ركيزة الموقف السلفي من علم الكلام

17 October 2026
مدونة نَشر
ركيزة الموقف السلفي من علم الكلام

ركيزة الموقف السلفي من علم الكلام


أ.د. عبدالله بن نافع الدعجاني


  لا ريب أن الاتَّجاه السلفي كان امتدادًا لإسلام ما قبل الخلاف، صورة الإسلام الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام من بعده، وبدأ تشكُّله وتميُّزه مع بدايات ظهور الخلاف العقدي في الأمة بصورة تدريجية، فمنذ الطور الأول من الخلاف العقدي الذي ظهر على يد (الخوارج) والشيعة، بدأ الاتجاه السلفي بالتشكُّل على يدي بعض الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، تجلَّى ذلك في ردودهم ومناقشاتهم لأهل البدع من الخوارج والشيعة، مرورًا بالطور الثاني (القدرية والمرجئة)، ثم الطور الثالث (الجهمية والمعتزلة)، في حدود النصف الثاني من القرن الأول، والنصف الأول من القرن الثاني، حيث أصبح أكثر تميزًا بظهور مصطلح أهل السنة في مقابل أهل البدع، وبروز مصطلح (أهل الحديث) في سياقه العقدي.

  

الاتجاه السلفي والجدل العقدي.

  جوهر فلسفة هذا الاتجاه تحقيق العودة إلى (إسلام ما قبل الخلاف) المتمثل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم، حيث كانت العقيدة في شكلها البسيط الواضح، وهذا ما دعاهم إلى تبنّي موقفين:

  الأول: النهي عن الجدل والخصومات، والتعمُّق والتعقيد في العقيدة.

  الثاني: محورية فهم السلف، وعلى رأسهم الصحابة رضي الله عنهم، وتلك من الأصول الكبرى التي تميَّز بها هذا الاتجاه عن غيره، والمراد بفهم السلف: هو ما أجمع عليه أئمة السلف في العلم والعمل.

  ولذلك قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل: " أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين . . ." ([1]).

  لم يبدأ هذا الاتجاه تأسيسه العقدي بالجدل، وإنما بالسكوت والوقوف على ما وقف عليه سلف الأمة من الصحابة وتابعيهم، لكنه اضطر إلى الجدل العقدي عندما علا صوت أهل البدع، بداية من فتنة القول بخلق القرآن، حيث قاد هذا الجدل الاضطراري الإمام أحمد نفسه، وألف كتابه الجدلي المشهور (الرد على الزنادقة والجهمية)، معتمدًا في جدله ذاك على اللغة والعقل ([2]).

  ولقد نص الإمام أحمد نفسه على هاتين المرحلتين، حينما سأله إسحاق بن حنبل قائلًا: " إن يعقوب بن شيبة، وزكريا بن عمار أخبرا عنك الوقف، فقال: قد كنَّا نأمر بالسكوت فلمَّا دعينا إلى أمر ما كان بدٌّ لنا من أن ندفع ونبيّن" ([3]).

  ومع ممارسة هذا الاتجاه الجدل العقدي اضطرارًا فقد تواتر عن أئمته ذمهم علم الكلام، ولقد أُثر هذا الذم عن عدد كبير من علماء السلف وأئمتهم، ومدار هذا الذم على الإحداث والابتداع الحاصل في علم الكلام، المستلزم الجفوة عن دلائل الوحي وطبيعة مسائله، ومن أوعب المصادر في جمع تلك الآثار مدونة أبي إسماعيل الهروي الموسومة بـ (ذم الكلام وأهله).

  ومن أشهر ما روي عنه ذم الكلام وأهله الإمام الشافعي، حتى أن أبا إسماعيل الهروي (ت: 481ه) بوَّب في كتابه بابًا خاصًا، عنوانه: (ذكر شدة الشافعي على أهل الكلام وإنكاره) ([4]).

  ومن ذلك قوله: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام" ([5]).

  وهكذا ولد علم الكلام ونشأ غير معترف به في الأوساط العلمية، حتى في الذروة العلمية والسياسية التي بلغتها المعتزلة، لكن ذلك لم يمنع من نموه وازدهاره، وتسلُّلِه إلى طوائف وفرق إسلامية عديدة، وفرض اطروحاته للنقاش، منذ فتنة القول بخلق القرآن.


  مناط ذم علم الكلام.

  من خلال استعراض الآثار السلفية الكثيرة في المصنفات التاريخية والحديثية، يتضح تعلُّق الذم بالكلام البدعي لا مطلق الكلام، ولم يكن الذم لعلم الكلام لمجرَّد ممارسته الصناعة العقلية، أو تفنُّنه في المناظرات العلمية، أو حتى لمجرَّد ألفاظه الحادثة إذا كانت المعاني صحيحة، وإنما تعلَّق به الذم شرعًا لمعانيه وقضاياه ومقدماته البدعية المناقضة لدلائل الوحي ومسائله.

  ولهذا انتقد المنظر الأبرز للمنهج السلفي ابن تيمية، تفسير النهي عن علم الكلام المستفيض عن سلف الأمة بالنهي عن مطلق النظر والاستدلال والمحاجة والمجادلة، قائلًا: " . . . وحزب رأوا أن ما فهموه من كلام الأئمة والسلف هو الصواب، لما علموه من فضلهم، فأعرضوا عن جنس النظر والاستدلال في ذلك، وعن جنس المحاجة والمجادلة، ورأوا ذلك هو السلامة والورع والاتباع، فوقعوا في التفريط في جنب الله، وإضاعة بعض العلم بدين الله وبعض الكلام فيه، ولزم من ذلك استيلاء أهل التحريف والإلحاد عليهم وعلى المسلمين، فوقعوا هم في الجهل البسيط، ووقع أولئك ومن اتبعهم في الجهل المركب، وكان من سبب ذلك أنهم فهموا من كلام السلف أعم مما أرادوه." ([6]).

 فَرْقٌ بين الصناعة العقلية الشرعية المتضمنة الدلالات العقلية النقلية، كما يستعملها سلف الأمة، وبين الصناعة العقلية الكلامية، المتضمنة الدلالات العقلية المنفصلة والمتعارضة مع دلالات النقل، وهذ المعنى كان حاضرًا عند الأئمة، ولذلك يقول الإمام الشافعي: " كل متكلم على الكتاب والسنة، فهو الجد، وما سواه فهو هذيان " ([7])، وقريبًا منه قول الإمام أحمد: " لست أتكلَّم إلا ما كان في كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن أصحابه، أو عن التابعين، فأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود" ([8]).

  بتلك الصناعة العقلية السلفية صاغ الإمام أحمد نقده الممزوج بالدلالات العقلية النقلية في رده الشهير على الجهمية في فتنة القول بخلق القرآن، ووسمه بـ (الرد على الزنادقة والجهمية)، فكَّك فيه أبرز مقولات الجهمية برؤية تحليلية عقلية متوافقة مع دلالات الوحي، ولذلك قال أبو يعلى الحنبلي (ت: 458ه): "وقد احتج أحمد رحمه الله بدلائل العقول في مواضع فيما خرجه في الرد على الزنادقة والجهمية" ([9]).

  والحاصل: أن ذم السلف لعلم الكلام لم يكن لمطلق الاحتجاج العقلي أو لأساليب البرهنة والجدل، وإنما كان للمعاني المبتدعة التي تضمنها من جهة دلائله، ومن جهة مسائله، ولهذا المعنى أشار ابن تيمية، قائلًا: " . . . أهل الكلام المحدث الذي ذمه السلف والأئمة . . . ابتدعوا في أصول دينهم حُكْمًا ودليلًا، فأخبروا عن قول أهل الملل بما لم ينطق به كتاب ولا سنة، واستدلوا على ذلك بطريقة لا أصل لها في كتاب ولا سنة . . . " ([10]).


   الذم من جهة الدلائل:

  يمكن ذكر بعضٍ من مظاهر هذا الابتداع من جهة الدلائل فيما يأتي:

  الأول: ابتداع معقولات كلية جعلوها أصولًا للدين، تحاكم إليها النصوص النقلية، ومعيارًا تُؤَوَّل به، ورتَّبوا على ذلك بعضًا من المبادئ الاستدلالية، منها: الإعراض عن الاعتماد على الأدلة العقلية التي تضمَّنتها نصوص الوحي الإلهي، ورأوا أن في الاستدلال بها دورًا استدلاليًا ممتنعًا، وبذلك قرروا عدم صحة الاستدلال بالسمع على ما يتوقف صحة ثبوته على العلم به من العقليات، والمراد بها العقليات التي بها ثبت وجود الله والنبوات، وبهذا ضيقوا حجية الدليل النقلي السمعي، وأخروا رتبته عن الدليل العقلي.

  ومن أبرز تلك المعقولات: دليل الحدوث والتركيب وغيرها، ومفاهيم الحيز والجسم وغيرها في باب الأسماء والصفات، وكالقول بأن الحقيقة واحدة لا تقبل الزيادة والنقصان في باب الإيمان، وكالقول بأن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة، وأن خرق السنن الكونية لا يكون إلا على جهة واحدة في باب النبوات . . . وهكذا دواليك.

  الثاني: تقييد التسليم لنصوص الوحي بعدم المعارض العقلي، وهذا تسليم مقيد قادح في التسليم الكامل لله، فهم أمام نصوص الوحي يدورون حول مطلق التسليم لا التسليم المطلق.

  لا يعني هذا أنهم معرضون بالكلية عن الاستدلال بنصوص الوحي، بل المراد جعلهم الدليل النقلي أقل رتبة في البرهان من الدليل العقلي الذي صاغوه، واعتقاد عدم أصالته في الاستدلال، واستحالة تصديقه معقولاتهم الاستدلالية الكبرى، بل إنهم أرادوا نصر نصوص الوحي، لكن بما اعتقدوه حجة عقلية.

  في بيان ذلك المنزع الدقيق، وفي سياق معارضة المتكلمين للنقل بمعقولاتهم، يقول ابن تيمية: " . . . وأصل وقوع ذلك في المنتسبين للإسلام والإيمان أن أقوامًا من أهل النظر والكلام، أرادوا نصرة ما اعتقدوه أنه قوله بما اعتقدوه أنه حجة، ورأوا أن تلك الحجة لها لوازم يجب التزامها، وتلك اللوازم تناقض كثيرًا من أخباره، وهؤلاء غلطوا في المنقول والمعقول جميعًا" ([11]).

  الثالث: الانصراف عن ظواهر الأدلة، واللجوء إلى التأويل بغرض دفع المعارض النقلي، وليس بغرض الوصول إلى الحقيقة، فقسموا النص الشرعي إلى ظاهر غير مراد، وظاهر مراد تدل عليه معقولاتهم

  الرابع: غموض مصطلحات الدليل الكلامي واشتباهها، وخفاؤها المفضي للشك والارتياب.

  الخامس: اعتياص طبيعة الدليل الكلامي، ومنافرته للبساطة الفطرية التي تتميز بها دلائل الوحي، حتى أضحى الدليل الكلامي ـ بتعقيد وطول مقدماته ـ أخفى من المدلول!.

حتى إن الجاحظ المعتزلي نفسه سجل ملاحظته على استدلال أصحابه بالحركة والسكون ـــ وهو مرحلة من مراحل دليل الحدوث ـــ قائلاً: " إن ذلك يدق ويلطف، ويبعد بلوغ كنهه، فلا يجوز من الرحيم الرؤوف أن يكلف معرفته بهذه الطريقة" ([12]).


  الذم من جهة المسائل:  

  هذا ما يتعلق بالدلائل، أما ما يتعلق بثمرتها وهي المسائل، فتجليات الابتداع فيها أبرز ظهورًا، منها ما كان كليًا يولّد عددًا من المسائل المبتدعة، مثل: (مسألة التحسين والتقبيح)، التي اختلفت فيها المعتزلة والأشاعرة، وكلتاهما من أكبر المدارس الكلامية، فالمعتزلة يرون عقلنة التحسين والتقبيح، ورتَّبوا على ذلك عددًا من المسائل، مثل: وجوب النظر لإثبات الصانع، وجوب اللطف ورعاية الأصلح على الله تعالى، وجوب إنفاذ الوعيد في مرتكب الكبيرة.

  أما الأشاعرة فقالوا بإبطال التحسين العقلي والقول بشرعية التحسين والتقبيح، وولَّدوا من هذه المقالة بعضًا من المسائل المبتدعة، مثل: إبطال التعليل لأفعال الله تعالى، والقول بجواز التكليف بما لا يطاق عقلًا، ومبدأ التجويز المطلق في أفعال الله تعالى.

  إضافة إلى مسائل نقلية كبرى، كتعطيل الصفات أو بعضها، وإنكار الزيادة والنقصان في الإيمان، وكإنكار بعض من الأخبار النقلية في اليوم الآخر، وإن كان هذا الإنكار لم يلتزم به كل المتكلمين، مثل: إنكار الميزان وعذاب القبر، والصراط المضروب على متن جهنم.


انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.


انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.

------------

([1]) "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين من بعدهم"، هبة الله بن الحسن اللالكائي، تحقيق: أحمد بن سعد الغامدي، (ط: الرابعة، الرياض: دار طيبة، 1995م)، 1: 176.

([2]) هي من مشهور الرسائل في الاعتقاد عند العلماء، لا سيما الحنابلة منهم، ومن أقوى أدلة إثباتها، رواية أبي بكر الخلال ـ وهو من أوثق مصادر نصوص الإمام أحمد الاعتقادية ـ لتلك الرسالة في كتابه (السنة)، ولكنه في الجزء المفقود، وقد اطلع جمع من العلماء على النسخة الكاملة له، وأفادوا برواية ونقل الإمام الخلال تلك الرسالة كاملة في كتابه، منهم: أبو يعلى كما في كتابه إبطال التأويلات، وابن تيمية، في بيان تلبيس الجهمية، وابن القيم، كما في الصواعق المرسلة، واجتماع الجيوش الإسلامية، انظر: عبداللطيف المحيمد، " الخطأ في نسبة الآراء إلى أصحابها في الكتب الكلامية، دراسة تأصيلية تحليلية نقدية"، ( ط: الأولى، بيروت: دار المقتبس، 2017م)، ص162 ـ 164.

([3]) "العدة في أصول الفقه"، محمد بن الحسين لقاضي أبو يعلى الحنبلي، تحقيق: أحمد سير المباركي، (ط: الثالثة، 1993م)، 4: 1279 ـ 1280

      وانظر: "الرد على الجهمية، الدارمي"، عثمان بن سعيد الدارمي، تحقيق: أبي مالك أحمد الرياشي، (ط: الأولى، الرياض: مكتبة الرشد، الرياض، 1437هـ)، ص62.

([4]) انظر: "ذم الكلام وأهله"، عبد الله بن محمد أبو إسماعيل الهروي، تحقيق: أبي جابر عبد الله الأنصاري، (ط: الأولى، المدينة النبوية: مكتبة الغرباء الأثرية، 1998م)، 4: 264.

([5]) المصدر نفسه، 4/ 294.

([6]) "جامع المسائل، المجموعة التاسعة"، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن قائد، (ط: الأولى، مكة المكرمة، دار عالم الفوائد، 1437هـ)، ص5 ـ 6

([7]) "ذم الكلام وأهله"، الهروي، 4: 268.

([8]) "الإبانة الكبرى"، عبيد الله بن محمد بن بطة، تحقيق: عادل آل حمدان، (ط: الأولى، الرياض: دار المنهاج،1436هـ)، 1: 279.

([9]) "العدة في أصول الفقه"، أبو يعلى، 4: 1273 ـ 1274.

([10]) "منهاج السنة في نقض كلام الشيعة والقدرية"، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، (ط الأولى، الرياض: جامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية، 1406هـ)، 1: 301.

([11]) "درء تعارض العقل والنقل"، أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، (ط الأولى، الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)، 2/149.

([12]) "المغني في أبواب التوحيد والعدل، مجلد: النظر والمعارف"، القاضي عبد الجبار بن أحمد، تحقيق: إبراهيم مدكور، ( القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة)،12: 342 ـ 343.