موقف الرازي من توحيد العبادة

14 January 2025
مدونة نَشر
موقف الرازي من توحيد العبادة

موقف الرازي من توحيد العبادة


د.عبدالله بن أحمد الأنصاري




بيّن الله تعالى في كتابه توحيد العبادة، ورتَّبه على ما يعلم ضرورة من ربوبيته تعالى واستحقاقه للكمال المطلق، فقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾[البقرة:21]، وقال:﴿رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا﴾[مريم:65]، وألزم المشركين إفراده تعالى بالعبادة لمّا اعترفوا بأنه الرب، فقال: ﴿قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾[يونس:31]، وعاب عليهم إشراكهم في العبادة مع معرفتهم بأنه هو الذي ينعم عليهم، ويكشف عنهم الضراء، فقال: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡ‍َٔرُونَ ٥٣ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ﴾[النحل:54]، كما عاب عليهم عبادة من لا يتصف بشيء من صفات الكمال، كما في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ ١٣ إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ﴾[فاطر:13-14]، وقوله: ﴿قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ ٧٢ أَوۡ يَنفَعُونَكُمۡ أَوۡ يَضُرُّونَ﴾[الشعراء:72-73]، وقوله: ﴿إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡ‍ٔٗا﴾[مريم:42] وقوله: ﴿وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ﴾[الأعراف:148]،

إلى غير ذلك من البراهين الدالة على التلازم الضروري بين ربوبية الله تعالى واتصافه بصفات الكمال، وبين استحقاقه للعبادة وحده، وهذا المعنى لا إشكال فيه حتى عند الرازي، فهو يرى أن الله هو المستحق للعبادة وحده، وأنه "لا يجوز أن يكون غيره معبوداً أصلاً"([1])، ولكن مجرد الاعتراف بأن الله هو المستحق للعبادة وحده لا يكفي، بل لا بد مع ذلك من تحقيق مقتضى ذلك عملاً، فإنَّ صَرْفَ أيَّ نوع من أنواع العبادة لغير الله، أو طلب غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله؛ يكون شركاً بمجرد العمل، ولولم يعتقد أن غير الله مستحق للعبادة أو أن له شيئاً من خصائص الربوبية،

ولذلك لم يكن إقرار المشركين بالربوبية لله عزوجل منجياً لهم من النار، فإنَّ الله تعالى حكى عنهم الإقرار بمعاني الربوبية من الخلق والملك والرزق والتدبير-كما في الآيات السابقة وغيرها- ولم يخرجهم بذلك عن الشرك؛ لأنهم فعلوا ما يناقض ذلك الإقرار، ونصوص القرآن صريحة في أنَّ شركهم لم يكن من جهة اعتقاد الربوبية في غير الله، وإنما كان من جهة الإرادة إما في الغايات أو في الوسائل والأسباب، وهذا هو معنى جمعهم بين الإيمان بالله والشرك به في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ﴾[يوسف:106] كما قال ابن عباس y: "من إيمانهم، إذا قيل لهم: مَن خلق السماء؟ ومَن خلق الأرض؟ ومَن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون"([2]


وقال قتادة: "لا تسأل أحدًا من المشركين: مَنْ رَبُّك؟ إلا قال: ربِّيَ الله! وهو يشرك في ذلك"([3])، وقال بهذا التفسير طائفة من السلف([4])، وهذا يدل دلالة واضحة على أن المشركين عندهم إقرار بالربوبية، وأنهم مع ذلك أشركوا معه غيره في العبادة، ولذلك برَّروا فعلهم بأن عبادتهم لهذه الآلهة ليس لأن لها الربوبية، وإنما هي لمجرد طلب الشفاعة منها عند الله تعالى، فقالوا: ﴿مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ﴾[الزُّمَر:3]، "قال قتادة: كانوا إذا قيل لهم من ربكم وخالقكم؟ ومن خلق السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماء؟ قالوا الله، فيقال لهم: ما معنى عبادتكم الأصنام؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زُلْفَى، ويشفعوا لنا عنده"(

[5])، ولم يكن إقرارهم بذلك كافياً، لأن مجرد الاعتقاد لا يكون منجياً من الخلود في النار دون تحقيق مقتضى ذلك الإقرار.


وبهذا يعلم أن الإنسان لو أقرَّ بأن الله هو المستحق الله للعبادة وحده، فإنه لا يكفيه ذلك لو أتى بما يناقض ذلك الإقرار، بل لا بد مع هذا الاعتقاد من عمل بمقتضاه([6])، وهذا هو معنى توحيد العبادة كما دلت عليه النصوص الشرعية، وهو مستند أهل السنة والجماعة في جعل التوحيد شاملاً للأقسام الثلاثة([7]).


أما الرازي وغيره من المتكلمين، فإنهم مع اعترافهم بأن من التوحيد اعتقاد استحقاق الله للعبادة وحده، إلا أنهم يكتفون بذلك، فلا يكون مَن صَرَفَ شيئاً من العبادة لغير الله واقعاً في الشرك الموجب للخلود في النار، بل الشرك يكون – عندهم- بــاعتقاد استحقاق غير الله للعبادة، أما إذا اعتقد الإنسان أن الله هو المستحق للعبادة وحده، فإنه لا يكون -عندهم-مشركاً ولو صرف العبادة لغير الله تعالى، وبهذا "يرجع معنى الشرك إلى الاعتقاد فقط"([8])، ولذلك يجعل الرازي معنى (الشرك) راجعاً إلى اعتقاد المعبودية لغير الله، وليس راجعاً إلى الطاعات والعبادات، كما في تفسير قوله: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ﴾[الأنعام:82]، قال: "المراد من الظلم: الشرك، لقوله تعالى حكاية عن لقمان إذ قال لابنه: ﴿يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾[لقمان:13] فالمراد هاهنا: الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا لله شريكاً في المعبودية، والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة من أولها إلى آخرها إنما وردت في نفي الشركاء والأضداد والأنداد، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات، فوجب حمل الظلم هاهنا على ذلك"([9]).


ولا يُشْكِل على هذا ما نجده من إطلاق الشرك عند الرازي على صرف العبادة لغير الله، فإن حقيقة ذلك الإطلاق أشبه بالمجاز لا الحقيقة؛ لأن ذلك النوع من الشرك لا يعدو أن يكون معصيةً، ووجه إطلاق الشرك عليه عند الرازي: أن من عصى الله لا أجل شهوة –مثلاً- فإنه يكون قد أشرك في الطاعة؛ لأنه أطاع نفسه وترك طاعة الله، فيسمي فعله شركاً من هذا الوجه، ومعلوم أن هذا وإن سُمِّي شركاً فإنه ليس هو الشرك الموجب للخلود في النار، بل هو من الفسق والعصيان، فالشرك -كما يرى الرازي- وإن كان مختصاً بمن يعتقد أن لله شريكاً، إلا أن الله تعالى جعل "الشرك اسماً لكل ما كان مخالفاً لله تعالى ... بدليل أنه تعالى سَمَّى طاعة المؤمنين للمشركين في إباحة الميتة؛ شركاً"([10])، -يعني في قوله تعالى: ﴿وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾[الأنعام:121]- وعلى هذا فـ "الشرك قد يكون في العمل دون القول والاعتقاد، فيسمى فسقاً وعصياناً؛ وذلك لأن المعصية فعل لا يكون لله بل يكون للنفس، فالفاسق مشرك بالله بفعله، غاية ما في الباب أن الشرك بالفعل لا يوجب الخلود؛ لأن أصل المرء قلبه ولسانه، فإذا لم يوجد منهما إلا التوحيد يزول الشرك البدني بسببهما"([11]).


ولهذا لم يكن الرازي يتصوَّر أن الشرع يحكم على ما وقع فيه المشركون بأنه شرك موجب لنفي الإيمان عنهم وخلودهم في النار لمجرد أنه شرك في العبادة دون اعتقاد أن لهذه الآلهة ما هو من خصائص الربوبية، ويعلم -مع ذلك- أنه ليس من المعقول أن يعتقد المشركون أن هذه الأصنام خالقة أو مدبرة؛ لأن ذلك معلوم البطلان بضرورة العقل، فلا بد لهم –في تصور الرازي- من تأويل في تلك العبادة يكون راجعاً إلى الاعتقاد، فاشتغل بالبحث عن مبرراتهم، لينتهي إلى أن شركهم لا بد وأن يكون راجعاً إلى اعتقاد أن لآلهتهم ما هو من خصائص الإله في ذاته أو صفاته أو أفعاله، وفي ذلك يقول: "اعلم: أنه ليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكاً يساويه في الوجوب والقدرة والعلم والحكمة، لكن الثنوية يثبتون إلهين، أحدهما حكيم يفعل الخير، والثاني سفيه يفعل الشر، وأما الاشتغال بعبادة غير الله: ففي الذاهبين إليه كثرة، فمنهم عبدة الكواكب... وممن يعبد غير الله النصارى الذين يعبدون المسيح ومنهم أيضا عبدة الأصنام.


واعلم: أن هنا بحثاً لا بد منه وهو أنه لا دين أقدم من دين عبدة الأصنام ... وقد بقي ذلك الدين إلى هذا الزمان فإن أكثر سكان أطراف الأرض مستمرون على هذا الدين والمذهب الذي هذا شأنه يمتنع أن يكون معلوم البطلان في بديهة العقل؛ لأن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السماء والأرض علمٌ ضروري، والعلم الضروري يمتنع إطباق الخلق الكثير على إنكاره، فظهر أنه ليس دين عبدة الأصنام كون الصنم خالقاً للسماء والأرض، بل لا بد وأن يكون لهم فيه تأويل ...

فالتأويل الأول: وهو الأقوى أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم الأسفل مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب، فإن بحسب قرب الشمس وبعدها من سمت الرأس تحدث الفصول الأربعة، وبسبب حدوث الفصول الأربعة تحدث الأحوال المختلفة في هذا العالم، ثم إن الناس ترصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا ارتباط السعادات والنحوسات بكيفية وقوعها في طوالع الناس على أحوال مختلفة، فلما اعتقدوا ذلك غلب على ظنون أكثر الخلق أن مبدأ حدوث الحوادث في هذا العالم هو الاتصالات الفلكية والمناسبات الكوكبية، فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها ثم منهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها، ومنهم من اعتقد حدوثها وكونها مخلوقة للإله الأكبر، إلا أنهم قالوا إنها وإن كانت مخلوقة للإله الأكبر، إلا أنها هي المدبرة لأحوال هذا العالم وهؤلاء هم الذين أثبتوا الوسائط([12]) بين الإله الأكبر، وبين أحوال هذا العالم، وعلى كلا التقديرين فالقوم اشتغلوا بعبادتها وتعظيمها ... وهذا يدل على أن دين عبدة الأصنام حاصله يرجع إلى القول بإلهية([13]) هذه الكواكب وإلا لصارت هذه الآية متنافية متنافرة"، يعني قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾[الأنعام:74]، ومعنى كونها متنافرة على هذا التقدير أنه تعالى حكى عن أبي إبراهيم u أنه جعل الأصنام آلهة، وأن ذلك هو سبب عبادتها، ومعنى جعلها آلهة عند الرازي اعتقاد كونها خالقة أو مدبرة أو ما هو من خصائص الربوبية فيكون الحكم عليهم بنفي معاني الربوبية عن هذه الأصنام منافياً لما قررته الآية، من إثبات شركهم في الربوبية الذي هو معنى الإلهية عند الرازي.


فلابد أن يرجع الدافع للعبادة عند الرازي إلى اعتقاد أنها مدبرة، وهذا ما يقنعه أن تلك العبادة تكون شركاً، ولذلك جعل الحلَّ الوحيد لإبطال هذا النوع من الشرك هو إبطال هذا الاعتقاد، فقال: "وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا طريق إلى إبطال القول بعبادة الأصنام إلا بإبطال كون الشمس والقمر وسائر الكواكب آلهة لهذا العالم مدبرة له"([14])، فحقيقة شركهم عند الرازي هو ظنهم أن هذه الكواكب آلهة مدبرة، ولا يكون مجرد عبادتها شركاً([15]).


ولو كانوا -عند الرازي- مقرين بأنها ليست آلهة مدبرة لكان إبطال كونها آلهة مدبرة إبطال لما لم يقولوا به!.


ولهذا يتناقض في الآيات التي تدل على أن المشركين عندهم إقرار بمعاني الربوبية، فيعترف بدلالة الآية على ذلك، ثم يعود فيجعلها دالة على إثبات الصانع، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٣٨﴾[الزُّمَر:38] قال: "اعلم: أنه تعالى لما أطنب في وعيد المشركين وفي وعد الموحدين، عاد إلى إقامة الدليل على تزييف طريقة عبدة الأصنام، وبنى هذا التزييف على أصلين:

الأصل الأول: هو أن هؤلاء المشركين مقرون بوجود الإله القادر العالم الحكيم الرحيم وهو المراد بقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾، واعلم: أن من الناس من قال إن العلم بوجود الإله القادر الحكيم الرحيم متفق عليه بين جمهور الخلائق لا نزاع بينهم فيه، وفطرة العقل شاهدة بصحة هذا العلم فإن من تأمل في عجائب أحوال السموات والأرض وفي عجائب أحوال النبات والحيوان خاصة وفي عجائب بدن الإنسان وما فيه من أنواع الحكم الغريبة والمصالح العجيبة، علم أنه لا بد من الاعتراف بالإله القادر الحكيم الرحيم.

والأصل الثاني: أن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر، وهو المراد من قوله: ﴿قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦ﴾ فثبت أنه لا بد من الإقرار بوجود الإله القادر الحكيم الرحيم، وثبت أن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر، وإذا كان الأمر كذلك كانت عبادة الله كافية، وكان الاعتماد عليه كافياً، وهو المراد من قوله: ﴿قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ﴾، فإذا ثبت هذا الأصل لم يلتفت العاقل إلى تخويف المشركين، فكأن المقصود من هذه الآية هو التنبيه على الجواب عما ذكره الله تعالى قبل هذه الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ﴾[الزُّمَر:36]"([16])، ويلاحظ هنا: أن الرازي بعد أن قرر أن المشركين مقرون بوجود الإله بنصِّ هذه الآية، وأكَّد ذلك بأن هذا لا نزاع فيه بين الخلائق، وأن فطرة العقل شاهدة بذلك، رجع فاختزل دلالة الآية على أنه لا بد من الإقرار بوجود الإله القادر الحكيم! وجعل مسألة العبادة -التي هي مقصود هذه الآية- هي من كمال تحقيق معنى وجود الإله فقال: (وإذا كان الأمر كذلك كانت عبادة الله كافية، وكان الاعتماد عليه كافياً)!.



بل تجاوز مجرد الاقرار بورود إطلاق الشرك على العمل دون الاعتقاد إلى حكاية إجماع الأنبياء عليه، لما وجد أن القرائن كلها دالة على أن القوم الذين حكى القرآن أنهم قالوا لموسى: ﴿ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞ﴾[الأعراف:138]، لم يكن قصدهم بذلك إلا أن يجعل لهم موسى ما يعبدونه للتقرب إلى الله تعالى، فقال: "واعلم: أن من المستحيل أن يقول: العاقل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم


آلهة وخالقاً ومدبراً؛ لأن الذي يحصل بجعل موسى وتقديره لا يمكن أن يكون خالقاً للعالم ومدبراً له، ومن شك في ذلك لم يكن كامل العقل، والأقرب: أنهم طلبوا من موسى u أن يعيَّن لهم أصناماً وتماثيل يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى، وهذا القول هو الذي حكاه الله تعالى عن عبدة الأوثان حيث قالوا: ﴿مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ﴾[الزُّمَر:3](

[18]

إذا عرفت هذا فلقائل أن يقول: لم كان هذا القول كفراً؟ فنقول: أجمع كل الأنبياء -عليهم السلام- على أن عبادة غير الله تعالى كفرٌ سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلهاً للعالم، أو اعتقدوا فيه أن عبادته تقربهم إلى الله تعالى؛ لأن العبادة نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام والإكرام ... ثم أنه تعالى حكى عن موسى u أنه أجابهم فــ﴿قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ﴾[الأعراف:138]، وتقرير هذا الجهل: ما ذكر أن العبادة غاية التعظيم، فلا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام وهي بخلق الجسم والحياة والشهوة والقدرة والعقل وخلق الأشياء المنتفع بها، والقادر على هذه الأشياء ليس إلا الله تعالى فوجب أن لا تليق العبادة إلا به"([19])، فاعترف بأن مجرد العمل شرك بنصِّ القرآن.


ولكنه في نفس السياق استشكل كون تلك العبادة قبيحة على هذا الوجه الذي لا يخرج عن مجرد التقرب بها إلى الله تعالى؟! فأجاب بأن هذا الفعل الذي قصدوه لا يعني جعل هذه الأصنام آلهة، فجعل غلطهم من جهة أنهم سموها آلهة، وهي ليست كذلك!! فقال: "فإن قالوا: إذا كان مرادهم بعبادة تلك الأصنام التقرب بها إلى تعظيم الله تعالى فما الوجه في قبح هذه العبادة؟ قلنا: فعلى هذا التقدير: لم يتخذوها آلهة أصلاً، وإنما جعلوها كالقبلة، وذلك ينافي قولهم: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة"([20])، فجعل مشكلتهم ليست في هذا النوع من العبادة، وإنما في تسمية المعبودات -لمجرد تلك العبادة- آلهةً، وليس هذا هو معنى كونها آلهة بل معنى كونها آلهة –كما يتصور- اعتقاد الربوبية فيها!.


ويفترض أن لا يكون هذا الإشكال وارداً بعد أن قرَّر أنه ليس من المعقول أن يقصد قوم موسى أن تكون الأصنام خالقة ومدبرة، وبعد أن رجَّح أن قصدهم هو مجرد عبادتها للتقرب بها إلى الله، وبعد أن حكى إجماع الأنبياء على أن ذلك التقرب يعتبر كفراً ولو بدون اعتقاد الربوبية فيها، لكنَّ هذا –مع وضوحه في الآيات- يناقض أصوله، فكان هذا الإشكال وارداً على أصوله في حقيقة التوحيد، والشرك، ومعنى الإله، والتي قرَّر في هذا السياق ما يخالفها، فعاد بالكلام -في آخر السياق- إلى أصوله ليقرِّر ما يخالف ما حكى إجماع الأنبياء عليه حتى يسلم له الأصل، كما فعل في جوابه عن ورود إطلاق الشرك في القرآن على العمل دون الاعتقاد، فقرَّر أن الشرك ما لم يقع قولاً واعتقاداً فإن مجرد العمل الشركي لا يكون موجباً للخلود في النار ولو سمي شركاً!


ونظير هذا ما فسَّر به وصف الله للمشركين بالكذب والكفر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ ﴾[الزُّمَر:3]، حين قالوا عن آلهتهم: ﴿مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ﴾[الزُّمَر:3]، فجعل الرازي كفرهم راجعاً إلى اعتقاد الإلهية -الربوبية- في أصنامهم على الراجح، ويحتمل أن يكون من باب كفران النعمة، وجعل كذبهم من جهة وصفهم الأصنام بأنها آلهة مستحقة للعبادة وهي ليست كذلك، فقال: "والمراد بهذا

الكذب وصفهم لهذه الأصنام بأنها آلهة مستحقة للعبادة مع علمهم بأنها جمادات خسيسة وهم نحتوها وتصرفوا فيها، والعلم الضروري حاصل بأن وصف هذه الأشياء بالإلهية كذب محض، وأما الكفر فيحتمل أن يكون المراد منه الكفر الراجع إلى الاعتقاد، والأمر هاهنا كذلك فإن وصفهم لها بالإلهية كذب، واعتقادهم فيها بالإلهية جهل وكفر، ويحتمل أن يكون المراد كفران النعمة، والسبب فيه أن العبادة نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام، وذلك المنعم هو الله سبحانه وتعالى وهذه الأوثان لا مدخل لها في ذلك الإنعام، فالاشتغال بعبادة هذه الأوثان يوجب كفران نعمة المنعم الحق"([21])، فسبب كفر القوم -عنده- هو اعتقاد استحقاق أصنامهم للعبادة، وليس راجعاً إلى مجرَّد عبادتها، وأما ادعائهم أنهم ما عبدوها اعتقاداً لاستحقاقها للعبادة فهو كذبٌ منهم، وهو سبب وصفهم بالكذب في الآية!

وهذا التفسير مردود؛ لأن الرازي نفسه قرَّر ما يناقض هذا فهو جعل اعتقاد استحقاقها للعبادة مستبعداً من جهة العقل؛ لأنها جمادات خسيسة، ومعلوم أن اعتقاد استحقاقها للعبادة غير معقول، فكيف يجعله هو السبب في كفرهم؟!


ثم إنه قرر فيما سبق قريباً([22]) أن معنى هذه الآية أن مجرد الشرك في العبادة يكون شركاً، وأن هذا هو الذي عليه إجماع الأنبياء عليهم السلام!


واعترف أنَّ من الناس من كان شركهم من جهة أنهم لما اعتقد في شخصٍ "أنه مجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند الله تعالى؛ اتـخذوا صنماً على صورته يعبدونه على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعاً لهم يوم القيامة عند الله تعالى على ما أخبر الله تعالى عنهم بهذه المقالة في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ﴾[يونس:18]"(

[23])، وصرَّح بأن هذا النوع من الشرك "ليس في العقل ما يوجبه أو يحيله، لكن الشرع لما منع منه وجب الامتناع عنه"([24])، فاعترف أن الشرع منعه، وأنه يجب الامتناع عنه، لكنه لا يوجد ما يمنعه من جهة العقل، وهذا ما يفسر لنا عدم تصوره أن يكون هذا الشرك مناقضاً للتوحيد المنجي من النار!


وخلاصة تأويل الرازي لآيات الشرك في القرآن يرجع إلى ما سبق([25])، ويمكن إجماله فيما يلي:

1- أن المراد بالشرك والكفر: اعتقاد الربوبية في تلك الآلهة، وليس مجرد عبادتها.

2- أن المراد به: كفر النعمة أو الشرك الخفي الذي لا يوجب الخلود في النار.

3- أنه شرك بحسب إطلاق القرآن والأنبياء، وإن كان العقل لا يجعله من الشرك، ويتناقض في هذا التأويل، فتارة يكتفي بذلك، وتارة يصرح بأن تركه واجب؛ لأن القرآن أمر بذلك ولا يوجد في العقل ما يحيله، وتارة يُرْجِعه إلى ما سبق فيجعل المقصود بالشرك في الآيات إما من كفر النعمة، أو من الشرك الخفي.


وسبب اضطرابه في هذا التأويل(الثالث): أنه وجد هذا المعنى واضحاً في القرآن مع معارضته لأصوله في مفهوم التوحيد والشرك؛ فأحدث عنده اضطراباً، بخلاف التأويلات الأخرى التي استطاع بها تـخريج معنى الشرك على أصوله.


_____

([1]) التفسير الكبير(25/120).

([2]) تفسير الطبري (16/ 286).

([3]) تفسير الطبري (16/ 288).

([4]) انظر: تفسير الطبري (16/ 286-289).

([5]) تفسير القرطبي (15/233).

([6]) انظر: ضوابط التكفير عند أهل السنة، لعبدالله القرني (129-170).

([7]) انظر: شرح العقيدة الأصفهانية (107-167)، حقيقة التوحيد، للسلمي(320-346)، الأدلة العقلية النقلية، للعريفي (308-449)، والمعرفة في الإسلام، للقرني (531-557).

([8]) التفسير الكبير(13/132).

([9]) التفسير الكبير (13/ 49).

([10]) التفسير الكبير(13/132).

([11]) التفسير الكبير (25/ 105).

([12]) المقصود بإثبات الوسائط هنا: أنها وسائط بين الله والخلق في الإيجاد لا في العبادة، بجعل العالم العلوي هو المؤثر في العالم السفلي.

([13]) والإلهية عنده (ليست إلا الخالقية) المطالب العالية (9/285)، وهذا المعنى واضح من السياق.

([14]) التفسير الكبير (13/30- 31).

([15]) انظر: موقف الرازي من الأسماء والأحكام، لإيلاف إمام (2/942-965).

([16]) التفسير الكبير (26/454-455).

([17]) التفسير الكبير (13/20).

([19]) التفسير الكبير (14/350).

([20]) التفسير الكبير (14/350).

([21]) التفسير الكبير (26/ 422).

([23]) التفسير الكبير (2/345).

([24]) التفسير الكبير (2/346).

([25]) انظر: موقف الرازي من الأسماء والأحكام، لإيلاف إمام (2/942-965). 





انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.




انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.