مكانة علماء الحديث وموثوقيتهم في نقل الأخبار

26 October 2026
مدونة نَشر
مكانة علماء الحديث وموثوقيتهم في نقل الأخبار

مكانة علماء الحديث وموثوقيتهم في نقل الأخبار


عمر بن محمد الجناحي


لما كان الناس يتفاوتون في تحصيل العلم في شتى المعارف، وكان لكل مجال أهله الذين يختصون فيه بمعرفة لا يدركها غيرهم؛ فكذلك الشأن في العلم بالأخبار، إذ توجد فئة من الناس تمتلك من الدراية والتمكن في هذا الباب ما لا يتيسر لغيرهم، وهم علماء الحديث، فإنهم يعلمون صدق بعض الأخبار بما لا يعلمه غيرهم، ويتواتر عندهم ما لا يتواتر عند غيرهم، يقول ابن تيمية: "كثير من الأحاديث المعلوم صدقها عند علماء الحديث هي عند غيرهم غير معلومة الصدق"([1])، ويقول: "وعلماء الحديث يتواتر عندهم ما لا يتواتر عند غيرهم"([2])، ويقول: "ولهذا كان التواتر ينقسم إلى: عام؛ وخاص فأهل العلم بالحديث والفقه قد تواتر عندهم من السنة ما لم يتواتر عند العامة"([3]).

وعلماء الحديث لم يختصوا بهذا لذاتهم، وإنما حصل لهم ذلك لأسباب عرفوها، وهذه الأسباب "من شركهم فيها علم ما علموه، ومن لم يشركهم لم يعلم ذلك"([4]).

فهم قد اجتهدوا في تتبع أخبار الرسول وأحواله وأفعاله، وأحوال نقلة أخباره كذلك؛ فصارت لهم خبرة ومعرفة لم تحصل لمن لم يأخذ بالأسباب التي أخذوها([5])، فهم "سمعوا ما لم يسمع غيرهم وعلموا من أحوال النبي g ما لم يعلم غيرهم"([6])، وهم "يجردون الرواية والخبر تجريدا لا يفعله أحد لا من المسلمين ولا من غير المسلمين فيما يأخذه بالنقل عن الأنبياء ولا عن غيرهم"([7])، "فكل من كان بالرسول أعرف كان تمييزه بين الصدق والكذب أتم"([8]).

وأشار ابن تيمية إلى أن هذا الأمر حاصل لغيرهم في مجالات أخرى، كما هو فيمن يتعامل مع الشهود بكثرة، فإنه يصير خبيرا بهم فيميز بين الصادق منهم والكاذب، وكذلك أهل المعاملات في البيع والإجارة يعلم من جربهم وخبرهم الصادق من الكاذب، والأمين من الخائن([9]).

 فيوضح ابن تيمية أن المهتمين بمجال معين؛ يحصل لهم من العلم بأحوال أهل ذلك المجال وأعلامه ما لا يحصل لغيرهم، فإذا كان الأمر كذلك؛ فإن علماء الحديث قد اهتموا بنبيهم ومتبوعهم كما لم يفعله غيرهم، فهو عندهم أعلى قدرا من كل عالم وملِك، وهم أحرص الناس على العلم بأحواله، وقد دققوا في أخباره وصحتها كما لم يدقق غيرهم، فبهذا يتبين أنهم أعلم الناس بأحواله، وأعرف الناس بصدق الأخبار عنه من كذبها، فلو كان غيرهم جازما بما ينقله عن متبوعه، فهم أولى بالجزم منه في ذلك، وأولى أن يكون خبرهم صدقا، يقول ابن تيمية: "فإذا كان آحاد أهل العلم من أهل الفقه أو الطب أو الحساب أو النحو أو القراءات، بل وآحاد الملوك؛ يعلم الخاصة من أمورهم ما لا يعلمه غيرهم ويقطعون بذلك، فكيف بمن هو عند أتباعه أعلى قدرا من كل عالم، وأرفع منزلة من كل ملك، وهم أرغب الخلق في معرفة أحواله، وأعظم تحريا للصدق فيها، ولرد الكذب منها، حتى قد صنفوا الكتب الكثيرة في أخبار جميع من روى شيئا من أخباره، وذكروا فيها أحوال نقلة حديثه، وما يتصل بذلك من جرح وتعديل، ودققوا في ذلك، وبالغوا مبالغة لا يوجد مثلها لأحد من الأمم، ولا لأحد من هذه الأمة إلا لأهل الحديث، فهذا يعطي أنهم أعلم بحال نبيهم من كل أحد بحال متبوعهم، وأنهم أعلم بصدق الناقل وكذبه من كل أحد بصدق من نقل عن متبوعهم وكذبه، فإذا كان أولئك فيما ينقلونه عن متبوعهم متفقين عليه جازمين بتصديقه لا يكون إلا صدقا، فهؤلاء مع جزمهم بالصدق، واتفاقهم على التصديق أولى أن لا يكون ما جزموا بصدقه إلا صدقا"([10]).


ولهذا فإن الخبر إذا كان قد تُلقِّي بالقبول من أهل الحديث وأجمعوا عليه وخالفهم غيرهم ممن ليس لهم علم بالحديث وطرقه؛ فالقول قول أهل الحديث؛ "لأن الاعتبار في الإجماع على كل أمر من أمور الدين بأهل العلم به دون غيرهم، فكما لا يعتبر في الإجماع على الأحكام الشرعية إلا العلماء بها وبطرقها، وهم الفقهاء في الأحكام دون النحاة والأطباء، فكذلك لا يعتد في الإجماع على صدق الحديث وعدم صدقه إلا بأهل العلم بطرق ذلك"([11])، فعلماء الحديث هم المرجع في التمييز بين الصدق والكذب في باب أخبار الرسول "فهم أئمة هذا الشأن"([12])، بل هم "أعلم أهل الأرض علما بما يصدق ويكذب بأحوال المخبرين"([13]).

فنرجع إليهم "كما نرجع إلى النحاة في الفرق بين نحو العرب ونحو غير العرب، ونرجع إلى علماء اللغة فيما هو من اللغة وما ليس من اللغة، وكذلك علماء الشعر والطب وغير ذلك، فلكل علم رجال يعرفون به، والعلماء بالحديث أجلّ هؤلاء قدرا، وأعظمهم صدقا، وأعلاهم منزلة، وأكثر دينا"([14]).

ومما يزيد من موثوقية علماء الحديث ويبين نزاهتهم وتجردهم في باب أخبار معجزات الرسول، أنهم نفوا بعض المعجزات التي نسبت له؛ لأن الأخبار التي وردت فيها مكذوبة ولا تثبت، فلو كانوا غير متجردين لأثبتوا ما يدل على صدق الرسول ولم ينفوه، فهذا مما يؤكد قمة تجردهم، يقول ابن تيمية: "وكذلك ما نقله طائفة من أهل العلم من أن الشمس ردت لما فاتت عليا صلاة العصر لكون النبي g نام في حجره، وجعل بعضهم هذا من المعجزات، وليس هذا الحديث في شيء من كتب المسلمين التي يعتمدون على ما فيها من المنقولات، لا الصحاح، ولا المساند، ولا المغازي والسير، ولا غير ذلك، بل بين أهل العلم بالحديث أن هذا كذب، وليس له إسناد واحد صحيح متصل، بل غايته أن يروى عمن لا يعرف صدقه، ولم يروه إلا هو، مع توفر الهمم والدواعي على نقله، فعلموا أنه كذب، وهذا باب واسع يبين أن علماء المسلمين يميزون المنقولات بين الصدق والكذب، فيردون الكذب وإن كان فيه من فضائل نبيهم وأعلامه وفضائل أصحابه وأمته ما هو عظيم، ويقبلون الصدق وإن كان فيه شبهة إشكال، وقد يحتج به المنازعون لهم. وكان عبد الرحمن بن مهدي([15]) يقول: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم"([16]).

ومن علم حال أئمة أهل الحديث؛ علم يقينا أنهم لا يكذبون متعمدين، وأن منهم من لم يغلط قط، ومن غلط منهم فإن غلطه يكون في ألفاظ يسيرة يعرفها أهل الحديث، يقول ابن تيمية: "وكذلك أكثر أئمة أهل الحديث - مثل مالك وشعبة([17]) والثوري([18]) وأحمد بن حنبل - من علم حالهم يعلم علما ضروريا أنهم لم يعتقدوا الكذب قط في حديث النبي g، ويعلمون أن هؤلاء لم يغلطوا إن غلطوا إلا في لفظة أو لفظتين، ومنهم من يعلمون أنه لم يغلط في الحديث النبوي، فإن أحمد بن حنبل ما عرف أنه غلط فيه قط، ولا الثوري ولا الزهري، وكذلك خلق كثير غيرهم. والذين يعلمون أنهم قد يغلطون - مثل حماد بن سلمة([19]) وجعفر بن محمد([20]) - يعلمون أن غلطهم إنما هو شيء يسير وفي مواضع يعرفونها، وبالجملة يجب أن يعلم أن حفظ الله تعالى لسنة نبيه من جنس حفظه لكتابه الذي لا يروج فيه الغلط على صبيان المسلمين، وكذلك الحديث لا يروج فيه الباطل على علماء الحديث"([21]).

ومن خلال معرفة ما سبق من مكانة علماء الحديث وموثوقيتهم؛ فإنه يحصل للإنسان طمأنينة بما ينقلونه من أخبار آيات الرسول g؛ ويزيدهم ثقة بصدقها.

انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.


انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.


-----------

([1]) جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية، ابن تيمية (ص: 49).

([2]) مجموع الفتاوى، ابن تيمية (18/ 69).

([3]) المصدر السابق (18/ 51).

([4]) منهاج السنة النبوية، ابن تيمية (7/ 422).

([5]) انظر: المصدر السابق (7/ 422).

([6]) مجموع الفتاوى، ابن تيمية (18/ 69-70).

([7]) جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية، ابن تيمية (ص: 39).

([8]) منهاج السنة النبوية، ابن تيمية (7/ 429).

([9]) المصدر السابق (7/ 422).

([10]) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ابن تيمية (6/ 349-350)، وانظر: المصدر نفسه (6/ 344).

([11]) جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية، ابن تيمية (ص: 46-47)، وانظر: مجموع الفتاوى (18/ 17)، ومقدمة في أصول التفسير (ص: 29).

([12]) منهاج السنة النبوية، ابن تيمية (7/ 429).

([13]) جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية، ابن تيمية (ص: 39).

([14]) منهاج السنة النبوية (7/ 34-35)، وانظر: المصدر السابق (7/ 422).

([15]) هو أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري البصري اللؤلؤي: من كبار حفاظ الحديث، وله فيه تصانيف، حدّث ببغداد، وولده في البصرة وفيها توفي سنة 198ه. قال الشافعيّ: "لا أعرف له نظيرا في الدنيا". انظر: العبر، الذهبي (1/ 255)، وشذرات الذهب، ابن العماد (2/ 467)، والأعلام، الزركلي (3/ 339).

([16]) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ابن تيمية (6/ 342-343).

([17]) هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد العتكيّ الأزدي، مولاهم، من أئمة رجال الحديث، حفظا ودراية وتثبتا. ولد ونشأ بواسط، وسكن البصرة إلى أن توفي سنة160ه. قال الإمام أحمد: هو أمة وحده في هذا الشأن. وقال الشافعيّ: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق. انظر: شذرات الذهب، ابن العماد (2/ 269)، والأعلام، لزركلي (3/ 164).

([18]) هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري، أمير المؤمنين في الحديث. كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى. ولد ونشأ في الكوفة، وراوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم، فأبى. وخرج من الكوفة فسكن مكة والمدينة. ثم طلبه المهدي، فتوارى. وانتقل إلى البصرة فمات فيها مستخفيا سنة 161ه. قال ابن المبارك: "كتبت عن ألف ومائة شيخ، هو أفضلهم". انظر: البداية والنهاية، ابن كثير (13/ 489)، والعبر، الذهبي (1/ 181)، والأعلام، الزركلي (3/ 104).

([19]) هو أبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار البصري الرّبعي بالولاء: مفتي البصرة، وأحد رجال الحديث، وهو حافظ ثقة مأمون، إلّا أنه لما كبر ساء حفظه فتركه البخاريّ، وأما مسلم فاجتهد وأخذ من حديثه بعض ما سمع منه قبل تغيرّه، وله تصانيف في الحديث، توفي سنة 167ه، قال عنه عبد الرحمن بن مهدي: "لو قيل لحمّاد بن سلمة: إنك تموت غدا ما قدر أن يزيد في العمل شيئا". شذرات الذهب، ابن العماد (2/ 296)، وانظر: العبر، الذهبي (1/ 190-191)، والأعلام، الزركلي (2/272).

([20]) هو أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الهاشمي القرشي: سادس الأئمة الاثني عشر عند الإمامية. ولد سنة 80ه بالمدينة، وكان من أجلاء التابعين. وله منزلة رفيعة في العلم. أخذ عنه جماعة، منهم الإمامان أبو حنيفة ومالك. له أخبار مع الخلفاء من بني العباس وكان جريئا عليهم صدّاعا بالحق. توفي سنة 148ه، ودفن بالبقيع. انظر: شذرات الذهب، ابن العماد (2/ 216)، الأعلام، الزركلي (2/ 126).

([21]) جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية، ابن تيمية (ص: 42).