

المقصود به: الموقع الذي يحتلّه المصدر في خريطة المعرفة التخصصية، ومدى تأثيره في تشكيل الأقوال، والاعتماد عليه في مناقشة المسائل، والرجوع إليه في الاستدلال، وتجاوز الشهرة، أو الانتشار إلى التأثير النوعي في بنية المعرفة([4]).

 وفي الحُقُول العلميّة ثَمَّة كتب رائِدَة ومُؤَسِّسة للعلم، ومرجعيّات معرفيّة ومنهجيّة لا تكاد تخلو المكتبة المتخصّصة من الإشارة إليها، والنَّهل من مَعِينها، ومناقشة ما فيها، فهي قُطْب الرَّحَى وواسطة العقد، ومؤلفات دونها في المكانة، وهذا حال المؤلفات في كلّ تخصُّصٍ معرفيّ.


المعيار الثاني: مَكانَة المُؤَلِّف في مَجال الدَّرْس اللُّغَوِيّ.

مكانة المؤلف العلميّة تُعدّ من العوامل المُعْتَدّ بها في تحديد قيمة المصدر وجَدْوَى دراسته، فالعلماء المُؤَسِّسُون والرُّواد الذين وضعوا الأُسُس النظرية أو المنهجية للمجالات المعرفية، أو كان لهم السَّبْق في وضع القوانين، ومعاينة التَّشَكُّلات الأولى للعلم، والمشاركة في الانتقال من السَّلِيقَة إلى التَّقْعِيد، والإسهام في جمع لغة العرب، تجب العناية بكلّ ما خلّفوه من تراث علميّ، ففيه العقل الأول الذي فكّر، والنظر الذي قنّن.

وكذلك الذين شاركوا في فهم القضايا الأساسية، ولهم إسهاماتهم التي فيها شيء من التجديد، وتتميز بالأصالة، فهؤلاء وإن بنوا على تراث السابقين وإنجازاتهم إلا أنّهم قد أضافوا إلى المعرفة إضافات لها شأنها وأثرها، أو طوروا مناهج جديدة، أو فتحوا آفاقًا بحثية لم تُطرق من قبل، وذلك كلّه من دواعي الاختيار. 


المعيار الثالث: القِيمَة المُتَوَقَّعَة من دراسة المصدر.

وهذا معيار خاصّ قد يتطلبُ تقديم أسبابٍ كافية، وعِلَل شافية، والمقصود به: تلك المؤلفات التي لم يكن لها كبيرُ أَثر، أو ليست لمؤلفها شهرة العلماء المؤسِّسين أو المُجَدّدين، ولكن للباحث أسبابًا خاصة موضوعية، لدراسته، وتحليله، من تلك الأسباب مثلا: ما يحمله الكتاب من مخالفات تستوجب الرد عليها([5])، أو في الكتاب تطبيق مناهج تحليلية جديدة، أو قد يستثمر في تطوير أدوات بحثية، أو تقديم تفسيرات مختلفة لقضايا معروفة، وغيرها من الأسباب الموضوعية. 


والمهم أن تكون هناك حاجة علميّة فعليّة لدراسة المصدر، وأن تكون هناك جوانب لم تُدرس من قبل، أو أسئلة لم تُطرح بعد، أو مشكلات تحتاج إلى حلول جديدة.

هذه معايير موضوعية لاختيار الكتاب (مادة الدراسة والبحث)، وهي نماذج فقط، وقد يقدّم الدارس معايير موضوعية غير ما ذكرتُ، وعلى الباحث المُوازَنة بين المعايير حسب طبيعة بحثه وأهدافه، فقد يختار مصدرًا أقلّ مركزية، لكنه يُتيح فرصة أكبر للإضافة، أو قد يختار مصدرًا لمؤلف أقلّ شهرة لكنه يُقدم رُؤًى أصيلة ومبتكرة.


والهدف الرئيس هو ضمان أن يُسهم البحث في تجديد المعرفة، أو شيء من تطبيقاتها، وأن يتجنب إشكالية التكرار التي تُعاني منها كثير من الدراسات المعاصرة، وبذلك يُحقق البحث إضافة حقيقية للمعرفة، ويُعزّز من مكانة الدرس اللغوي.


-   بِناء الفَهْم الإِجْمالِيّ لِطَبِيعَة النَّصّ التُّراثِيّ.

 لا يمكن فَهْم أيّ نَصّ تراثي فهمًا علميًّا صحيحًا دون معرفة بسِياقِه المعرفي والتاريخي، وإن معرفة الباحث بطبيعة التأليف في العلوم اللغوية التراثية وخصائصها المختلفة، من المداخل الأساسية لفهم النص وتحديد منهجية التعامل معه، ولكلّ نَمَط من أنماط التأليف خصائصه ومَقاصده ومنهجيته التي تتطلب أدوات تحليلية مناسبة، فهناك التأليف المباشر، والإملاء، والمتون المنثورة والمنظومة، وشروحهما، والردود العلميّة، والتطبيقات على النصوص، ويجب مراعاة طبيعة كلّ نوع من هذه الأنواع، فمثلًا: يقع بعض الباحثين في إشكالات في الاختلاف بين نسخ الكتاب، أو اختلاف المنقولات عنه، ولا يجدون تفسيرًا لذلك، ويغيب عنهم أنّ المؤلف لم يباشر التأليف بنفسه، وإنما هي إملاءات تختلف باختلاف استيعاب المُستملي، وذاكرة المُملي، ويتصل بهذا أمران:


الأول: معرفة أنماط العلاقات النّصّيّة.

علاقات التأسيس: حيث يُؤسَّس نصٌّ لاحِق على نصٍّ سابق ويُطوره، وعلاقات النقد والمراجعة، وعلاقات الشرح والتفسير، وعلاقات التطبيق: حيث يُطبق نصٌّ لاحِق نظريات أو مناهج من نصٍّ سابق، وقد يشمل الكتاب هذه الأنواع كلّها، فكون الكتاب في الأصل شرحًا لا يلزم منه عدم التأسيس، أو النقد([6]).


الثاني: معرفة الاتجاهات الفكرية والمعرفية.

فهم الاتجاهات الفكرية والمعرفية أو المدارس التي سادت في عصر المُؤَلِّف، ولا يقتصر هذا الفهم على مجرد الإلمام بأسماء تلك المدارس، بل يتعداه إلى إدراكٍ لمنطلقاتها المنهجية، وقضاياها المحورية، وطرق استدلالها([7]).


-  تكوين مكتبة خاصة بالمصدر.

 يُعدّ تكوين مكتبة خاصة بالمصدر المَدْرُوس مُتَطَلَّب منهجي غاية في الأهمية، تتطلب من الباحث أن يرسم خارطة شاملة ودقيقة تُحدد الموقع الدقيق للمصدر الرئيس ضمن المنظومة المعرفية للتراث اللغوي. 

تبدأ هذه العملية بدراسة علاقة المصدر بكتب المؤلف الأخرى، حيث يسعى الباحث إلى فهم المشروع الفكري الكامل للمؤلف، وتحديد موقع المصدر المدروس ضمن هذا المشروع الشامل، فكلّ عالمٍ يحمل رؤية فكرية متكاملة تتضح في مؤلفاته المتنوعة، وفَهْم هذه الرؤية الكلية يُعين على إدراك مقاصد النصّ المَدْرُوس، وغايته، وأغراضه، وقد تكون مساعدة لفهم كثير مما غمُض فيه.


ثم ينتقل الباحث إلى استكشاف علاقة المصدر بالكتب المناظرة الأخرى في الموضوع ذاته أو المجال المشترك، وهذا الاستكشاف ضروري لتحديد الموقع النسبي للمصدر في المجال العلمي وتقويم إسهامه ومدى أصالته، فيُقارن الباحث بين النصوص المتشابهة في الموضوع، أو المتقاربة في المنهج، ويُحلل التشابه والاختلاف في المنهجية المُتَّبَعة، وطريقة معالجة القضايا ونوعية الأدلة والشواهد المستخدمة والاستنتاجات المحققة، ويُحدد ما إذا كان النص المَدْرُوس يُمثِّل تطويرًا للمعرفة السائدة أم قطيعة منهجية.


وتتضمن هذه المرحلة أيضا استكشاف الامتداد التاريخي للمؤلَّف باستقراء أشكال التعامل المختلفة التي تَعَرَّض لها، كالشرح الذي يسعى لتوضيح غوامضه، وتفسير مشكلاته، والتهذيب الذي يهدف إلى تنقيحه وتطويره، وإعادة الترتيب التي حاولت تحسين تنظيمه وتبويبه، والتذييل الذي أضاف إليه مواد جديدة، أو استكمل نواقصه، والتَّحْشِيَة التي علقت على نصوصه وأضافت إليه ملاحظات وتوضيحات، والنقد الذي قوّم منهجه وناقش آراءه، والنظم الذي حوّل نثره إلى شعر؛ لتسهيل حفظه وتداوله([8]).


كلّ هذه الأشكال من التعامل مع النص تُشكل نصوصًا كاشفة ومفصحة عن كيفية تَلَقِّي النص وفهمه وتأويله، وتُظهر النقاط التي أثارت اهتمام العلماء والجوانب التي رأوا أنها تحتاج إلى توضيح أو تطوير أو مراجعة.

بعد ذلك يَتَفَحَّص الباحث الاستقبال المعاصر للكتاب من خلال مراجعة استقرائية ونقديّة للدراسات الحديثة التي تناولتْهُ، ويُصنف هذه الدراسات حسب مناهجها ومقارباتها ونتائجها، فيُميز بين الدراسات التاريخية التي ركزت على السياق والتأثير، والدراسات التحليلية التي ركزت على المضمون والمنهج، والدراسات المقارنة التي ربطت النص بغيره من النصوص، والدراسات التطبيقية التي حاولت تطبيق نظريات النص على مواد معاصرة.

هذا التصنيف المنهجيّ للدراسات المتعلقة بالمصدر يُحقق هدفين أساسيين متكاملين:


الهدف الأول: هو تجنُّب التكرار الذي يُعدّ من أخطر الآفات التي تُهدد أصالة البحث العلمي([9]).

الهدف الثاني: هو اكتشاف الفجوات المعرفية التي لم تُعطَ حقّها من الدرس.

وهذا التحليل يكشف عن المساحات البيضاء في الخريطة المعرفية، التي تُمثل فرصًا حقيقية لتقديم إسهامات أصيلة ومؤسسة، تُتيح للباحث الإفادة الحقيقية من جهود الباحثين السابقين، واستثمار ما توصلوا إليه من نتائج علميّة، ويبني على الإنجازات السابقة ويُطورها ويتجاوزها إلى آفاق جديدة.


-     صناعة الأسئلة وتحديد الغايات:

 و مِن شأنها أن تُحَوِّل الفُضول المعرفي العام إلى تَوَجُّهٍ بحثيّ دقيق، وتتطلب من الباحث قراءة استكشافية للمصدر المَدْرُوس؛ بهدف معرفة محتواه بصورة إجمالية شاملة، يُركِّز فيها على المقدّمة والخاتمة والعناوين الرئيسة والفرعية، ويُحدد الموضوعات الأساسية والقضايا المِحْوَرِيّة التي يُعالجها النص، وهذه القراءة تُعطي انطباعا أَوَّلِيًّا عن طبيعة النص ومستواه العلمي وأسلوب مؤلفه ومنهجيته العامة، وتُساعد في تحديد الإمكانيات البحثية الكامِنَة في النص.


هذه العمليّة التأسيسية هي بوصلة منهجية توجّه مسار البحث، وتضمن التناسق بين الأهداف المعرفية والأدوات التحليلية المستخدمة، فكلّ غاية من الغايات المعرفية تستدعي أسلوبًا خاصًّا في القراءة ومنهجًا محدّدًا للبحث، وبناءً على القراءة الاستكشافية، يَصوغ الباحث الأسئلة المعرفية التي تُوَجِّه بحثه وتُحدد مساراته. هذه الأسئلة يجب أن تكون:

-    واضحة ومُحدّدة.

-   قابلة للبحث والدراسة ضِمْن الإمكانيات المتاحة والمنهجيات المناسبة.

-    ذات قِيمَة معرفيّة تُسهم في تطوير الفهم للنص أو المجال العلمي.

ويبني الفرضيات الأولية، وهي إجابات أولية محتملة عن الأسئلة المَطْرُوحة، يضعها الباحث بناءً على فهمه الأَوَّلِيّ للنص ومعرفته بالمجال العلمي، وهذه الفرضيات توجه البحث وتُحدد ما يبحث عنه الباحث، مع قابليتها للتعديل، أو التغيير بناءً على نتائج البحث الأخيرة.

وأمّا المنهج فينبغي على الباحث أن يُكيّف منهجه مع طبيعة النص الخاصة، وخصائصه المميزة، فالنص التأسيسي يتطلب منهجًا مختلفًا عن النص الشارح، والنص الجَدَلِيّ يحتاج مُقاربة مختلفة عن النص التعليمي.    


ومن القضايا المنهجية الأساسية التي يحسن التنبيه إليها في هذا السياق: تنوُّع المناهج العلمية في قراءة النصوص ودراسة المصادر، وهو تنوُّعٌ محمودٌ يَعكس ثَراء الإمكانيات التحليلية المتاحة للباحث، وعلى الباحث أن ينظر في هذه المناهج المتنوعة بعينٍ فاحصة، ويختار منها ما يتوافق مع طبيعة المصدر المَدْرُوس والغاية المعرفية التي يسعى لتحقيقها، وعدم الاكتفاء بالمناهج البحثية العامة التي قد لا تُلبي متطلبات الدراسة المتخصصة، ولا تعينه على مدارسة المادة العلميّة، واستخراج ما فيها من قضايا منهجية ومعرفية([10]). وقد سبق أن ذكرنا أنّ المنهج تستدعيه طبيعة النص، والغاية من الدراسة، ومن الغايات:

-   استكشاف الأفكار، وتكوينها.

-   فهم المقاصد العامة والأهداف. 

-    النظر في السِّياق الزمني.

-   التقويم والمراجعة.

-   الربط بالواقع المعاصر.

 ولا شك أنّه قد يحتاج الباحث إلى الجَمْع بين عدة مناهج؛ لتحقيق أهدافه، وكذلك الغايات لا تَنافِيَ بينها، ويمكن الجمْع بينها، ولكن كما أنّ الاختيار يتطلب عِلَّة كذلك الجمع يتطلب مُسَوِّغًا علميًّا، والمهم هو العناية بالانْسِجام والتوافق بين المناهج المختارة، وعدم التناقُض في التطبيق.


المرحلة الثانية: أَثناء القراءة.. التحليل والدّراسة.  

إذا أراد الباحث أن ينزل من النُّصوص مَنازِلَ الفَهْم السليم، والتحليل الراسِخ، فليس له أن يقف عند ظاهِر اللفظ، أو يكتفي بظاهر العرض، بل عليه أن يُدمن النظر، ويَتَرَقَّى في مَراتِب الفحص؛ ليبلغ بذلك مقام التقويم العلمي الرَّصِين. فإن النصوص ليست ألفاظًا مَنْظُومةً على هيئة يَرْتَضِيها المؤلّف، بل هي مَدارات فكريّة وبُنى معرفيّة، تحمل في طيَّاتِها عِلَل التأليف، وخفايا المقاصد، ومسالك الحجة، ومنطق المعالجة.


ولأجل ذلك، كانت القراءة التحليلية تقوم -من وجهة نظري- على أربعة أركان رئيسة، لا يستغني عنها الباحث، وهي: الجانب المنهجي، والمعرفي، والتاريخي، والمقصدي، وهي بمثابة موازين يُوزن بها القول، ويُفصل بها الغَثّ من السمين.


   أولًا: الجانب المنهجي والاستدلالي.

في هذا المقام، يسعى الباحث إلى الوقوف على طريقة المُؤلِّف في بناء حُجَّتِه، وصياغة استدلاله، وكيفية تكوين المؤلف فكرته، والمُنطلقات التي يعتمدها، ويَبني عليها، والقواعد المنهجية التي يسير عليها، والطريقة التي يسلكها في الجمع بين الأقوال المُتعارِضَة، وقبل ذلك في اختيار الأقوال، وكيفية التعامل مع الأدلة الأخرى والأقوال المخالفة، فمن استطاع الوصول إلى هذه المواطن المنهجية وقف على أساس خطاب المُؤلّف، وأدرك سرّ بنائه المعرفي، واتسق له النظر في مادته ومَقصده.


     ثانيًا: الجانب المعرفي.

وهنا محل الغَوْصِ في لُبِّ المسائل، وفَهْم القضايا العلميّة التي يُعالجها النّصّ، لا مِن جهة جَمْعها فقط، بل مِن حيثُ تحليلُها وتفكيكُها وربطُها بسياقها العلمي، فينظر الباحث في المصطلحات المركزيّة للمؤلف، ومَدَى دِقّتها، ودِقّة استعماله لها، ويبحث في الأصول العلميّة، وفروع المسائل، ويحاول مناقشتها بما يتوافق وأهداف البحث، وفرضياته، وأسئلته، ولا يُنتظر من الباحث أن يقرأ النص بمَعْزِل عن مشروعه العلمي، بل ينبغي أن يُسائل ما فيه من قضايا، ويُعيد تركيبها في ضوء إشكالاته الخاصة، ومن هنا، فإن من تمام القراءة الواعية أن يُعيد الباحث النظر في المسائل التفصيلية في ضوء الفرضيات التي ينطلق منها. 

كما يُستحسن أن يُعيد هذه المسائل إلى أصولها المعرفية، ويرى كيف تتقاطع مع قضايا مركزية في الحقل العلمي، ليُقيم بذلك صلة منهجية بين مادة المصدر وغاية البحث. فالباحث لا يُطالع النص من غير قَصْد، بل يتخذه ميدانًا لاختبار فرضياته، ومما يقع فيه بعض الباحثين من إشكالات دراسة مسائل الكتاب دراسة مُقَوْلَبَة تتبَع المسائل من أقدم مؤلّف إلى أحدث كتاب، وتُعيد ترتيبها وَفْق النَّمَط السائِد في تقسيم العلم، دون النظر في خُصوصية النصّ، وطبيعة مسائله، ولذلك تتكرّر مادة الرسائل العلمية من غير تركيز على ما يضيفه الكتاب، وما يبرزه الباحث.

وفي هذا السِّياق، لابُدّ للباحث من الوقوف على المفاهيم والمصطلحات المركزية في النص، وتحليل مَدَى دِقَّة المؤلف في استخدامها، وينظر في معجم المؤلِّف اللغوي، وأسلوبه في عرض القضايا العلمية، وتُعدّ هذه الملاحظات اللغوية والمعجمية ضرورية لتكوين صورة علمية متكاملة عن النص وطبيعته المعرفية.


ثالثًا: الجانب التاريخي.

وفيه يُنظر إلى موقع النص في سياقه الزمني، وعلاقته بمَن تقدّمه ومَن جاء بعده، إذ لا ينبت النصّ في فراغ، وإنما يتَوَلَّد مِن خطابات سابقة، ويمتد أثره إلى من يخلُفه من القرّاء والباحثين، وفيه يستدعي الباحث المكتبة التي كوّنها من قبل من أجل نسبة النصوص إلى أصولها، والكشف عن المصادر العلمية التي اتكّأ عليها الكتاب، وكيفية التعامل معها، والوقوف على ما قدمه المؤلف من إضافة.


رابعًا: الجانب المقصدي.

لا يكتمل فهم المؤلف دون الكشف عن مقاصده؛ الظاهرة منها والخفية، سواء على مستوى الموضوعات، أو طرائق المعالجة، أو اختيارات المؤلف.

وفهم المقاصد يُعين الباحث على تأويل كثير الظواهر النَّصِّيّة، ويفسّر سبب التركيز على قضايا دون غيرها، أو تبنّي منهج معين في الطرح.

هذه الجوانب التحليليّة الأربعة مُترابِطة غير مُتنافِرَة، فالبُعْد المنهجيّ لا يُفهم دُون البنية المعرفية للنص، بل يتكامل معها في كشف أنماط الاستدلال، وآليات بناء الحُجّة، وكذلك الشأن في الوَعْي بالسياق التاريخي إذ لا ينفصل عن إدراك المقاصد الفكرية، والثقافية، وتحليل المفاهيم والمصطلحات والأساليب تُعَدّ مداخل للقراءة الصحيحة.

وإنّ غياب هذا المنهج التحليلي الدَّقِيق في التعامُل مع النصوص يؤدي إلى تكرار الأخطاء التفسيريّة، ويَحُول دون قراءة المصادر قراءة علميّة رصينة، مما يجعل النَّصَّ أسيرًا للتأويلات المُسبقة، أو الانْطباعات العاطفيّة العابِرَة، أو القوالِب الدراسيّة الجاهزة التي لا تتجاوز فيها الجدة اسم المؤلف، وسنة وفاته، واسم كتابه، والاكتفاء بإعادة ترتيب مادته العلمية.


المرحلة الثالثة: ما بعد القراءة.. بناء الرؤية والنتائج. 

والحقيقة أنَّهُ مَن أتقنَ بناء المرحلتيْن السابقتيْن فإنه سيصل إلى رُؤْيَة جيَّدة، ونتائج حسنة، ولذلك الحديث هنا مُوجَز؛ لأنه مَبْنِيٌّ على ما سبق، وكلُّ فكرة قِيلت في المرحلتين لها أثرها في هذه المرحلة إن أحسن فيها، أو أَخَلّ بها.


في هذه المرحلة يصل الباحث إلى مقصده من البحث، وهدفه من الدراسة، والوصول إلى تعزيز فرضياته، وإجابة تساؤلاته، وذلك من خلال إعادة الباحث النظر في تحليلاته وتفكيكه لأبنية النصوص، ثم إعادة تركيبها في بناء يعكس أصالة الباحث، ويبرز إمكاناته العلمية، ويُجسّد تصوره الخاص عن الكتاب المَدْرُوس، ويقدّم فيها خلاصة تجربته مع المصدر المَدْرُوس، ومراجعة أسئلته وفرضياته، ورؤيته للمصدر مع التركيز على جديده وخصائصه وتفرُّده، ومقارنته بغيره من المصادر المناظرة.

ولا ريب أنّ البناء يختلف باختلاف الباحث، واختلاف طبيعة الكتاب المَدْرُوس، والأسئلة البحثية المَطْرُوحة، والغاية النهائية من الدراسة، مما يُسَوِّغ وجود مستويات عدة لهذا البناء، قسّمتها إلى ثلاثة مستويات مُتسلسلة، يُفْضِي كلُّ واحد منها إلى هدف ويمهِّد السبيل إلى الذي يليه:


   الأوّل: إعادة التصنيف والتنظيم الموضوعي.

حيث التركيز على تنظيم المعلومات، وتصنيفها، ويهدف إلى تحويل المادة من سياق المؤلِّف إلى سياق الباحِث، حسَب الروابط المعرفية المشتركة أو الموضوعات المتشابهة، بضَمّ النظير إلى نظيره، وجمع الأفكار المُتجانِسَة، مما يُسهّل الربط والتحليل اللاحِق، والعناية بالمعلومات المتصلة بالإشكاليّة البَحْثِيّة والمَحاوِر المَنهجيّة والمعرفيّة التي تضمّنها الكتاب المَدْرُوس، وإعطاء الأَوْلَوِية لتلك التي تُقدم إضافات نَوْعِيّة أو فيها إشكالات علميّة مِن شُذوذ، أو غَرابة.


الثاني: إعادة النظر التحليلي والتمحيص العلمي.

وفيه مناقشة المسائل العلمية، والأصول التي قامت عليها، ومراجعة الاستدلالات التي اعتمد عليها المُؤلّف، ولَوازم تلك الأقوال، ومدى صحتها، ومحاولة اكتشاف العلاقات الظاهرة والخفية، والتأثيرات المتبادَلة التي قد لا تكون واضحة عند تحليل كلّ مادة على حِدَة، وبهذا يُمكن للباحث استخلاص المناهج، والطرائق، والأصول التي بَنَى عليها المؤلِّف أقواله، وكلّ ما ذُكِر في المرحلة الثانية من جوانب منهجية، ومعرفية، وتاريخية، ومقصدية سيراجعها الباحث، ويبني عليها محاوراته مع المؤلّف. 


الثالث: إنتاج المعرفة الأصيلة.

يقوم الباحث بتقديم رؤية وبناء تَصَوُّرٍ فيه إضافة وجِدَّة للظواهر المَدْرُوسة([11])، هذا البناء يتجاوَز مجرد تلخيص المسائل المَدْرُوسة، أو سَرْد المادة العلمية وَفْق التصنيف القديم أو الجديد، بل محاولة جادّة من الباحث يقدم فيها أفكارًا، أو نماذج تفسيرية تُسْهِم في فَهْم الظاهرة من زوايا جديدة، أو تشارك في تقديم مادة أَوَّلِيَّة تساعد الباحثين في حلّ بعض المشكلات المعرفية.

ولضمان جَوْدَة البحث، وإتقان الدراسة، وحُسْن إخراجها في صورة مُحْكَمَة، ينبغي العناية بمجموعة من المَعايير، والمَلَكات البَحْثِيّة التي تُعَدّ جُزْءًا لا يَتَجَزَّأ مِن تكوين الباحث المتمكّن؛ كالتأصيل المعرفي، والعُمْق الفكري، والعَقلية النّقدية، والنظر الشُّمولي والكُلّي، والالتزام المنهجي، قال ابن تيمية: "لابُدّ أن يكون مع الإنسان أصولٌ كُلِّيَّة تُرَدُّ إليها الجزئيات؛ ليتكلّم بعلم وعدْل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذبٍ وجهلٍ في الجزئيات، وجهلٍ وظلمٍ في الكُليّات، فيتولّد فسادٌ عظيم"([12]).

والمقام هنا مقام الباحث، والفكر فكرُه، والقلم قلمُه، والمَأْمُول هو تقديم رؤية الباحث، وخُلاصَة رأيه، وعُصارة تجربته، وهذا الحَدّ الأَدْنَى من مُتطلّبات العمل الأَصِيل.


-------------------------------------

([1]) لا أُعَمِّم؛ فثمة دراسات رائدة، والمقصود: الإسهام في تجويد الدراسات المتعلقة بالمصادر اللغوية.

([2]) ابن العربي، محمد بن عبد الله (ت 543هـ): عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي (1/8)، وضع حواشيه: الشيخ/ جمال المرعشلي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1-1418هـ=1997.

([3]) والباحث إن لم يُقَدِّم إضافة فدراسته داخلة في هذا الوصف.

([4]) قد تشتهر بعض المؤلفات التي لا قيمة لها، و لا بأس بدراستها ومراجعتها ونقدها وتقويمها؛ ليكون الحكم مَبْنِيًّا على أسس علميّة، وفي التأريخ للعلم، والوقوف على أبرز مراحله، وأشهر مؤلفاته سنجد ثمرة مثل هذه الدراسة، بشرط عدم الانحياز للمُؤلف المدروس، فبعض الدارسين يُعلي من شأن مادة بحثه، ويظن أنّ في تضعيفه تضعيفًا لدراسته!

([5]) كـ«كتاب الرد على النُّحاة»، لابن مَضاء.

([6]) يمكن الإفادة من الكتاب المتميز في هذا الجانب «عبقرية التأليف العربي: علاقات النصوص والاتصال العلمي»، لكمال عرفات نبهان.

([7]) مما يتصل به النظرة الشمولية للتراث الإسلامي، والوعي بطبيعة التأليف العربي، ولعل التخصص المفرط من أبرز أسباب غيابهما.

([8]) ينظر في تجربة محمد علي عطا في «الدورة التراثية لفصيح ثعلب.. تعريفا وتطبيقا».

([9]) يلاحظ القارئ أننا كررنا إشكالية التكرار؛ وذلك لفشوها، ولتنوّع أسبابها، وينظر النتيجة التي خرج بها محمد الدربي في بحثه: «التأليف حول كتاب سيبويه.. عبقرية الامتداد وإشكالية التكرار»، يقول: وقد كشفت النماذج عن تكرار واضح ومَعِيب في العنوانات، يرجع إلى رغبة الباحثين في الارتباط بكتاب سيبويه من ناحية، ويرجع إلى اختلاف الأوعية الناشرة وبلد النشر من ناحية أخرى، مع غياب الببليوجرافية الشاملة التي تحدّ من هذا التكرار! وهذا التكرار يستدعي التوقف عن أي عمل جديد حول «كتاب سيبويه» قبل إحصاء الأعمال التي تمت في العالم.

([10]) بعض المناهج -مع سوء اختيار وسوء توظيف- قد تُعِيق الباحث، وتحيل عمله إلى عملٍ آلِيٍّ لا أصالة فيه فضلًا، عن الإبداع؛ كالمنهج الإحصائي من غير حاجة إليه، أو انطلاق من فرضية تستدعيه.

([11]) أو صياغة نماذج تفسيرية جديدة «بتعبير المسيري»، وهذا يعود إلى طبيعة الكتاب المدروس، فبعضها لا يحتمل كلّ هذا.

 ([12]) ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم (ت 728هـ): مجموع الفتاوى (19/203)، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ساعده: ابنه محمد، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، السعودية-1425هـ=2004م.



انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.


انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.