تسليحُ القوةِ الناعمةِ

19 يوليو 2026
مدونة نَشر
تسليحُ القوةِ الناعمةِ

 تسليحُ القوةِ الناعمةِ:

استخدامُ الجيشِ الإسرائيليِّ لمنصةِ (تيك توك)[1]


ساربان أوزونوغلو[2] وزندان تشاكتشي[3]



نخصص هذه المقالة لتقديم عرض موسع لهذه الدراسة الأكاديمية التي تحلل الممارسات الدعائية التي ينشرها جيش الاحتلال الإسرائيلي في منصة تيك توك، وتكشف عن خفاياها، وتفاصيلها الدفينة.


خلاصة

تُحلّل هذه المقالة كيفية توظيف جيش الاحتلال الإسرائيلي[4] الخصائص الجمالية الخاصة بمنصة "تيك توك"، وأنماط التفاعل العاطفي فيها، وآليات الظهور التي تتيحها خوارزمياتها، لبناء شرعية الدولة في سياق صراع جيوسياسي مستمر.

ومن خلال تحليل محتوى جميع مقاطع الفيديو البالغ عددها 750 مقطعًا، المنشورة في الفترة ما بين أيلول/سبتمبر 2020 وآذار/مارس 2025، يكشف البحث كيفيّة دمج المؤسّسة العسكريّة لأساليب بصريّة ذات قالب قصير مع رسائل مشحونة عاطفيًّا، تتمحور حول ثيمات مثل الأمل والتهديد والحداد الوطني؛ وذلك لإنتاج سرديّات مُصاغة بعناية. ولا تقتصر وظيفة العناصر الخاصة بالمنصّة -مثل الموسيقى والوسوم (الهاشتاقات) والصيحات trends القائمة على "الميمات"- على تعزيز التفاعل فحسب، بل تُستخدم أيضًا كأدوات للحرب الرمزيّة والتمثيل الانتقائي.

وقد كشفت مقاطع الفيديو، التي صُنِّفت وفقًا للقالب والنبرة العاطفيّة وهويّة المتحدّث وتصوير الفئات السكانية، عن سرديّة متّسقة استراتيجيًّا، شدّدت على البطولة الإسرائيليّة والصمود والحداد الجماعي، في حين أغفلت تمثيل معاناة المدنيين الفلسطينيين؛ وذلك في نهجٍ يتناغم مع المنطق الاتّصالي للدبلوماسية العامة للمؤسسة العسكرية.


وتُسهم هذه الدراسة في رفد الأدبيّات المتعلّقة بالعسكرة الرقميّة والقوّة الناعمة، عبر تبيان كيفيّة تكيّف المؤسّسات العسكريّة مع البيئات الإعلامية الرقمية التي يُعدُّ فيها الظهور والتأثير العاطفيّ مواردَ استراتيجيّة. وتُظهر الدراسة، على وجه الخصوص، كيف يوظّف جيش الاحتلال الإسرائيلي إضفاء الطابع الشخصي، وسرد القصص، وإحياء المناسبات التذكارية والثقافية، بوصفها استراتيجيات للقوة الناعمة خاصة بالمنصة، ممّا يعيد تشكيل الاتّصال العسكريّ ليغدوَ نمطًا من أنماط الدبلوماسيّة العاطفيّة المُصمّمة خصيصًا لتتلاءم مع المنطق الخوارزميّ لمنصّة "تيك توك"."


مقدّمة


يؤسّس البحثُ لرؤيةٍ مغايرةٍ للوظيفةِ التقليديّةِ لوسائلِ التواصلِ؛ إذ تتحوّل المنصة الرقميّة إلى فضاء سياديّ، فتطبيق «تيك توك لم يَعُد مجرّد أداة اتّصالٍ عابرة، بل أصبح ساحة ديناميكيّة لممارسة فنّ إدارة شؤون الدولة عبر المنصّات الرقميّة. وبدلًا من أن تحلّ هذه المنصّات محلّ الدبلوماسيّة التقليديّة، أصبحت اليوم تعمل جنبًا إلى جنب مع قنوات الاتّصال الرسميّة، ممّا أدّى إلى تعقيد عمليّة السيطرة على السرديّات».


ويشي تعبير "فنّ إدارة شؤون الدولة Statecraft" بأنَّ الدولةَ لم تَعُد تكتفي بالبياناتِ الرسميّةِ، بل انتقلت إلى "السيادةِ الناعمةِ" التي تفرضُ سرديّتَها في بيئةٍ لا تملكُ فيها السيطرةَ المطلقةَ. وهذا "التعقيد" هو في الحقيقةِ اعترافٌ بـ "سيولةِ القوّةِ" في العصرِ الرقميّ.

ويوضح الباحثان «الاستراتيجيّة التمويهيّة» التي ينتهجها جيش الاحتلال الإسرائيليّ؛ ذلك أنّ الجنديّ يتحوّل من «آلةِ حربٍ» إلى «مؤثّرٍ رقميٍّ» يرقصُ أو يتحدّثُ بعفويّة، وتلك ذروةُ «الخداعِ البصريِّ». وهذا يكشف عن وجه قبيح في الأخلاقيّاتِ الرقميّةِ؛ حيثُ يتمُّ «تسليعُ الحربِ» وتحويلُها إلى «محتوىً ترفيهيٍّ» يمتصُّ غضبَ الجماهيرِ ويحوّلُه إلى تعاطفٍ سطحيٍّ.


وهذا يندرج تحت مفهوم «إضفاء الطابع الجمالي على العسكرةMilitary Aestheticization » ويشير هذا المفهوم إلى عملية يُصوَّر فيها عنف الدولة بصورة تجعله مستساغًا وأكثر قبولًا، من خلال محتوى يتسم بالصياغة الجمالية، والاستمالة العاطفية، وإضفاء الطابع الشخصي.

ثم تنتقل الدراسة إلى تفكيكِ آليّةِ العملِ التقنيّةِ التي تخدمُ الأيديولوجيا: «يعكسُ هذا التحوّلُ توجّهًا نحو "الدبلوماسيّةِ الخوارزميّةِ"، حيث يتنافسُ الفاعلونَ الحكوميّونَ ليسَ من أجلِ الهيمنةِ على السرديّةِ فحسب، بل من أجلِ الظهورِ الخوارزميِّ والتأثيرِ العاطفيِّ. [...] باتت إدارةُ شؤونِ الدولةِ رقميًّا تعتمدُ الآنَ على المرونةِ الأسلوبيّةِ، والانتشارِ الواسعِ، والمهارة في استثارة المشاعرemotional fluency». والتي تعني القدرةَ على "تزييفِ المشاعرِ" أو "هندستِها" لتتلاءمَ مع خوارزميّةِ المنصّةِ. وفي "الدبلوماسيّةِ الخوارزميّةِ"، لا تنتصرُ الحقيقةُ الأقوى، بل تنتصرُ "الخوارزميّةُ الأكثرُ وصولًا". هذا يعني أنَّ الحقَّ الفلسطينيَّ، رغمَ عدالتهِ، يواجهُ "عائقًا بنيويًّا" في التصميمِ التقنيِّ للمنصّةِ الذي يُكافئُ "البراعةَ الأدائيّةَ" الإسرائيليّةَ.


إنّ إدانةَ منصّةِ تيك توك ونظامها تكمن في عدم التكافؤ البنيويّ؛ «فبينما يبرزُ الجنودُ الإسرائيليُّونَ ويُضفى الطابع الإنسانيّ عليهم، تغيبُ الأصواتُ الفلسطينيّةُ غيابًا تامًّا، ممّا يشيرُ إلى «تعاطفٍ انتقائيٍّ» متجذّرٍ في الاقتصادِ البصريِّ لمنصّةِ "تيك توك". وبناءً على ذلك، لا تكتفي المنصّاتُ الرقميّةُ بنشرِ السرديّاتِ فحسب، بل هي التي تخلقُ الظروفَ التي تجعلُ بعضَ الأرواحِ مرئيّةً بينما تُمحى أرواحٌ أخرى». والمحوُ في هذا السياق "تغييبٌ قسريٌّ" ناتجٌ عن "الاقتصادِ البصريِّ". وتؤكد الدراسة أنَّ "تيك توك" ليسَ «مسرحًا محايدًا»، بل هو «شريكٌ في الجريمةِ الرمزيّةِ» عبر هندسةِ «تعاطفٍ انتقائيٍّ» يجعلُ من الجنديِّ ضحيّةً أو بطلًا، ومن الضحيةِ الفلسطينيّةِ مجرّدَ «فراغٍ» في السرديّةِ.

وتشخّصُ الدراسة حالةً غريبةً من تداخلِ الأدوارِ في بنيةِ الاحتلالِ: «تؤدي المؤسسة العسكرية دورًا مزدوجًا؛ فهي جهاز لخوض الحروب، وفي الوقت نفسه سفير ثقافي يسهم في تشكيل التصورات الدولية بصورة آنية. وفي هذا السياق، لا يقتصر دور «تيك توك» على كونه قناة اتصال إضافية، بل يغدو فضاءً بديلًا لتمثيل الدولة!». وهذه العبارةُ تكشفُ عن "أزمةِ السلكِ الدبلوماسيِّ المدنيِّ" في إسرائيل مقابل «تغوّلِ المؤسّسةِ العسكريّةِ» حتّى في فضاءِ «العلامةِ الوطنيّةِ National Branding». إنَّ تحوّلَ الجيشِ المحتل إلى «سفيرٍ ثقافيٍّ» هو قمّةُ «العسكرةِ الرقميّةِ»؛ حيثُ يصبحُ الرقصُ، والميماتُ، والوسومُ جزءًا من "العتادِ العسكريِّ" تمامًا كالرصاص.


مراجعة الأدبيّات


ترصد الدراسة تحوّلًا جذريًّا في مفهوم القوّة؛ فبعد أن كانت القوّة الناعمة تقوم على «الجذب عبر القيم والثقافة لا الإكراه»، يجادل البحث بأنّ هذه الثنائيّة التقليديّة (جذب/إكراه) تلاشت في ظلّ «البيئات الإعلاميّة المُعسكرة والمُشبعة رقميًّا». إنّ استخدام مصطلح «الحرب بالميماتMeme Warfar » يعكس إدراكًا عميقًا لسلاحِ "السخريةِ المنظّمةِ"؛ ذلك أنّ «الميم» هنا «قنبلةٌ أيديولوجيّةٌ مكثّفةٌ» تُصمَّم لاختراق الوعي الجمعي دون مقاومةٍ عقليّة، ليس محض نكتةٍ عابرة، أي أنّ «الجذب والإكراه غالبًا ما يتداخلان»، ممّا يعني أنّ ما نراه «جذبًا» عاطفيًّا في فيديو لرقصة جنديّ، هو في جوهره «إكراهٌ رمزيٌّ» يُجبر المشاهد على قبول وجود الجندي ككيانٍ طبيعيٍّ وإنسانيّ. وتصف أبحاث أخرى «الدبلوماسيّة العامّة الإسرائيليّة» بـ «الدعاية الإسرائيليّة 2.0Hasbara 2.0»، وهي عمليّة تفاعل رقميّ تتسم بـ«النزوع نحو السيطرة»، ولكنّها تفشل في معالجة «الجذور البنيويّة لأزمات الشرعيّة» السياسية والأخلاقية.


إنّ هذا التشخيص لـ «الاعتماد المزمن على المؤسّسات الأمنيّة» في إدارة صورة الدولة وسمعتها في الخارج يُعدُّ ملمحًا نقديًّا فائق الحساسيّة؛ فتحوّل الجيش إلى «مديرٍ للصورة» يعني عسكرةَ الخيال العالمي تجاه إسرائيل، يؤدّي إلى «دبلوماسيّةٍ متشرذمة» تخلط بين «مجرّد الظهور وبين الإقناع»، فإسرائيل تظهرُ كثيرًا على الشاشات، لكنّ هذا الظهور لا يعكس بالضرورة اقتناعًا بعدالة قضيّتها، بل إنّه يعكس «ضجيجًا خوارزميًّا» مبرمجًا.


وتشير إلى ورقة ماكنوتان وتروت (2024) التي تنبه إلى مفهوم مقلق، وهو ما تسميه «ثقافة التشجيع السياسي Political Fandom»، وهو نمط من الارتباط العاطفي بالفاعلين أو القضايا السياسية، يشبه علاقة المعجبين بالمشاهير أو الفرق الرياضية، حيث يغلب التماهي والولاء والمشاركة التفاعلية على النقاش الرصين والمنطق العقلاني، وتكمن خطورة هذه الثقافة في «طمس الحدود الفاصلة بين الاحتجاج والدعاية (البروباغندا)»، فعندما يتبنّى جيش الاحتلال «لغة الشباب الدارجة» و«أنماط إعادة المزج Remix »، فهو لا يخاطب عقولهم بل يخاطب «هويّاتهم البصريّة». إنّ استراتيجيّة إسرائيل تقوم على "إلغاء الصبغة الشخصيّة" للرسالة مع الحفاظ على "صدىً عاطفيٍّ" عالٍ، وهو ما يجعل المشاهد الشابّ يشعرُ بأنّه "معجبٌ Fan " بالمحتوى الجماليّ للجندي، دون أن يدرك أنّه يستهلك «بروباغندا» احتلالية.


وتوضح الدراسة أنّ إسرائيل تكيّف «نبرتها» وفقًا للجغرافيا والجمهور؛ فهي تُصدّر «صورة الحداثة التقنيّة في الصين، والصمود الأخلاقي في الغرب، والقدرة على التآلف المرح عبر تيك توك»، وهذا التلوّن الحربائيُّ يعكس ما تسميه الدراسة بـ«القوّة الناعمة ذات الحواف الصلبة»، فاستخدام «الرقصات، والمناشدات الإنسانيّة، ومقاطع الزمالة» هو مجرّد "غلافٍ" لواقعٍ عسكريٍّ صلب. وتحلل كيفيّة تحويل «الضعف الإنساني» للجندي إلى أداةٍ بغرض «حشد التعاطف مع طمس العنف البنيوي في آن». إنّ إظهار الجندي في حالة «ضعف» أو «مرح» هو قمّة «التلاعب النفسي»؛ لأنّه يمحو صورة «المعتدي» ويستبدلها بصورة «الإنسان العفوي».

وتختتم الدراسة مراجعتها للأدبيّات بخلاصةٍ مكثّفةٍ ترى أنّ القوّة الناعمة لم تَعُد نقيضًا للقوّة الصلبة، بل هي «امتدادٌ جماليٌّ لها». وفي هذا الفضاء الرقمي، يصبح «الانتباه هو العملة المتداولة، ويُمكن فيها تحويل التعاطف إلى سلاحٍ»؛ فالهدف النهائي ليس الإخبار، بل «إعادة صياغة المفاهيم الأساسية للدبلوماسية العامة وإعادة تأطيرها»؛ إنّنا أمام عمليّة «غسيل دماغي جمالي» تقودها الخوارزميّات، حيث يتمّ إعادة صياغة مفاهيم "الحق" و"الضحية" عبر "السيولة البصريّة".


منهجيّة الدراسة


اعتمدت الدراسة على مَسْحٍ شاملٍ لـ "قاعدةِ بياناتٍ تضمُّ 750 مقطعَ فيديو"، في المدة ما بين سبتمبر 2020 حتّى مارس 2025 وهي تغطّي حقبةً زمنيةً مفصليّةً، ممّا يجعلُ الدراسةَ «أرشيفًا رقميًّا» للتحوّلِ في الخطابِ العسكريِّ، وعملت على تصنيف «النبرةِ الوجدانيّةِ المهيمنةِ، مثل: الإنذار/القلق، والأمل/التشجيع، والحزن، والتعاطف، والفكاهة». وعمدت إلى إجراءِ «مقارناتٍ زمنيّةٍ منتقاةٍ... بفحص المحتوى المنشورِ قبلَ هجماتِ السابعِ من أكتوبر وبعدَها»، وهو المَفْصلُ الأكثرُ أهميّةً. وهدفُ ذلك «تسليطِ الضوءِ على التحوّلاتِ في التأكيدِ السرديِّ والتأطيرِ الأسلوبيِّ». فهي تسعى إلى رصد كيفيّةِ انتقالِ «البروباغندا» من حالةِ «الاستعراضِ الجماليِّ» في وقتِ السِّلْمِ النسبيِّ، إلى حالةِ «التعبئةِ الوجدانيّةِ" و«صناعةِ المظلوميّةِ» في وقتِ الحربِ.

ويشيرُ منهج الدراسة إلى تصنيف الشخصيات الظاهرة بحسب «الجنسِ والعمرِ الظاهرَيْنِ: الذكور، والإناث، والبالغين، والشباب، والأطفال»، والظاهر أنّ إدراجَ «الأطفالِ» و«الإناثِ» في فيديوهاتِ جيشِ الاحتلال ليسَ مجرّدَ تَنَوُّعٍ ديموغرافيٍّ، بل هو استخدامٌ تكتيكيٌّ لـ«براءَةِ الأطفالِ» و«نعومةِ الإناثِ» لتلطيفِ صورةِ «المؤسّسةِ الخشنةِ».


قوالب المحتوى ومقاييس التفاعل في عينة الدراسة


الفئة


يُظهرُ البحثُ استيعابًا دقيقًا لسيولوجيا المنصّةِ، حيثُ تراوحت مُدَدُ المقاطعِ بينَ «4 ثوانٍ و234 ثانيةً»؛ فالمقاطعُ الأقصرُ صُمِّمت لتلائمَ «فتراتِ الانتباهِ المحدودةِ»، وهي ما يمكنُ تسميتُهُ بـ«القذائفِ الوجدانيّةِ» التي تخترقُ وعيَ المستخدمِ قبلَ أن يبدأَ في ممارسةِ أيِّ نقدٍ عقلانيٍّ.

أما المقاطعُ الأطولُ، فهي تحاول بناء «سرديّة عميقة» تُعطي انطباعًا بالشفافيّةِ والمعلوماتيّةِ، بينما هي في الواقعِ ترويضٌ طويلُ الأمدِ لوعيِ المتلقّي. وتكشفُ الإحصائيّاتُ عن نِسَبِ استخدامٍ تكادُ تكونُ مطلقةً للعناصرِ المساعدةِ؛ فـ«النصوص التوضيحيّة Captions» حضرت بنسبةِ تقارب 98%، بينما دمجت 86 % من المقاطعِ «مقطوعاتٍ موسيقيّةً». ووصفت الدراسة هذا التوظيفِ بأنّهُ «لتعزيزِ الصدى الوجدانيِّ للمحتوى، وإثراءِ تجربةِ المشاهد» هو وصفٌ يلتقط جوهر «التلاعبِ النفسيِّ»، فالموسيقى هنا تعملُ على تعزيز الاستجابة الوجدانية، وسحب المتلقي إلى حالةٍ من «التماهي الشعوريّ». إنَّ الجمعَ بينَ الموسيقى والترجمةِ المصاحبةِ (التي بلغت 80%) يعني أنّنا أمامَ «مُنتَجٍ عابرٍ للحدودِ» يهدفُ إلى الوصولِ والشموليّة، بحيثُ لا تُعفي اللغةُ أو الثقافةُ أيَّ مشاهدٍ من التعرُّضِ لهذه الرسالة.

ولعلَّ الرقمَ الأكثرَ إثارةً للدهشةِ والحساسيّةِ هو هيمنةُ اللغةِ الإنجليزيّةِ بنسبةِ 90% مقابل 9% فقط للعبريّة، هذا الاختيارُ اللغويُّ يُثبتُ بما لا يدعُ مجالًا للشكِّ أنَّ هذا المحتوى ليسَ موجّهًا لـ «المواطنِ الإسرائيليِّ» لرفعِ معنويّاتهِ، بل هو «استراتيجيّةُ محتوىً تستهدفُ جمهورًا دوليًّا في المقامِ الأوّلِ». نحنُ أمامَ عمليّةِ «تصديرٍ للشرعيّةِ»؛ حيثُ يسعى جيشُ الاحتلالِ إلى إعادةِ تعريفِ ذاتهِ أمامَ العالمِ ككيانٍ «حديثٍ، وشابٍّ، وناطقٍ بالإنجليزيّةِ».

وتُبرزُ الدراسة أنَّ 73 % من المقاطعِ استخدمت الوسومَ لتوسيعِ «نطاقِ وصولِ الجمهورِ»؛ فالوسمُ في «تيك توك» هو «إعلانُ انتماءٍ» لترنداتٍ عالميّة. ومن خلال استخدامِ وسومٍ «رائجةٍ» قد لا تكونُ لها علاقةٌ بالسياسة، يقومُ جيشُ الاحتلالِ بـ«تسلُّلٍ خوارزميٍّ» ليدخلَ إلى هواتفِ شبابٍ لا يكترثونَ بالصراعِ أصلاً، فارضًا سرديّتَهُ عليهم كجزءٍ من «الموجةِ العامّة».


التصنيف الوظيفيّ والموضوعاتيّ لمقاطع فيديو تيك توك في عينة الدراسة



يُبرزُ التحليلُ الوظيفيُّ لرسائلِ جيشِ الاحتلالِ تفوُّقًا ساحقًا لـ «وظيفةِ الإعلامِ (المعلوماتيّةِ)» بنسبةِ 95% تعكس تلك النسبة استراتيجيّة لـ«تأطيرِ الواقعِ» تحتَ غطاءِ «الحقائقِ المجرّدةِ»؛ ذلك أنّ الجيش، حين يقدّم نفسَهُ كمصدرٍ أوّلَ للمعلوماتِ حولَ هويّةِ جيشِ «الدفاع» الإسرائيليِّ وأنشطتِهِ، فهو يمارسُ عمليّةَ «عولمةٍ للسرديّةِ المؤسّساتيّةِ»، مُحوِّلًا الدعايةَ العسكريّةَ إلى «محتوىً مرجعيٍّ» يُستهلَكُ دوليًّا. تُعدُّ الجزئيّةُ المتعلّقةُ بـ «إضفاءِ طابعٍ إنسانيٍّ على العسكريينَ» عبرَ عرضِ «الحياةِ الشخصيّةِ للجنودِ» من أكثرِ النقاطِ حساسيّةً.؛ فاستخدام «ترندات Trends» تيك توك الشهيرةِ لتقديمِ الانضباطِ العسكريِّ في قالبٍ «يسهُلُ التآلفُ معَهُ ويكونُ جذابًا عاطفيًّا» هو ذروةُ «التضليلِ الجماليِّ». هنا، يستبدلُ صورةِ «الجنديِّ القاتل» بصورةِ «الشابِّ الراقص»، ممّا يُعمي المشاهدَ عن غاياتِ المؤسّسةِ الأمنيّةِ. وكذلك فإنَّ إبرازَ «المسؤوليّةِ الاجتماعيّةِ» و«حملاتِ المساعداتِ الإنسانيّةِ» يرسمُ صورةً لـ«منظّمةٍ حديثةٍ، وذاتِ وعيٍ اجتماعيٍّ»، وهو ما يعملُ كـ «غسيلٍ سمعةٍ» رقميٍّ يغطي على العمليّاتِ العسكريّةِ الصلبةِ.

يركّزُ المحتوى بعدَ السابعِ من أكتوبر على «الجوانبِ الوجدانيّةِ المؤثِّرةِ في لحظاتِ لمِّ شملِ "المختطفينَ"»، مع عرضِ «شهاداتٍ شخصيَّةٍ تُبرِزُ صنوفَ المعاناةِ»؛ وبذلك يكون تأطيرَ مهامِّ الإنقاذِ ضمنَ «قالبٍ مفعمٍ بالعواطفِ الجيَّاشة» استدرارًا ممنهجًا للتعاطفِ العالميِّ، يُرادُ منهُ شرعنةُ السياساتِ الأمنيّةِ.

والمفارقةُ الأخلاقيّةُ التي رصدتها الدراسة هي أنَّ هذا الخطابَ الوجدانيَّ يتعامى كليًا عن «أيِّ إشارةٍ للمحتجزينَ القابعينَ لدى جيشِ الاحتلال الإسرائيليِّ». وهذا الانتقاءُ العاطفيُّ الفجّ يُثبتُ أنَّ «الإنسانيّةَ» في عُرْفِ هذهِ المنصّةِ هي ملكيّةٌ حصريّةٌ لطرفٍ واحدٍ.


أنماط الفيديو والثيمات الوجدانية المقترنة بها في عينة الدراسة




تظهر الدراسة أنَّ القالبَ الأكثرَ شيوعًا هو «مقاطعُ الخطابِ الشفهيِّ» بنسبةِ 27%، وهي مقاطعُ «يظهرُ فيها أفرادٌ يتحدّثونَ مباشرةً إلى الكاميرا»، وهذا النمطِ تحديدًا يهدفُ إلى خَلْقِ حالةٍ من «الحميميّةِ الزائفةِ» مع المشاهد؛ فالحديثُ المباشرُ للكاميرا يُوحي بالصدقِ والشفافيّةِ ويُقلّلُ من الحواجزِ بينَ الجنديِّ والمتلقّي.


إنَّ استراتيجيّةَ «المحتوى المعلوماتيِّ» التي تمارسها هذه المقاطعُ هي في جوهرِها عمليّةُ «تلقينٍ هادئٍ» للسرديّةِ العسكريّة، حيثُ يُقدَّمُ الجنديُّ كـ «خبيرٍ» أو «ناقلِ حقيقةٍ» يُبسّطُ الأحداثَ لجمهورٍ شابٍّ يستهلكُ المعلومات.


وتُعدُّ الجزئيّةُ المتعلّقةُ بـ «المحرقةِ/ الهولوكوست» من أكثرِ الجزئيّاتِ حساسيّةً وخطورةً فكريّةً؛ حيثُ تشيرُ الدراسة إلى أنَّ جيشَ الاحتلالِ «يوظِّفُ المحتوى المتعلِّقَ بـ (المحرقةِ) كوسيلةٍ لشرعنةِ أنشطتِهِ العسكريَّةِ المعاصرةِ عبرَ استحضارِ فظائعِ الماضي»؛ لنكونَ أمامَ عمليّةِ «استثمارٍ تاريخيٍّ للمظلوميّةِ»؛ حيثُ تستعرض مآسي الماضي لشرعنةِ عنفِ الحاضرِ، فاستخدامَ رواياتِ الناجينَ لصياغةِ «تبريراتٍ أخلاقيَّةٍ للعمليَّاتِ المستمرَّةِ» يهدفُ إلى وضْعِ أيِّ عمل عسكريٍّ ضِدَّ الفلسطينيينَ ضمنَ إطارِ «الدفاعِ في وجهِ التهديداتِ الوجوديَّةِ».


وهذا الربطُ اليائس يحاولُ نزْعَ الطابعِ السياسيِّ عن الصراعِ وتحويلَهُ إلى حرب «وجوديٍّة وأخلاقيٍّة» مُطْلَقة، ممّا يُحصِّنُ الجيشَ من أيِّ نقدٍ دوليٍّ عبرَ استدعاءِ عقدةِ الذنبِ الغربيّةِ تجاهَ الهولوكوست.


وتكشفُ أنماط الفيديو والثيمات الوجدانية المقترنة بها في عينة الدراسة أنَّ نبرةَ "الأملِ/ التشجيعِ" هي المهيمنةُ بنسبةِ 48%، وهذه النسبةَ المرتفعةَ تعكسُ رغبةً في تقديمِ جيشِ الاحتلالِ بوصفه «الدرعِ الحامي لمستقبلِ البلادِ»، فوجدانيات «الأملِ» تهدفُ إلى غسيلِ سُمْعَةِ المؤسّسةِ العسكريّةِ وتصويرِها ككيانٍ «بَنّاءٍ» و«إيجابيٍّ». إنَّها استراتيجيّةُ «التفاؤلِ القسريِّ» التي تُعمي المشاهدَ عن الجانبِ المظلمِ والدمويِّ للعمليّاتِ الميدانيّةِ، مُستبدلةً صورَ الدمارِ بصورِ الصمودِ المزعوم والمعنوياتِ العاليةِ.


وتظهر الدراسة تخصيصِ خطاب جيش الاحتلال مقاطعَ لإحياءِ مناسباتٍ مثلَ «اليومِ العالميِّ للمرأةِ»، و«اليومِ العالميِّ للسرطانِ»، وهذا الترويج لقضايا إنسانيّةٍ وعالميّةٍ هو محاولةٌ لـ«أنسنةِ الآلةِ العسكريّةِ» ودمجِها في «المنظومةِ القِيَميّةِ الليبراليّةِ الغربيّة». فالتظاهر بالاهتمامِ بـ «يومِ الصحّةِ النفسيّةِ» أو «أسبوعِ الفرانكوفونيّةِ» غرضه خَلْقِ صُورةِ دولةٍ «حديثةٍ ومتمدّنةٍ»، وتشتيت الانتباه عن كونِها قوّةَ احتلالٍ تمارسُ أبشعَ أنواعِ التمييزِ والقهر.

وترصد الدراسة تحوّلًا حادًا بعد أحداث السابع من أكتوبر؛ فبينما كانَ المحتوى قبلَ هذا التاريخِ يركّزُ على «المناسباتِ الثقافيّةِ»، انصبَّ بعدَهُ على الصراعِ وبثِّ نبراتِ «الإنذارِ أو القلقِ»، فاستخدام نبرةِ «الإنذارِ» بعدَ السابعِ من أكتوبر كانَ يهدفُ بوضوحٍ إلى «استقطابِ الاهتمامِ والدعمِ الدوليَّيْنِ» عبرَ تصديرِ صُورةِ «الضحيةِ المهدَّدةِ».


والمفارقةُ الصارخةُ تكمنُ في تركيز المحتوى بَعْدَ هذا التاريخِ على «هجماتِ حماس على إسرائيلَ وعلى مواطنيها»، مع تغييبٍ كاملٍ ومتعمّدٍ لأيِّ أثرٍ وجدانيٍّ أو معلوماتيٍّ يتعلّقُ بالضحايا الفلسطينيينَ، وهو ما يُثبتُ أنَّ المنهجيّةَ هي «معايرةٌ وجدانيَّةٌ متعمدةٌ» لمحوِ الآخر.

وتبين الدراسة أيضًا، أن جيش الاحتلال حاول في 6% من مقاطع العينة استخدامِ «الفكاهةِ» لتصويرِ الجيشِ في صُورةٍ «قريبةٍ من الناسِ وسهلةِ التآلفِ معها»، وسلاحَ السخريةِ والمرحِ هو الأخطرُ في "تيك توك"؛ لأنَّهُ ينزعُ الهيبةَ الرهيبةَ عن الجنديِّ ويحوّلُهُ إلى «مؤثّرٍ مرحٍ» يُمكنُ لشبابِ العالمِ التماهي معهُ.



تصنيف الوسوم وفق معدل تكرار استخدامها في محتوى جيش الاحتلال الإسرائيلي على منصة «تيك توك».



تُؤدِّي الوسومُ (الهاشتاقات) في المحتوى وظيفةً مزدوجةً؛ فهيَ تعملُ كأدواتٍ للتصنيفِ المنهجيِّ ووسائلَ لترسيخِ السرديَّةِ وتدعيمِها في آنٍ معًا. وقد استهدَفَ قِطاعٌ واسعٌ من مقاطعِ الفيديو بثَّ رسائلَ تهدفُ إلى إعلاءِ شأنِ الهويَّةِ المؤسَّساتيَّةِ لجيشِ الاحتلال الإسرائيليِّ وإبرازِ طاقتِهِ القتاليَّةِ.

وفي هذا المَقامِ، برزَ استخدامٌ مكثَّفٌ ومنتظمٌ لوسومٍ مثلَ: #IDF، و#Israel، و#Soldier، و#Military، و#Airforce، و#Navy، و#Army، و#Home، و#Protect. كما انصبَّ تركيزُ فئةٍ رئيسيَّةٍ أخرى من المحتوى على المواجهاتِ العسكريَّةِ النشطةِ لإسرائيلَ مع حركتَي حماس وحزبِ اللهِ. وفي غمارِ هذهِ المقاطعِ، وُظِّفتْ وسومٌ مثلَ #StandWithIsrael، و#IsraelUnderAttack، و#IsraelHamasWar؛ وذلكَ لتشديدِ النَّكيرِ على حجمِ التهديداتِ المُدركةِ وللمناشدةِ برصِّ الصفوفِ وإبداءِ التضامنِ والوحدة. وفضلاً عن ذلكَ، جرى توظيفُ وسومٍ مثلَ #HamasIsISIS، و#Tunnel، و#Exposed، و#Iran لربطِ حركةِ حماس بمفاهيمِ الإرهابِ، والأنشطة السرِّيِّة، والرعايةِ الأجنبيَّةِ، في محاولةٍ جليَّةٍ لتصويرِها كفاعلٍ يفتقرُ إلى الشرعيَّةِ.

وفي سياقِ المقاطعِ التي استعرضتْ ضراوةَ النزاعِ وتداعياتِهِ المباشرةِ على المجتمعِ المدنيِّ، لُوحِظَ حضورٌ لوسومٍ مثلَ #October، و#Attack، و#Combat، و#Siren، و#Hospital. وبذاتِ القَدْرِ من التركيزِ، دارتْ بعضُ المقاطعِ حولَ مَهامِّ تحريرِ الرهائنِ التي نفَّذَها جيشُ الاحتلال الإسرائيليُّ، حيثُ استُخدمتْ وسومٌ مثلَ #Hostage، و#Rescue، و#Reunited، و#Family، و#BringThemHome؛ والغايةُ من ذلكَ هي تأطيرُ مَشاهدِ إطلاقِ سراحِ الرهائنِ ضمنَ قالبٍ سرديٍّ مُفعَمٍ بالوجدان. وأيضًا شملَ المحتوى فئةً موضوعاتيَّةً أخرى تُعنى بإحياءِ المناسباتِ العالميَّةِ والأعيادِ الدينيَّةِ. إذ رصدتْ وسومٌ مثلَ #InternationalWomensDay، و#InternationalCoffeeDay، و#InternationalDanceDay، و#NewYear أحداثًا تحظى باعترافٍ دُوَليٍّ واسعٍ؛ بينما أحالتْ وسومُ #HappyPassover، و#JerusalemDay، و#Easter، و#Hanukkah، و#RoshHashanah، و#Sukkot إلى مناسبات تُمثِّلُ ركيزةً أساسيَّةً للهويَّةِ الثقافيَّةِ والوطنيَّةِ اليهوديَّة.


التوزيع الكمي للشخصيات في محتوى الفيديو في عينة الدراسة



تكشفُ نتائجُ تحليل التوزيع الكمي للشخصيات في محتوى الفيديو في عينة الدراسة عن هيمنةٍ كاسحةٍ لـ «طاقمِ جيشِ الاحتلالِ الإسرائيليِّ وممثليِهِ» بنسبةِ 66% من إجماليِّ المقاطعِ، وهذا التركيزَ هو «سعيٌ متعمَّدٌ لنقلِ موقفٍ رسميٍّ ومؤسَّساتيٍّ» يهدفُ إلى تعزيزِ «سلطتِهِ التنظيميَّةِ ومصداقيَّتِهِ»، ويكمنُ النقدُ الفكريُّ هنا في فكرةِ «تجسيدِ الدولةِ» في الفردِ العسكريِّ؛ فالجنديُّ على "تيك توك" لم يَعُد مجرّدَ مقاتلٍ، بل صارَ هو «المؤسّسةَ» نفسها التي تفتحُ «قناةً مباشرةً للاتّصالِ» مع الجمهورِ.

والمثيرُ للانتباهِ هو التهميشُ المتعمَّدُ لـ«الشخصيّاتِ العامّةِ» والمشاهير فقد بلغت نسبتهم ظهورهم 0.40%، ممّا يُثبتُ أنَّ الاستراتيجيّةَ «تُعطي الأولويَّةَ للأصواتِ المؤسَّساتيَّةِ على حسابِ تأييدِ المشاهير» مما يعكسُ رغبةً في عدمِ «خَصْخَصَةِ» الدعايةِ، وإبقائِها تحتَ السيطرةِ الصارمةِ للهيكلِ العسكريِّ، لضمانِ «وحدةِ الخطابِ» وعدمِ انحرافِهِ عن الأهدافِ الاستراتيجيّةِ.

وتُشيرُ الدراسة إلى رقمٍ لافتٍ وهو غيابُ أيِّ شخصيّةٍ في 17% من المقاطعِ، حيثُ ركَّزت هذهِ الفيديوهاتُ على «توثيقٍ بصريٍّ لبيئاتٍ تخلو من الوجودِ البشريِّ، مثلَ المناطقِ المدمَّرةِ أو البنيةِ التحتيَّةِ العسكريَّة». وهذا التركيز على «السرديَّاتِ الموقفيَّةِ أو المكانيَّةِ بدلاً من الشهاداتِ الفرديَّةِ» يحملُ دلالةً فكريّةً عميقةً؛ فهو يهدفُ إلى «تجريدِ الصراعِ من طابعهِ البشريِّ»، فتصويرُ «المناطقِ المدمَّرةِ» خاليةً من سكانها الفلسطينيين هو نوعٌ من «المحوِ البصريِّ» للضحايا؛ حيثُ يظهرُ الدمارُ كـ«إنجازٍ تقنيٍّ» أو «ضرورةٍ مكانيّةٍ» لا كأثرٍ لفعلٍ عسكريٍّ أصابَ بشرًا من لحمٍ ودمٍ. وهذا النمطُ من السردِ يُسهمُ في «تطبيعِ الخرابِ» وجعلِهِ مادةً للاستهلاكِ البصريِّ المجرّد.


التوزيعُ الجنسانيُّ والعمريُّ في مقاطعِ الفيديو.




ويُلاحَظُ في النتائجِ أيضًا هيمنةُ الحضورِ الذكوريِّ بنسبةِ بلغت 68% من المقاطع، وتعزو الدراسة ذلك إلى «المنظورِ المجتمعيِّ الذي يرى في الحربِ مَيدانًا يطغى عليهِ الذكورُ»؛ فبينما يروّجُ جيشُ الاحتلالِ لنفسِهِ ككيانٍ «ليبراليٍّ» يفرضُ الخدمةَ العسكريّةَ على النساءِ، إلا أنَّ آلتَهُ الإعلاميّةَ في "تيك توك" تظلُّ وفيةً للصورةِ النمطيّةِ الكلاسيكيّةِ للحربِ بوصفِها فعلًا ذكوريًّا.

ومع ذلك فيشير ظهور النساءِ بنسبةِ 48 % -وهي نسبةٌ مرتفعةٌ نسبيًّا- إلى استراتيجيّةِ «تجميلِ الواجهةِ»، لكنَّ الرهانَ الحقيقيَّ في لحظاتِ الصراعِ المحتدمِ يظلُّ على «الرجلِ المقاتلِ». هذا التوزيعُ الجندريُّ ليسَ عفويًّا، بل هو استجابةٌ لـ «مَفاهيمِ السلطةِ والشرعيّةِ» التي تتطلّبُ استعراضَ القوّةِ الخشنةِ المرتبطةِ بالذكورةِ في الوعيِ الجمعيِّ العالميّ.

ويُعدُّ الجزءُ المتعلّقُ بالأطفالِ حيث قارب ظهورهم نسبة 2% الأخطرَ من الناحيةِ الأخلاقيّةِ؛ إذ تظهر الدراسة أنَّ حضورَهم «يقتصرُ في الغالبِ على المقاطعِ المشحونةِ بالعواطفِ والمستندةِ إلى سياقاتِ الحربِ»؛ وإقحام الطفلِ في هذا المتنِ العسكريِّ ليسَ إلا «استغلالًا مشهديًّا» يهدفُ إلى انتزاعِ تعاطفٍ دوليٍّ لا يمكنُ انتزاعُهُ عبرَ صورِ الدبّاباتِ.

إنَّ الدراسة تصيبُ كبدَ الحقيقةِ حين تطرحُ "تساؤلاتٍ أخلاقيَّةً جادَّةً فيما يخصُّ حقوقَ الطفلِ ومعاييرَ أخلاقيَّاتِ الإعلامِ". فالطفلُ هنا يُحوَّلُ من «كائنٍ محميّ» إلى أداةِ إقناع تُستخدَمُ لتبريرِ العنفِ أو صياغةِ مظلوميّةٍ تتجاوزُ الوقائعَ الميدانيّةَ. وتنبّهُ الدراسة إلى مفارقةٍ منهجيّةٍ؛ فمنصّةُ "تيك توك" يرتادُها الشبابُ، لكنَّ المحتوى يركّزُ على "البالغينَ" بنسبة 74%، ممّا قد يشكّلُ «عائقًا يحدُّ من كفاءةِ الوصولِ إلى هذهِ الفئةِ الديموغرافيَّةِ المستهدفةِ»، فجيش الاحتلال يحاولُ مخاطبةَ "الجيلِ زد Gen Z" بأدواتِ "البالغينَ" وعقليّةِ «المؤسّسةِ»، وهو ما قد يُفسّرُ أحيانًا فشلَ بعضِ حملاتِها الرقميّةِ في إقناعِ الشبابِ الذينَ يبحثونَ عن الأصالةِ لا عن السرديّاتِ المعلّبةِ. إنَّ استراتيجيّةَ «التركيزِ على مَفاهيمِ السلطةِ» تتصادمُ بنيويًّا مع طبيعةِ "تيك توك" القائمةِ على كسرِ السلطةِ والتقليد.



الخاتمة


«استقصت هذهِ الدراسةُ الكيفيَّةَ التي يوظفُ بها جيشُ الاحتلال الإسرائيليُّ منصةَ "تيك توك" بوصفها أداةً للدبلوماسية العامة، والتفاعلِ الوجدانيِّ، والسردِ القصصيِّ المتآلفِ معَ طبيعةِ المنصةِ. ويبرهنُ البحثُ، من خلالِ تحليلِ كافةِ المقاطعِ البالغِ عددُها 750 مقطعًا، على أنَّ حضورَ جيشِ الاحتلال الإسرائيليِّ على هذهِ المنصةِ يعكسُ ما هو أكثرُ من مجردِ تحولٍ في الوسيلةِ؛ إذ يمثلُ تحوُّلاً في منطقِ وجمالياتِ الاتصالِ العسكريِّ بحدِّ ذاتِهِ.

وفي هذهِ البيئةِ التي تتوسطُها المنصةُ، يكيفُ جيشُ الاحتلال الإسرائيليُّ رسائلَهُ معَ إيقاعاتِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ ولغاتِها الدارجةِ، مشيدًا سردياتٍ ذاتَ رنينٍ وجدانيٍّ، وموظفًا وسومًا (هاشتاغات) أيديولوجيةً، ومحشدًا القوةَ الناعمةَ من خلالِ محتوىً يبدو في ظاهرِهِ يوميًّا وعاديًّا.


وعلى صعيدٍ ما، تعملُ هذهِ الاستراتيجيةُ الرقميةُ على تضخيمِ الظهورِ والقدرةِ على الإقناعِ، مستغلةً نبراتٍ وجدانيةً مثلَ الأملِ والقلقِ والحزنِ لترسيخِ الشرعيةِ والتقاربِ العاطفيِّ. بيدَ أنَّها، على صعيدٍ آخرَ، تثيرُ توتراتٍ معياريةً عميقةً؛ إذ إنَّ التمثيلَ الانتقائيَّ للمعاناةِ، وإقصاءَ المدنيينَ الفلسطينيينَ، وتوظيفَ الأطفالِ في سيناريوهاتٍ مشحونةٍ عاطفيًّا، يشيرُ إلى معايرةٍ استراتيجيةٍ للتعاطفِ.


وهذهِ المعايرةُ لا تشكلُها الأولوياتُ المؤسساتيةُ فحسب، بل وأيضًا منطقُ المنصاتِ الذي يكافئُ البروزَ الوجدانيَّ على حسابِ التعقيدِ الأخلاقيِّ. وهذا يثيرُ مخاوفَ جوهريةً بشأنِ كيفيةِ تطويعِ الجهاتِ الحكوميةِ للبنى التحتيةِ الخوارزميةِ لإدارةِ المشاعرِ العامةِ، ولا سيما في سياقِ الصراعاتِ الجيوسياسيةِ عاليةِ المخاطرِ.

وفي ضوءِ ذلك لا يعملُ "تيك توك" كقناة محضة للرسائلِ الحكوميةِ، بل يصبحُ شريكًا في إنتاجِ «الوجدانِ العسكري»؛ إذ تلعبُ خوارزمياتُهُ، ومعاييرُ الإشرافِ على المحتوى، وآلياتُ الانتشارِ "الفيروسيِّ" دورًا في تشكيلِ أنماطِ الظهورِ، والحزنِ، والمقاومةِ التي تطفو على السطحِ، وتلكَ التي تظلُّ محجوبةً.

ومعَ استمرارِ التلاشي في الحدودِ الفاصلةِ بينَ الاتصالِ، والأداءِ، والحوكمةِ، يجسدُ نهجُ جيشِ الاحتلال الإسرائيليِّ في دبلوماسيةِ "تيك توك" ما يمكنُ تسميتُهُ بآفاقٍ جديدةٍ في مهارةِ إدارةِ الدولةِ رقميًّا؛ حيثُ لا تُنتزعُ السلطةُ الأخلاقيةُ من خلالِ الخطابِ فحسب، بل تُنسقُ عبرَ مقاييس المنصة، وجمالياتها، وصياغاتها الوجدانيِّة.


ومعَ الجمالياتِ المتطورةِ للسلطةِ في العصرِ الرقميِّ. وفي الوقتِ الراهنِ، فإنَّ ما تكشفُهُ هذهِ الدراسةُ واضحٌ وجليٌّ: وهو أنَّ العسكرةَ الرقميةَ لم تعدْ تتعلقُ ببثِّ القوةِ، بل بتنسيقِ المشاعرِ وتوجيهِها. وفي هذا النظامِ الناشئِ، تُخاضُ معركةُ الشرعيةِ ليسَ بالأسلحةِ أو الكلماتِ فحسب، بل بالرموزِ التعبيريةِ، والوسومِ، والنبضِ الخوارزميِّ للظهورِ ذاتِهِ.

وهذا يؤكدُ على أنَّ القوةَ الناعمةَ على "تيك توك" ليستْ بُعدًا ثانويًّا، بل هيَ سمةٌ تكوينيةٌ في مهارةِ إدارةِ الدولةِ عسكريًّا، حيثُ يصبحُ الجذبُ والرنينُ الثقافيُّ ضرورةً استراتيجيةً تضاهي في أهميتِها الردعَ أو القوةَ الماديةَ».


تذييل نقدي


في ختام هذا العرض الموسع لهذه الدراسة المهمة؛ لا بد من الإلماحِ إلى مسألةٍ جِدّ مهمّة، وهي أن الدراسة، في سعيِهِا لتبنِّي لغةٍ «علميّةٍ» رصينة، تقع في نوع من «العلمنةِ الإجرائيّةِ» للقضيّة الفلسطينية؛ حيثُ تجرّد الصراعَ من أبعادِهِ التاريخيّةِ والأخلاقيّةِ والميدانيّةِ وتحيله إلى «حقلٍ تجريبيٍّ» لدراسةِ «المنطقِ الخوارزميِّ» و«رأسماليّةِ المنصّات».

وهذا التوجُّهُ الأكاديميُّ، وإن كانَ يمنحُ الدراسة صبغةً عالميّةً، إلا أنَّهُ يفتحُ البابَ لنقاشٍ نقديٍّ حولَ مدى قدرةِ الأدواتِ التحليليّةِ السرديّةِ على الإحاطةِ بحقيقةِ التفوُّقِ العسكريِّ والميدانيِّ على الأرض. وتتجلَّى هذه «العلمنةُ» الأكاديميّةُ بوضوحٍ حينما يتحدَّثُ البحثُ عن أنَّ منصّةَ "تيك توك" قد غدت «جبهةً في حربِ الصُّوَرِ الإسرائيليّةِ-الفلسطينيّةِ؛ حيثُ استخدمَ المواطنونَ التطبيقَ لممارسةِ الدبلوماسيّةِ المدنيّةِ، معتمدينَ على سردِ القصصِ، وتصويرِ الضحايا، والأنماطِ المحاكاتيّةِ (الميماتيّةِ) لحشدِ الرأي العامِّ الدوليِّ»؛ فاستعمال مصطلحِ «الدبلوماسيّةِ المدنيّةِ» لوصفِ صرخاتِ الضحايا أو توثيقِ الإبادةِ هو اختيارٌ لغويٌّ «حسّاسٌ» للغاية؛ فهو يضعُ فِعلَ المقاومةِ الرقميّةِ الفلسطينيّةِ في ذاتِ السلّةِ التحليليّةِ مع «الدعايةِ المؤسَّساتيّةِ» الإسرائيليّة، مُحوِّلًا الدَّمَ إلى «محتوىً» (Content) يُقاسُ بمدى قدرتِهِ على «حشدِ الرأي العامّ».


وهنا يبرزُ النقدُ الفكريّ: هل يمكنُ مساواةُ «المواطنِ» الأعزلِ الذي يصوّرُ ضحيّةً بـ «الجنديِّ» الذي يرقصُ في ثكنتِهِ على وقْع الجثث تحتَ مظلّةِ «الدبلوماسيّةِ المدنيّة»؟ إنَّ هذا الحيادَ الظاهريَّ قد يُسهم، وإن بغيرِ قصد، في «تسطيحِ عدمِ التماثلِ» الجوهريِّ بينَ المُحتلِّ والواقعِ تحتَ الاحتلال.

ومع ذلك وللإنصاف، فإنَّ البحثَ لا يسقطُ تمامًا في فخِّ التحيُّزِ التقنيّ، بل يقدِّمُ لفتةً نقديّةً ذكيّةً حينما يتحدَّثُ عن «عدمِ تكافؤٍ بنيويٍّ؛ فبينما يبرزُ الجنودُ الإسرائيليُّونَ ويُضفى الطابعُ الإنسانيُّ عليهم، تغيبُ الأصواتُ الفلسطينيّةُ غيابًا تامًّا». فهذه الفقرةُ تُعدُّ ومضة من "الصدقِ الأكاديميِّ" في الدراسة؛ فهي تكسرُ حاجزَ الحيادِ الباردِ لتكشفَ عن «الاقتصادِ البصريِّ» لمنصّةِ "تيك توك" الذي يُحابي الطرفَ الأقوى تقنيًّا وإعلاميًّا.


إنَّ القولَ بأنَّ المنصّاتِ «تخلقُ الظروفَ التي تجعلُ بعضَ الأرواحِ مرئيّةً بينما تُمحى أرواحٌ أخرى» هو تعبيرٌ ينطوي على نقدٍ فكريٍّ لاذعٍ لآليّاتِ «المحوِ الرقميِّ Digital Erasure»، حيثُ تصبحُ الخوارزميّةُ شريكةً في تحديدِ «مَن يستحقُّ التعاطف».


والله تعالى المسؤول أن يلطف بالمظلومين في بلاد المقدس، وأن يكبت عدوهم، ويعجّل للمسلمين بالفرج في كل مكان.



--------------------------------

[1] العنوان الأصلي:

Uzunoğlu, S., & Çakıcı, Z. (2025). Weaponizing soft power: The Israeli army’s use of TikTok. Media, War & Conflict, 0(0). https://doi.org/10.1177/17506352251390788

[2] كلية الاتصال، قسم الإعلام الجديد والاتصال، جامعة إزمير للاقتصاد، تركيا.

[3] كلية الاتصال، قسم الإعلام الجديد والاتصال، جامعة أوسكودار، تركيا.

[4] اعتمدت هذه الترجمة مصطلح "جيش الاحتلال الإسرائيليّ" بديلًا عن التّسمية الشّائعة "جيش الدّفاع الإسرائيلي" (IDF) الواردة في النصّ الأصلي للبحث؛ وذلك تحرّيًا للدّقة الوصفيّة ونأيًا عن الحمولات الدّلاليّة المضلّلة التي تضفيها مفردة "الدّفاع". إنّ استخدام لفظة "الدّفاع" يمنح انطباعًا زائفًا يشرعن ممارسات الاحتلال في فلسطين بوصفها ممارسةً لحقّ الدّفاع عن النّفس، وهو توصيفٌ يجافي جوهر الواقع القائم على الاحتلال الغاشم. (المحرر).



انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.