جابر بن حيّان هل هو حقيقة أم خيال؟!

3 يوليو 2024
مدونة نَشر
جابر بن حيّان هل هو حقيقة أم خيال؟!

جابر بن حيّان

هل هو حقيقة أم خيال؟!


د. عبدالرحمن بن حسن قائد



جابر بن حيان شخصية غامضة عزيزة الأخبار شحيحة التراجم، ولئن سُلِّم بوجوده تاريخيًّا وذلك موضع شكٍّ كبير فإن ما ينسب إليه من آلاف الأوراق في صناعة الكيمياء وما يتصل بها مما لا سبيل إلى إثباته بأدوات البحث العلمي المستقل.


يقول ابن نباتة: «وأما جابر بن حيان المذكور فلا أعرف له ترجمة صحيحة في كتاب يُعتَمد على نقله، وهذا دليلٌ على قول أكثر الناس: إنه اسمٌ موضوع وضعه المصنفون في هذا الفن، ويزعمون أنه كان في زمن جعفر الصادق ؓ، وأنه إذا قال: قال لي سيدي، وسمعت من سيدي، فإنه يعني به جعفرًا الصادق ؓ، ومع ذلك فإن الله تعالى أعلم بحقيقتها»([1]).


ويقول ابن تيمية: «وأما ‌جابر ‌بن ‌حيان صاحب المصنفات المشهورة عند الكيماوية فمجهولٌ لا يُعْرَف، وليس له ذكرٌ بين أهل العلم ولا بين أهل الدين»([2])، «‌وجابر ‌بن ‌حيان الذي تعزى إليه مصنفاتها مجهولٌ كثير التخليط والتناقض»([3]).


وليست كتب أهل السنة ومصادرهم العلمية والتاريخية المتقدمة وحدها التي تخلو منه، فإن «كتب الشيعة القديمة لم تورد اسم جابر بن حيان في سلسلة سند أي حديث ينسب إلى جعفر الصادق»([4])، و على فرحهم به ودفاعهم عنه فإنهم لم يجدوا له ذكرًا في مدوناتهم، كما يقول الخوانساري: «ولم أظفر إلى الآن على ترجمة له بالخصوص في شيء من فهارس الفريقين»([5]).

ومن دلائل اختلاق هذه الشخصية وزيفها واتخاذها ستارًا لنشر الكذب والباطل نسبتُها صنعة الكيمياء وفلسفتها الغنوصية إلى جعفر الصادق ؓ، ودعواها أن جابرًا إنما تلقاها عنه، على طريقة الشيعة في نسبة الأكاذيب إليه، وما أكثر ما كذبوا عليه وعلى أهل بيته([6]).


قال الصفدي: «وأنا أنزِّه الإمام جعفرًا الصادق ؓ عن ‌الكلام في الكيمياء، وإنما هذا الشيطان أراد الإغواء بكونه عزا ذلك إلى أن يقوله مثل جعفر الصادق لتتلقاه النفوس بالقبول، ... ووجدت بعض الفضلاء قد كتب على بعض تصانيفه إما الفردوسي أو غيره:

هذا الذي بمقاله ** غرَّ الأوائل والأواخرْ

ما أنت إلا كاسرٌ ** كذب الذي سمَّاك جابرْ»([7]).


ومن أسفٍ أن يكون المستشرق الألماني روسكا أحرى بالصواب، وأدنى إلى تحقيق التاريخ، وفهم طبيعة المجتمع الإسلامي في الصدر الأول، وما كان عليه علماء بيت النبوة بالمدينة في ذلك العهد، من الأستاذ سزكين الذي دافع عن خرافة اشتغال جعفر الصادق بهذه الصنعة.


يقول روسكا: «إذا كان من الممكن أن نتخيل أن خالد بن يزيد قد اتصل بالعلماء اليونانيين في الإسكندرية أو حتى في دمشق الذين كانوا على معرفة ما بالمصادر الصَّنعوية، بل ربما أجروا في السِّرِّ تجارب كيميائية، فإن كل الشروط الأساسية كانت غير متوافرة في المدينة وفي الوسط الذي عاش فيه جعفر. ولم يكن ممكنًا أن يصل إلى هؤلاء الناس الأتقياء أيُّ علم بالكيمياء العملية أو النظرية، لا عن طريق طبيعي بالاتصال الشخصي، ولا عن طريق ما فوق الطبيعة بالوحي الخفيِّ. فمن المستحيل على المرء أن يتصوَّر إنسانًا کجعفر عمل يومًا ما وبشکل ما بالفرن الكيميائي والبوتقة والقرعة والأنبيق والآثال والكبريت والزئبق، أو أن يتصور أنه علَّم تحويل المعادن لتلميذ من التلاميذ كجابر. وبهذا القرار المبدئي تتهاوى كلُّ مساعي كتابة تاريخ الكيمياء السابقة في تأكيد الصلة بين جابر بن حيان وجعفر الصادق. وهكذا ينبغي أن ننظر إلى كل كتب جابر التي تتخذ من جعفر الصادق معلمًا وأستاذًا، أن ننظر إليها زیوفًا من زيوف زمن متأخر».


نقله الأستاذ سزكين، ولم يجب بأكثر من أن هذه نظرة غير موضوعية، وأنه لا يرى ما يمنع تاريخيًّا من أن جعفرًا نال في زمانه وفي محيطه معارف في صنعة الكيمياء([8])، هكذا دون أدلة وبلا براهين.

والشكُّ في جابر والخلاف فيه وفيما ينسب إليه قديم، لخَّصه النديم بقوله: «واختلف الناس في أمره، فقالت الشيعة: إنه من كبارهم وأحد الأبواب، وزعموا أنه كان صاحب جعفر الصادق ؓ، وكان من أهل الكوفة. وزعم قوم من الفلاسفة أنه كان منهم، وله في كتب المنطق والفلسفة مصنفات. وزعم أهل صناعة الذهب والفضة أن الرئاسة انتهت إليه في عصره، وأن أمره كان مكتومًا، وزعموا أنه كان يتنقل في البلدان لا يستقرُّ به بلدٌ خوفًا من السلطان على نفسه. وقيل: إنه كان في جملة البرامكة ومنقطعًا إليها ومتحققًا بجعفر بن يحيى، فمن زعم هذا قال: إنه عنى بسيده جعفر هو البرمكي، وقالت الشيعة: إنما عنى جعفر الصادق» إلى أن يقول: «وقال جماعة من أهل العلم وأكابر الوراقين: إن هذا الرجل -يعني جابرًا- لا أصل له ولا حقيقة. وبعضهم قال: إنه ما صنَّف وإن كان له حقيقة إلا كتاب الرحمة، وإن هذه المصنفات صنَّفها الناسُ ونحلوه إياها. وأنا أقول: إن رجلًا فاضلًا يجلس ويتعب فيصنف كتابًا يحتوي على ألفي ورقة، يتعب قريحته وفكره بإخراجه، ويتعب يده وجسمه بنسخه، ثم ينحله لغيره إما موجودًا أو معدومًا، ضربٌ من الجهل، وإن ذلك لا يستمر على أحد ولا يدخل تحته من تحلى ساعة واحدة بالعلم، وأيُّ فائدة في هذا وأيُّ عائدة؟ والرجل له حقيقة، وأمره أظهر وأشهر، وتصنيفاته أعظم وأكثر، ولهذا الرجل كتبٌ في مذاهب الشيعة أنا أوردها في مواضعها»([9]).


وما استبعده النديم من أن يصنف أحدٌ كتابًا وينحله إياه غير مستبعد إذا كان له من وراء ذلك غرضٌ لنشر فكرة ونسبتها إلى مجهول لا يمكن التحقق منه، أو هدفٌ لبث باطل بإضافته إلى معدوم يتعذر الوصول إليه، وفي التاريخ من الكتب المنحولة لغير مؤلفيها لأغراض وأهداف أمثلةٌ كثيرة، ومن «رسائل إخوان الصفاء» شاهدٌ قريبٌ فيه بعض الدلالة.


ومن النصوص القديمة في نحل الكتب المنسوبة إلى جابر قول أبي سليمان المنطقي (ت: 380): «إن أبا الحسن ابن النكد الموصلي كان صديقي، وهو الذي كان يؤلف الكتب وينسبها إلى جابر بن حيان، ويحملها إلى المتهوِّسين بصناعة الكيمياء، فيحصِّل بها منهم الجُمَل الصالحة من الدراهم»([10]).

وما يزال الجدل في شأن جابر وصنعته قائمًا بين بعض المستشرقين الذين لهم هوًى في الغض من علوم العرب ومنجزاتهم المعرفية، وبعض الباحثين المتعصبين لإثبات ريادة علومهم بالحق والباطل والصدق والزيف، والمنصفون بين هؤلاء وأولئك قليل([11]).


وهو خلافٌ له شأن؛ فإن «أمر قبول أو تفنيد صحة مجموع جابر معضلة من أهم معضلات تاريخ العلوم الطبيعية العربية، سيكون لحلها أثره على بقية مجالات العلوم عند العرب»([12]).

ونعود إلى سياق القائلين بإمكان وقوع الكيمياء من أهل العلم مرتَّبين على تواريخ وفياتهم، وإنما نذكر أعيانهم مشيرين إليهم إشارات دالة مختصرة، ولو ذهبنا نستقصي كل من ذُكِر عنه تصحيحٌ للكيمياء أو اشتغالٌ بها لامتدَّ بنا المقام وخرجنا عما نحن بسبيله من الإيجاز([13]).



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) «سرح العيون» لابن نباتة (225).    

([2]) «مجموع الفتاوى» (29/374).    

([3]) «السياسة الشرعية» (230).    

([4]) «الصلة بين التصوف والتشيع» لكامل الشيبي (1/292).    

([5]) «روضات الجنات» للخوانساري (2/218).    

([6]) انظر ما سيأتي في رسالة ابن القيم (الدليل الثالث عشر) والتعليق عليه.    

([7]) «الوافي بالوفيات» (11/34).    

([8]) «تاريخ التراث العربي» (191- 195 – المجلد الرابع، السيمياء والكيمياء).    

([9]) «الفهرست» (2/1/451، 452).    

([10])  «بستان الأطباء» لأسعد ابن المطران (53).    

([11])  انظر: «العلم عند العرب وأثره في تطور العلم العالمي» لألدوميلي (100)، و«مدخل لتاريخ العلم» لسارتون (80 – 83، 69)، و«تاريخ العرب» لفيليب حتي (2/325، 464)، و«حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي» لجلال مظهر (272 – 284)، و«تاريخ الفكر العربي» لإسماعيل مظهر (67 – 83) وأصلها مقالتان في المقتطف (مايو ويونيو 1926)، و«الجامع في تاريخ العلوم عند العرب» لمحمد عبد الرحمن مرحبا (314 – 321)، و«الخيمياء العربية» لجورج قنواتي (1105 – تاريخ العلوم العربية)، و«تاريخ العلوم عند العرب» لعمر فروخ (243)، و«في تراثنا العربي والإسلامي» لتوفيق الطويل (59 – 60، 146، 208)، و«العرب والعلم» لتوفيق الطويل (40)، و«من تاريخ الإلحاد في الإسلام» لعبد الرحمن بدوي (189، 191، 192)، و«الكيمياء والكيميائيين في التراث العلمي العربي» لفرحات الدريسي (221)، و«الأبعاد المعرفية لكيمياء جابر بن حيان» ليمنى الخولي ضمن كتابها «بحوث في تاريخ العلوم عند العرب» (49)، و«جابر بن حيان» لزكي نجيب محمود (11 – 12، 19، 21-26)، و«الإمام الصادق ملهم الكيمياء» لمحمد يحيى الهاشمي (38 – 170)، و«نشأة العلوم الطبيعية عند المسلمين في العصر الأموي» لطف الله قاري (104 – 110، 183 – 188)، و«جابر بن حيان وأثره في الكيمياء» لعبد الحميد أحمد ضمن كتاب «المؤتمر العلمي العربي الأول بالإسكندرية سنة 1953» (106 – 108)، و«جابر بن حيان» لأحمد فؤاد الأهواني، مجلة المجلة (العدد 37 ، 1 يناير 1960)، و«جابر بن حيان الأسطورة والحقيقة العلمية» لعبد القادر محمود، مجلة جامعة القاهرة بالخرطوم (العدد 2، 1971)، وغيرها.    

([12])  «تاريخ التراث العربي» (15– المجلد الرابع، السيمياء والكيمياء).    

([13])  وممن لم أذكرهم هنا اختصارًا (بغير ترتيب وتحرير): أسعد بن عثمان بن أسعد بن المنجا، ومحمد بن إسحاق أبو العنبس الصيمري، وعلي بن أبي القاسم محمد أبو الحسن التميمي المغربي القسنطيني، ويحيى بن تميم أمير المهدية، وعبد الله بن أحمد المالقي النباتي، وعلي بن الحسن الخطيب ابن الجابي، وقدامة بن جعفر الكاتب، وغسان بن عبيد الموصلي، وأبو القاسم الكاتب غلام أبي الحسن العامري، وأبو الطيب الكيمائي الرازي، وأبو علي المغربي الزاهد، وعبد الله بن عبد الله الأندلسي المعروف بالبرقي، و‌‌ابن الذهبي أبو محمد عبد الله بن محمد الأزدي، وبلمظفر نصر بن محمود بن المعرف، وأبو الفضل عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن حسان الغساني، والكمال بن يونس الموصلي، و‌‌محمد بن علي بن أبي العزاقر، وجمال الدين بن شيث كاتب الإنشاء، وعمر بن مودود بن عمر أبو البركات الفارسي، وكمال الدين عبد الرحمن بن مسعود البغدادي، وأبو العتيق أبو بكر بن الفقيه محمد بن القاضي عمر الهزاز، وعلي بن موسى بن علي الأنصاري السالمي الجياني، وعبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن أبي جرادة، و‌‌علي بن أحمد بن أبي الفضل الهاشمي الواسطي المقرئ، وإبراهيم بن خلف بن منصور أبو إسحاق الغساني، وعبد الحافظ بن بدران بن شبل بن طرخان، وابن أبي الذر الربعي البغدادي، وإبراهيم بن عبد الله الخلاطي، والحسين الخلاطي اللازوردي، وبلال الحبشي العمادي الحلبي، وابن الحبشي محمد بن إبراهيم بن بدر، ومحمد بن الشرف القدسي الكاتب، ومن الأمراء والوزراء: الدويدار مجاهد الدين أيبك، وبكتوت الأمير بدر الدين القرماني، والوزير جمال الدين أبو جعفر المعروف بالجواد.

ومن آخر من رأيت من المعاصرين الذين ما زالوا مصرين على إمكان الكيمياء وتحققها: عبد الوهاب القنواتي. انظر محاضرته «عمل الذهب بالطريقة الصناعية» في «مجلة المجمع العلمي بدمشق» (المجلد 6، الجزء 9، 1926، ص 395 – 396، 398، 402، 405).




انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.




انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.