عصر ابن تيمية ودواعي النقد

2 November 2024
مدونة نَشر
عصر ابن تيمية ودواعي النقد

عصر ابن تيمية ودواعي النقد


أ.د. محمود يعقوبي



ما كان الإمام أحمد بن تيمية لينقد المنطق المشائي لولا أن ظروفًا معينة تظافرت فهيأته للقيام بهذا العمل الذي كان بمثابة الجولة الفاصلة من جولات مواجهة دامت ما لا يقل عن ستة قرون بين أصحاب المنطق اليوناني وأصحاب المنطق الإسلامي.

ولا جرم أن لأحوال العصر تأثيرًا في توجيه أفكار المفكر، إلا أن التحرك في عكس اتجاه أفكار العصر لا ينم عن رفض لهذه الأفكار فحسب، بل يدل أيضًا على العزم على التأثير فيها بالتصحيح وبإعادة التوجيه.

لقد ولد أحمد بن تيمية سنة 661هـ بمدينة حران (بالشمال الشرقي من الشام في السابق، وبالجنوب الشرقي من تركيا الآن). وفي سن السابعة هاجر منها مع أهله عند إغارة التتار عليها. واستقر بدمشق التي كانت آنذاك ملجأ للعلماء الفارين من بلاد الإسلام التي اكتسحتها جحافل التتار، وملتقى لآثار الفكر الإسلامي التي أفلتت من أيديهم التي عاثت فيها فسادًا بالإحراق والإتلاف.

وهكذا كان الثلث الأخير من القرن السابع الهجري بالنسبة إلى ابن تيمية فترة من تاريخ الفكر الإسلامي زاخرة بالعلم والعلماء. فترعرع في بيئة تراكمت فيها الكتب المدونة في مختلف آفاق المعرفة التي امتدت إليها الثقافة العربية الإسلامية، وأصبحت في متناول كل دارس. وصار بإمكان هذا الدارس أن ينهل من المورد الذي يشاء من موارد هذه الثقافة ذات المواد المختلفة والصور المتعددة والمشارب المتنوعة، دون أن يكون محكومًا عليه بالاقتصار على معارف الشيخ الذي يتلقى منه هذه المعارف بالمشافهة والسماع.


فكان في عصر ابن تيمية أصناف شتى من أصحاب الرأي والنظر، منهم المتدين والملحد، والفقيه والأصولي، والمتكلم والفيلسوف، والسني والمخالف، والمسلم والمجاهر بمعاداة الإسلام وبالكيد له في السر وفي العلانية. وكان لكل هؤلاء مقالات يثبتونها ويدافعون عنها بمختلف الطرق وشتى الحجج، ويتبادلون الاطلاع عليها عند الإثبات وعند الرد عليها. فاطلع ابن تيمية على علوم عصره الدنيوية منها والأخروية، النقلية منها والعقلية، الإسلامية منها وغير الإسلامية. وعرف الأصيل من هذه الثقافة كما عرف الدخيل عليها، وعرف المؤتلف والمختلف منها.

فكان له من كل ذلك ثقافة واسعة متنوعة هيأته لأن يميز في كل ذلك بين الحق والباطل، ولأن يكون له فيها رأي دافع عنه بين الفقهاء وعلماء الكلام والفلاسفة. فخالف نظارًا وخالفه نظار. وكانت له معهم مجادلات ومناظرات أراد بها أن يقلل من الاضطراب الفكري الذي اتسم به محيطه الثقافي.


وقد كان بإمكان ابن تيمية أن يفلح في مسعاه لو لم تكن الأحوال السياسية في عصره مضطربة هي الأخرى. إلا أن كل شيء حوله علميًّا كان أو اجتماعيًّا كان يصيبه شيء قليل أو كثير من الاضطراب السياسي. وقد تسبب في هذا الاضطراب السياسي تواصل هجوم التتار واعتداء الصليبيين على الشام ومصر، واستحكام العداوة بين الحكام والفرق كما يذكر ذلك ابن الأثير في تاريخه([1]). وقد بلغت شدة البأس بين الناس درجة دفعت ببعضهم إلى التحالف مع الصليبيين على خصومهم من المسلمين، كما كانت الشحناء بين بعض الفرق الدينية تزين لهم الاستنصار بالكفار على إخوانهم في الإسلام. فكان الدفاع عن المواقف وتبريرها سلاحين يحتاج إليهما الحكام ويستعملهما أرباب النظر على حد سواء.


فكان الحكام يلجأون في ذلك إلى بعض العلماء الذين لا يجدون حرجًا في التوفيق بين الوسائل الشرعية والغايات السياسية. وكان بعض النظار يعتمد المغالطة لنصرة رأيه ورد رأي خصمه. ولم يكن فصل الخطاب للعقل أو النقل دائمًا. بل كان الحكام في عصر ابن تيمية، الذي هو عصر المماليك، يحرصون على سياسة الناس باسم الشريعة، ما دامت أحكامها لا تتعارض مع أغراضهم السياسية التي لم تكن دائمًا في خدمة الدين. فكان ذلك سببًا في مضايقتهم للفقهاء، وفي مخاصمة بعض الفقهاء لهم([2]).


ولقد كان لهذه الأوضاع السياسية المتضاربة أثرها في نشاط الإمام ابن تيمية. فخاصم الحكام وآذوه بالنفي والسجن. وجادل الفرق المخالفة للسنة. ووضع في الرد عليهم كتابه: (منهاج السنة). وحمل السيف للذود عن دار الإسلام عندما أملت على بعض الحكام مصلحتهم التخلي عن القيام بهذا الواجب الديني. ويمكننا أن نستنتج من كل هذا أن الخصومات التي تملأ مجال الحياة اليومية حول ابن تيمية، قد حددت مادة نشاطه الفكري، وحددت أيضًا صورة هذا النشاط. فكان منه الكتاب المطول، والرسالة الصغيرة، والفتوى، وكان منه ما كتبه خارج السجن، وما كتبه داخله مثل كتابه في (الرد على المنطقيين) كما يشير هو إلى ذلك في مستهله.


وقد ترتب على هذا الاضطراب السياسي اضطراب اجتماعي كان له هو الآخر أثر في نشاط الإمام ابن تيمية. فقد كان الحروب مع الكفار ومع الصليبيين، والصراعات بين الحكام المسلمين تلجئ الكثير من عامة الناس ومن خاصتهم العلماء، إلى الهجرة من العراق إلى الشام ومن الشام إلى مصر وإلى المغرب. وكان يحصل بهذه الهجرة لقاء بين الآراء لا يخلو من الاصطدام أحيانًا، والمواجهات بين المذاهب الفقهية والكلامية التي كثيرًا ما كان التعصب المذهبي وضيق الأفق يحولها إلى شحناء وبغضاء ودسائس، من أجل نصرة المذهب والإزراء بالمخالف. كما كان لتسلط المماليك تأثير على حركة الثروة بين الناس بالضرائب والمصادرات والهبات حسبما تقتضيه مصالحهم السياسية، وتصرفاتهم الدنيوية المطلقة في حقوق الرعية، مما جعل بعض العلماء يخدمونهم طمعًا في عطائهم وخوفًا من نقمتهم التي تكون أحيانًا بمصادرة الأموال وبالتنكيل.


فكان ذلك كله يلجئ ابن تيمية إلى أن يكون له فيه رأي يصدع به في وجه الحكام ويدوي به أمام الملأ من الناس كما يلوح به في كتابه (السياسة الشرعية) فيقول: «كثيرًا ما يقع الظلم من الولاة والرعية. هؤلاء يأخذون ما لا يحل وهؤلاء يمنعون ما يجب. كما قد يتظالم الجند والفلاحون»([3]) فكان يدعو إلى الجمع بين السلطان والإيمان. ويوصي بعدم الفصل بينهما في وقت كان المسلمون في أشد الحاجة إليهما معًا لرد عدوان الصليبيين والكفار ومنع ولاة المسلمين بعضهم عن بعض.


لقد جاء القرن السابع مثقلًا بأعمال ستة قرون تعامل فيها المفكرون المسلمون مع الفلسفة اليونانية، ولا سيما مع الفلسفة المشائية تعاملًا لم يخل في كثير من الأحيان من الخلاف والرفض([4]). فقد رفض المسلمون آراء اليونان في الألوهية ورفضوا من الإلهيات الأرسطية كل ما يخالف العقيدة الإسلامية. ولم يتمكن الفكر اليوناني من التوغل في الفكر الإسلامي منذ نشأته الأولى بسهولة. بل إن أوائل المعتزلة على الرغم من أنهم لم يتقبلوا نتائج الفلسفة اليونانية فإنهم استساغوا طريقة التفكير اليونانية([5]) التي تعتمد على الأدلة العقلية البحتة التي لم تسلم من بعض التناقضات، مما كان سببًا في رد فعل قام به الإمامان الأشعري (260 – 324هـ) والماتريدي (238 – 333هـ) للحد من الغلو في اعتماد العقل، لا سيما عند التمييز بين الخير والشر. وحتى عندما لبست الفلسفة اليونانية لباس الإسلام ووردت على لسان الفلاسفة الإسلاميين، فإنها ظلت في مضمونها يونانية وبقيت غريبة عن علم الكلام الذي عندما حرص على مقاومتها اضطر أصحابه إلى استعمال أسلحة الفلاسفة. فتأثر علم الكلام بالفلسفة المشائية من حيث أراد ردها وإبطال حججها. ويمكننا أن نقول إنه قاومها بسلاحها. فالمتكلمون الأشعريون لا يستعملون طريقة الاستدلال اليونانية إلا عند الرد على الفلاسفة، أو على غيرهم ممن يستعملونها هم أيضًا.


وإذا كان من الصعب إن لم نقل من الخطأ رد نشاط علم الكلام إلى الاحتكاك بالفلسفة اليونانية، فإن من الممكن إن لم نقل من الراجح أن نموه وترعرعه يدين بهما قليلًا أو كثيرًا إلى انتهاج مناهج الخصم في الاستدلال وفي الرد عليهم. لكنه لا يلزم من هذا أنه ما كان ليزدهر لولا مناهضته للفلسفة اليونانية. لأنه كان في الخلافيات الكلامية بين الفرق الإسلامية ما كان يلجئ صاحب الرأي إلى إثبات رأيه والدفاع عنه بالأدلة العقلية عند تكافئ الأدلة النقلية. وإذا كان علم الكلام يتكون في معظمه من الردود على مختلف النحل اليونانية والهندية والفارسية ومختلف الفرق الإسلامية، باستعمال الأدلة المنطقية، فإن هذه الأدلة الأدلة المنطقية لم يكن علماء الكلام الأشعريون ليستسيغوها لولا موافقها لصور الاستدلال الفطري.


وذلك لأن فقهاء الرعيل الأول وعلى رأسهم الإمام الشافعي (150 – 204هـ) قد شرعوا بداعي الاجتهاد والافتاء في «تنظير» الفقه وفي وضع المخطط الأول الذي سوف يتبلور حوله فيما بعد علم أصول الفقه. إذ إننا نجد أن صورة القياس الفقهي في (رسالة) الإمام الشافعي قد اتضحت معالمها بعدما شاع الاجتهاد منذ أخذ الإسلام ينتشر في ربوع الجزيرة العربية في سنواته الأولى. إذ كانت الحاجة إلى القياس «فيما لا كتاب فيه ولا سنة ولا إجماع»([6]).


كما أن موضوعات علم الكلام إذا كانت قد بدأت حول مشكلة خلق القرآن، فإنها قد اتسعت وتنوعت فيما بعد لكي تمتد إلى معالجة مشكلة محورية هي: مدى صلاحية العقل ذاته لمعالجة المسائل النقلية؟ وهي مشكلة فلسفية جديدة لم تعرفها الفلسفة اليونانية التي لم تكن تعرف في صورتها الأرسطية حدودًا لقدرة هذا العقل. ولهذا يمكننا أن نلاحظ أن أول محاولة لتحديد مجالات العقل المعرفية إنما تولدت في أحضان علم الكلام الأشعري والماتريدي الذي إنما نشأ بسبب هذا التحديد ذاته. ويبدو لنا أن هذا التحديد كان له تأثيره البالغ في توظيف علم المنطق لخدمة العقيدة. إذ به ومنه أمكن الفصل بين صورة الحجة وبين مادتها. وبهذا أصبح المعتبر في المنطق بمعناه الأرسطي صورته لا غير. فصار مجرد أداة لإثبات العقائد وإبطال ما يخالفها. إلا أنها صارت أيضًا أداة لجميع العلوم حتى الدينية منها كما يقرر ذلك الإمام الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين).


وإذا كانت لا تهمنا الحركة التي ناهضت استعمال القياس في الفقه على لسان الإمام ابن حزم (384 – 456هـ) إلا بقدر ما يكون في المناهضة دليل على منع استعمال العقل في فهم مقاصد الشرع وبالتالي في جواز التشريع، فإن هذا الإمام ذاته الذي سبق الإمام الغزالي (450 – 505هـ) في الذهاب إلى أن من جهل المنطق فقد خفي عليه فهم القرآن والسنة([7])، يكون قد جعل المنطق أداة لمعرفة الشرع، ويكون الذي ينكره ابن حزم من القياس إنما هو القدرة على إنتاج الجديد، على أساس أن القضايا الكلية تكون قد قالت كل شيء بصورة قبلية، فيكون قد أبطل القياس الفقهي والاجتهاد، دون القياس المنطقي. إلا أنه يمكننا أن نستشف من خلال هذا الرأي رأيًا آخر يتمثل في السبق إلى الإشارة على عقم عمل العقل متى انتقل من العام إلى الخاص كما هو الشأن في الاستنتاج القياسي.


وهكذا يتفق جميع النظار تقريبًا على استعمال المنطق الصوري من أجل إثبات العقائد والدفاع عنها، وبذلك يكون قد اتضح للباحثين عامة ولعلماء الكلام خاصة أن المنطق أداة تستعمل لإثبات القضايا المسلم بها وللذود عنها في وجه الخصم.


وابتداء من القرن الخامس الهجري انتشرت طريقة المنطقيين في الاستدلال عند الإثبات وعند الإبطال، ولا سيما في المذهب الأشعري، كما هو واضح في كتب العقائد الأشعرية، مثل كتب الباقلاني (338 – 403هـ) والجويني (419 – 478 هـ) والغزالي، وفي كتب العقائد الماتريدية مثل كتب النسفي (416 – 537هـ) والإيجي (700 – 756هـ). فأصبحت بذلك بعض المسائل الفلسفية جزءًا من مسائل علم الكلام كما هو الشأن عند الإمامين الرازي (544 – 606هـ) والبيضاوي (المتوفى سنة 685هـ).


وفي أثناء كل ذلك اشتهر الفلاسفة المسلمون باسم (أصحاب المنطق وأصحاب الحكمة)([8]) لا سيما المشاؤون منهم الذين كانوا يثبتون آراءهم الميتافيزيائية بالحجج المنطقية.


فيسندون الفيزياء إلى المنطق ويبنون المنطق على الميتافيزياء. وبهذا تمازج المنطق والميتافيزياء لدى الفلاسفة المشائين حتى المسلمين منهم. ولا جرم أن سبب هذه التسمية هو اشتهارهم باستعمال البراهين المنطقية لإثبات آرائهم الفلسفية، كما فعل ابن سينا (370 – 428هـ) في إحدى رسائله([9]) «عند إقامة البراهين على جوهرية النفس وغناها عن البدن في القوم على مقتضى طريقة المنطقيين». ويلزم من هذا أن الحديث مع الفلاسفة المشائين هو حديث مع المنطقيين الذين يستعملون قواعد المنطق دائمًا في خوارهم مع غيرهم. وليس لخصومهم حظ في الإصغاء إليهم إلا متى استعملوا لغة المنطق، لا سيما في الأمور النظرية التي فيها «يضطر الإنسان الذي يلتمس الوقوف على الحق اليقين في مطلوباته كلها إلى قوانين المنطق» كما يقول الفارابي([10]) (259 – 339هـ) الذي يكون منذ القرن الرابع الهجري قد أشاع بين النظار المسلمين تعليق اليقين بالقياس المنطقي، وقرن المطالب النظرية بصناعة المنطق. ثم أكد ابن سينا ذلك في القرن الخامس، إلا أنه أضاف إلى ذلك أن القياس التمثيلي الذي يستعمله الفقهاء قياس ضعيف لا يعطي نتائج يقينية على غرار قياس المنطقيين الذي يبقى دائمًا هو العمدة إلى المطالب اليقينية([11]) التي يتوصل إليها طالبها متى عرف العلة. فيكون قياس الفقهاء ضعيفًا لأن نتائجه ظنية. إذ الأحكام الشرعية لا تعرف عللها على وجه اليقين. وهذا أمر أكده الإمام الغزالي وحذر من مغبة الاستقصاء في طلب اليقين في علل الأحكام الشرعية. فقال: «إن الاستقصاء الذي ذكرناه في العقليات ينبغي أن يترك في الفقهيات رأسًا. فخلط ذلك الطريق السالك إلى طلب اليقين بالطريق السالك إلى طلب الظن صنيع من سدى من الطرفين طرفًا ولم يستقل بهما»([12]).


ويلزم من هذا أن حظ العلوم الشرعية من اليقين دون حظ العلوم العقلية، وهو أمر كان شائعًا بين المنطقيين الذين كانوا في القرن الرابع يقولون: «لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل والصدق من الكذب، والخير من الشر، والحجة من الشبهة، والشك من اليقين إلا بما حويناه من المنطق...»([13]) كما أن «صاحب المنطق يرى أن الطبيب والمنجم والمهندي وكل من فاه بلفظ وأمَّ غرضًا، فقراء إليه محتاجون إلى ما في يديه»([14]).


إلا أن هذا الرأي إنما رآه أصحاب الفلسفة الذين هم في الوقت ذاته أصحاب المنطق دون سواهم من أرباب النظر في علوم الشريعة الذين كانوا يرون أن الأمر على العكس مما يذهب إليه الفلاسفة المنطقيون. وإذا صح ما يرويه أبو حيان التوحيدي (كان حيًّا قبل 380هـ) عن أئمة الدين([15]) فإنهم كانوا يرون أن صراط الشريعة هو صراط اليقين، وأن سبيل الفلسفة إنما هو سبيل الظن. لأن الفلسفة مبنية على الرأي والتخمين لا غير. فإذا ما اعتمدنا على ما يرويه أبو حيان التوحيدي في كتابه (الإمتاع والمؤانسة) من مناظرات بين أصحاب الفلسفة والمنطق من جهة، وأصحاب الشريعة من جهة أخرى، وما ورد فيها من مواقف متقابلة تنم عن خصومة محتدمة بين الفريقين، فإن المقابلة بين المعارف العقلية والمعارف النقلية تكون قد شغلت أرباب النظر الإسلاميين منذ أن طلعوا على عقائد غيرهم من الأمم، وعلى طرقهم في إثباتها، لا سيما آراء أرسطو وشراحه الأوائل من المشائين. فلا تكون فكرة التوفيق بين الفلسفة والشريعة إلا محاولة للتخفيف من حدة الخلاف الذي يكون قد أحس به وتضايق منه جميع النظار المسلمين الفقهاء منهم، وكذلك الفلاسفة وعلماء الكلام الذين بلغ ببعضهم الوثوق بالعقل درجة سوغت لهم تغليب الدليل العقلي على الدليل النقلي عند تعارضهما في إثبات العقائد، مما ألجأ أرباب النظر جميعًا إلى التعرض في مؤلفاتهم إلى قيمة المعرفة المنطقية وإلى حدودها، وإلى التمييز بين العلم الضروري الذي يتولد من التجربة الإدراكية المباشرة، والعلم النظري الذي إنما يحصل من الجمع بين معطيات العلم الضروري على صورة معينة.


لكن الذي لا مراء فيه هو أن الثقة في قدرة العقل على معرفة الحق والحقيقة هي التي فتح الباب أمام النظار، فتعددت سبلها بعدد الواثقين في قدرة العقل على إدراكها، وباختلاف السالكين سبيله.

وهو أمر كان معروفًا حتى عهد الإمام ابن تيمية الذي خص هذا الموضوع بالتأليف. فوضع في ذلك كتابه (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) الذي يبدو لنا أنه وجه جهده للرد عل الفلاسفة في المنطقيات بعد ما رد عليهم في الإلاهيات حسبما يلمح هو بذلك في مفتتح كتابه الذي رد فيه على المنطقيين.


ومن هنا يمكننا أن نلاحظ أن المشكلة النظرية التي كانت تشغل بال علماء الإسلام حتى القرن السابع، وهي التي تقول: هل يستطيع العقل أن يستقل بإدراك الحق والحقيقة أو لا يستطيع ذلك؟ فيكون في حاجة إلى الهداية الإلاهية، هي مشكلة قد عاناها ابن تيمية فيما عاناه من مشاكل عصره، ووجدها ناشئة من تقابل ثلاث فرق:

- فرقة يدَّعون معرفة الإلاهيات ويعتمدون الأدلة العقلية، هم الفلاسفة وعلماء الكلام. ومنهم من يقدمون الدليل العقلي على الدليل الشرعي، ويرون أنه يمكن أن يعرف بالعقل ما لا يمكن أن يعرف من الحق بالنقل، ويقولونك «إن الأنبياء لم يعرفوا الحق الذي عرفناه أو يقولون عرفوه ولم يبينوه للخلق كما بيناهن بل تكلموا بما يخالفوه من غير بيان منهم»([16]).

- وفرقة يدَّعون السنة واتباع السلف ويجهلون معاني النصوص الشرعية ويقولون: «إن الأنبياء والسلف الذين اتبعوا الأنبياء لم يعرفوا معاني هذه النصوص التي قالوها والتي بلَّغوها عن الله، أو إن الأنبياء عرفوا معانيها ولم يبينوا مرادهم للناس([17])» فيعمدون إلى حمل كلام الأنبياء على ما يوافق العقل.

- وفرقة يدَّعون أيضًا السنة والشريعة، إلا أنهم يتحرجون من تأويل كلام الله وكلام رسوله، ويقولون: «هذه الأمور لا تعرف بعقل ولا نقل، بل نحن منهيون عن معرفة العقليات وعن فهم السمعيات»([18]).

وإذا جاز لنا أن نهذب كلام ابن تيمية دون أن نبدل دلالته التي قصد إليها، أمكننا أن نقول: إن أطراف النزاع في المشكلة ثلاثة أصناف:

- صنف يدَّعي أن بإمكان العقل المعتمد على المنطق أن يعرف وحده الحق دون حاجة إلى هداية من الشرع والوحي.

- وصنف يدَّعي أن بإمكان العقل أن يعرف مقاصد الشرع.

- وصنف يدَّعي أن العقل عاجز عن معرفة الحق وعاجز عن معرفة مقاصد الشرع. ويمنع العقل من طلب العقليات وفهم السمعيات.

وهكذا نجد أن دعوى استقلال العقل بإدراك الحق، ودعوى معارضة الدليل العقلي للدليل السمعي، تتضمن في صميمها دعوة إلى فحص الوسائل والطرق التي يستعملها العقل في عمله، وهو ما فعله ابن تيمية في كتابه «الرد على المنطقيين» الذي كتبه وهو مسجون بمدينة الإسكندرية سنة 709هـ أي بحوالي 19 سنة قبل وفاته في السجن بقلعة دمشق سنة 728هـ رحمه الله.


------------

([1]) الكامل. دار صادر ودار بيروت. بيروت 1966 ج10، ص94.

([2]) السيوطي: حسن المحاضرة... مطبعة السعادة القاهرة. 1324هـ ج2. ص60 - 71.

([3]) ابن تيمية: السياسة الشرعية – الطبعة الثانية 1951 مكتبة الرياض الحديثة. ص43.

([4]) L Gardet et M. Anawati: Introduction â la théologie Musulmane J. Vrin 1948 page. 221..

([5]) Ibid p. 221..

([6]) الشافعي: الرسالة – مصطفى البابي الحلبي القاهرة 1969 ص205.

([7]) ابن حزم: التقريب لحد المنطق، دار مكتبة الحياة بيروت 1959 ص3.

([8]) صديق بن حسن القنوجي: أبجد العلوم: دار الكتب العلمية بيروت 1978 ج3، ص106.

([9]) هدية الرئيس: مطبعة المعارف القاهرة 1325هـ ص67.

([10]) إحصاء العلوم: دار الفكر العربي القاهرة 1948 ص51.

([11]) الإشارات والتنبيهات: دار المعارف بمصر 1960 ج1، ص419.

([12]) الغزالي: معيار العلم. دار المعارف بمصر 1961 ص176.

([13]) أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة دار مكتبة الحياة بيروت بدون تاريخ ج1، ص108.

([14]) المصدر السابق: ج2، ص8.

([15]) المصدر السابق: ج2، ص12.

([16]) ابن تيمية: موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول – دار الكتب العلمية بيروت 1985 ج1، ص38.

([17]) المصدر السابق ص38.

([18]) المصدر السابق ص38.




انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.




انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.