التحرّر من قبضة الوثنية
قراءة تحليلية في كتاب: "استخدامات الوثنية"
تأليف: وليم ت. كافانو
إصدار: دار نشر جامعة أكسفورد، 2024
مراجعة: آرون كلينك[1]
ترجمة المراجعة: مرح نصار علي [2]

أرسى وليم كافانو دعائم سمعته بوصفه معلّقًا فذًّا في شؤون الدين والسياسة من خلال مؤلّفات سابقة عديدة تناولت اللاهوت والسياسة والثقافة. ويأتي كتابه "استخدامات الوثنية" ليكون استقصاءً متعدّد التخصّصات، يتّسم بالكثافة والعمق، لمفهوم الوثنية كما تحدّده التقاليد اللاهوتية والفلسفية المسيحية. وتقدّم هذه المراجعة أبرز ملامح هذا العمل المعقّد الحافل بالحجج الدقيقة والتفصيلية التي تستعصي على التلخيص الموجز.
يرى كافانو، في سياق طرحه، أنّ المسيحيين قد يسقطون في غواية "الآلهة المزيفة" المتمثّلة في الاقتصاد والقومية، والتي تسعى لتقديم تجارب "تسامٍ" زائفة عبر السلع المادية أو الولاء المطلق للدولة القومية. ولا غرو أن يشير كافانو -الذي نهل من علم اللاهوتي ستانلي هاورواس في جامعة ديوك- إلى أنّه لا سبيل لإعادة توجيه التزامنا نحو الإله الجامع (الثالوث) إلّا من خلال ممارسة العبادة المسيحية؛ فهو وحده المصدر الحق للتسامي لمن يعتنقون الإيمان المسيحي.

ويؤكّد كافانو أنّ الوثنية تمثّل مفهومًا نافعًا في قدرته على تجاوز الثنائيات التقليدية بين "المؤمنين وغير المؤمنين"، مبيّنًا أنّنا جميعًا نؤمن بشيء ما؛ فنحن كائنات عابدة بطبعها، يتعلّق تعبّدها بشتى الأشياء، ويُعزى ذلك جزئيًّا إلى كوننا كائنات مادية تعيش في عالم مادي يتجلّى فيه الجمال.
ويجادل الكتاب بأنّ الرأسمالية تحاول تقديم التسامي من خلال اقتناء السلع المادية واستخدامها، بينما تقدّم القومية تساميًا عبر تشجيع التفاني للدولة القومية، بوصفها وسيلة لمنح الأفراد قيمًا يذودون عنها وشعورًا بالانتماء إلى كيان أسمى من الذات. ولطالما استدرك التقليد المسيحي خطورة الانزلاق نحو وثنية الآلهة المزيفة، لذا يشدّد كافانو على أنّ الممارسات الطقسية (الليتورجية) كفيلة بصياغة الأفراد ليضعوا ثقتهم في الإله الحق لإشباع رغبتهم في التسامي.
وفي قراءته لكتاب تشارلز تايلور "عصر علماني"، يستعرض كافانو كيف تخلّى المجتمع عن "الإطار المتسامي" الذي سعى لصياغة المعنى في ظلال العلاقة مع الإله، واستعاض عنه بـ"الإطار المحايث" (الدنيوي) الذي يبحث عن المعنى في تفاصيل العالم المرئي. ويُظهر كافانو عبر تحليل دقيق لنص تايلور الصعوبة التي واجهها الأخير في تعريف الدين تعريفًا منضبطًا. فتايلور يعدّ البوذية دينًا رغم افتقارها إلى مفهوم الإله المتعالي، لكنه في الوقت نفسه يرفض اعتبار القومية دينًا، رغم أنّ الأفراد قد يتألّمون ويقتلون ويموتون دفاعًا عن شرف الدولة القومية، تمامًا كما كان يفعل الأسلاف دفاعًا عن الذات الإلهية.
ويلاحظ كافانو أنّ أيّ موضوع، حين يُدرك على نحو خاطئ وفي سياق ثقافي معيّن، يمكن أن يطرح نفسه كمسلك نحو التسامي، ومن ثمّ يصبح "دينيًّا". وأرى أنّ كافانو قد أغفل فرصة سانحة لاستكشاف كيف يمزج البعض في الولايات المتحدة بين القومية واللاهوت المسيحي لخلق شكل هجين وجديد من الوثنية. كما يجد كافانو أنّ تمييز تايلور بين "المحايثة" و"التسامي" لفصل "المؤمنين" عن "غير المؤمنين" يفتقر إلى الدقة كإطار عام، ويرى ضرورة إجراء هذا التمييز بفطنة وحذر في كل حالة على حدة.

وأيضًا يتناول كافانو الكيفية التي حدّدت بها النصوص العبرية والمسيحية مفهوم الوثنية، مستعينًا برؤية جيمس سميث التي ترى الإنسان كائنًا عابدًا بالأساس. وتخلق كل من القومية والرأسمالية طقوسًا تمنح الأفراد نوعًا من "الولاءات الصارمة" في عالم فقد سحره القديم.
والواقع أنّ أغلب من اتّهمهم الكتاب المقدس بالوثنية لم ينكروا وجود الله، بل صرفوا ولاءهم لأشياء العالم والتمسوا الجمال فيها بدلًا من الله وحده. علاوة على ذلك، يصف الكتاب المقدس ممارسة تأليه القادة من البشر أو المنظمات بالوثنية أيضًا. والخلاصة هي أنّ المرء لا يحتاج لأن يكون ملحدًا حتى يعتنق "الإطار المحايث"؛ بل يكفي أن يمحور حياته حول أشياء ليست هي الله.
وفي نقده اللاذع للاستهلاكية، يشير كافانو إلى أنّ الانغماس فيها "يستجلب تفكيرًا سحريًّا وأوهامًا بالقدرة الكلية، حيث يتوهّم المرء أنّ الحرية وإشباع الرغبات متاحان بنقرة زر". ويؤكّد أنّ السبيل الوحيد للتحرّر من ربقة الاستهلاكية هو إدراك أنّ الأشياء صُنعت لخدمة القريب، لا لتقديم شعور زائف بالتسامي. فكثير منا يغمض عينيه عمدًا عن المظالم التي ترتكبها شركات كبرى مثل "أمازون"، من استغلال لعمالة السجون في الصين، أو تشغيل عمال الملابس في بنغلاديش بأجور زهيدة وظروف غير آمنة. وخلافًا للدين أو حتى القومية، تروّج الاستهلاكية لنرجسية لا تضحّي بالذات، بل تسعى للتضحية بالآخرين من أجل تحقيق الرفاه الشخصي.
وختامًا، يقدّم كافانو دفاعًا رصينًا عن قدرة الطقوس (الليتورجيا) على تشكيل الرغبة الإنسانية. ورغم أنّ أستاذه ستانلي هاورواس قد طرح هذه الحجة لعقود، إلا أنّ كافانو يطوّرها بجعلها متجذّرة في التركيز الكاثوليكي على الإمكانات "السرائرية" (الأسرارية) للأشياء في العالم، لا على التكوين الفكري المحض. والأهم من ذلك، أنّ الطقوس تحترم وتعكس الحاجة الإنسانية للتفاعل مع الخليقة بطرق مقدّسة. أما الرأسمالية، فهي على النقيض تمامًا، تروّج لاستهلاك الخليقة لا احترامها، وتمثّل بهذا المعنى تشويهًا للطقوس الحقّة. ويزعم كافانو أنّ الاستهلاكية والقومية جعلتنا نرتهن للأفكار بدلًا من الحقائق المادية، وهي محاولات للهروب من محدودية أجسادنا وحيواتنا. وفي طرح معقّد حول كيفية تغلّب "التجسّد" على الوثنية، يخلص كافانو إلى أنّ "الهدف من التجسّد هو تقديم الإله غير المرئي في صورة مرئية، دون اختزال الخالق في شيء يمكن الاستحواذ عليه أو التلاعب به؛ فالله يقرّب ذاته للبشر، ولكن وفق شروطه هو، لا شروطنا نحن".لقد اشتبك كافانو بصرامة مع طيف واسع من الدراسات العابرة للتخصّصات.

ولا يسع القارئ إلا أن يشعر بأنّ الكتاب بمثابة تشخيص للقوى المعاصرة التي تقدّم وعودًا زائفة بالتسامي لا يملكها إلا الله. ويبدو أنّ التسويق المعاصر قد تعلّم درسًا من قصة "العجل الذهبي": إذا استطعت إقناع الأفراد بأنّهم بحاجة لشيء ما ليزدهروا، فسوف يتخلّون عن كل شيء لاقتنائه، ما لم تكن قلوبهم متمسّكة بقوة بشيء يؤمنون أنّه سيشبع رغباتهم حقًّا.
يقدّم كتاب "استخدامات الوثنية" أنثروبولوجيا لاهوتية قوية تستكشف القوى المتصارعة في عصرنا: القومية، والاستهلاكية، والإيمان الذي يعد بالتسامي. ولكن، إذا استطعنا حقًّا عبادة الله وتجلّياته، وإذا استطعنا رؤية الآخرين كصور حاملة لذات الإله، فربما نبدأ حينئذ بالتحرّر من قبضة الوثنية التي تحكم إغلاقها علينا.
_______________
[1] قسٌ مُرسَّم في "كنيسة الإخوة"، وهو حاصل على درجة الماجستير في اللاهوت (M.Div.) من جامعة ييل، ودرجة ماجستير اللاهوت (Th.M.) من كلية لاهوت جامعة ديوك.
[2] باحثة فلسطينية في فلسفة اللغة والأدب والنقد، ومهتمة بقضايا الفكر المعاصر.
انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.
