طريقة دراسة المتن الفقهي
أحمد بن ناصر القعيمي
الجزء الأول
الطريقة التي ينتهجها الطالب لدراسة مسائل المتن الفقهي هي ما يلي :
أولاً : تصور المسألة على الوجه الصحيح : وذلك بأن يفهم الطالب المعنى الإجمالي للمسألة فهماً صحيحاً مستعيناً في ذلك بشيخه ، و شرح لذلك المتن .
ثانياً : تحليل المسألة : ينبغي لطالب العلم أن يتناول المسألة ، بمثل تناول الشيخ المرداوي لمسائل المقنع - غير تصحيح الخلاف لأنه لا يوجد في المتون المختصرة خلاف- وقد بَيَّنَ – رحمه الله تعالى – ذلك في مقدمته على التنقيح فقال:
( فقد سنح بالبال أن أقتضب ما في كتابي الإنصاف من تصحيح ما أطلق الشيخ الموفق في المقنع من الخلاف ، وما لم يفصح فيه بتقديم حكم ، وأن أتكلم على ما قطع به ، أو قدمه ، أو صححه ، أو ذكر أنه المذهب وهو غير الراجح في المذهب ، وما أخل به من قيد ، أو شرط صحيح في المذهب ، وما حصل في عبارته من خلل ، أو إبهام ، أو عموم ، أو إطلاق ، ويستثنى منه مسألةٌ ، أو أكثر ؛ حكمها مخالف لذلك العموم أو الإطلاق ، ... إذا علمت ذلك ... فما أخل به من قيد أو شرط فإن كان الشرط لأصل الباب ذكرته في أوله ، وإلا أضفته هو والقيد إلى لفظ المصنف مسبوكاً فيه ، وما كان فيه من خلل فإني أغير لفظه وآتي بما يفي بالمقصود مع تكميله وتحريره ، وما كان فيه من إبهام ، فإن كان في حكم فإني أفسره بالصحيح من المذهب بما يقتضيه المقام من الاحتمالات اللاتي هن أقوال في المذهب من صحة ووجوب وندب وضدها وإباحة ، وإن كان في لفظ فإني أُبَيِّنُ معناه ، وما كان فيه من عموم أو إطلاق فإني أذكر ما يستثنى من العموم .... ، وما هو مُقَيِّدٌ للإطلاق مع نوع اختصار ، وتغيير بعض ألفاظ من كلام المصنف ، وربما صرحت ببعض ما شمله العموم ..) ([1]) .
تلخيص أهم ما فعله المرداوي مع "المقنع" في كتاب "التنقيح" :
1- تصحيح الخلاف المطلق من الروايات والأوجه والاحتمالات ، وذلك بالجزم بالصحيح منها في المذهب ، مع الاقتصار عليه وعدم ذكر غيره .
2- ذكر الشروط التي أهملها صاحب المقنع .
3- إبدال ما جزم الشيخ ابن قدامة فيه بالمذهب – وهو ليس كما قال- بالمذهب الصحيح.
4- ذكر ما يستثنى من العموم .
5- ذكر ما يقيد المطلق .
6- إزالة الإبهام الذي في الحكم ، أو في اللفظ ، وذلك بأن يأتي بما يزيل ذلك الإبهام بالتصريح بالحكم الصحيح في المذهب ، أو بلفظ أوضح من ذلك اللفظ المبهم .
7- إصلاح ما فيه خلل في العبارة ، وذلك بأن يأتي بعبارة تفي بالمقصود مع تكميله وتحريره .
8- تغيير بعض ألفاظ المصنف بألفاظ أخرى .
9- ذكر بعض الفروع التي تندرج تحت بعض ألفاظ العموم ، والتي لم يذكرها الشيخ الإمام ابن قدامة .
ثم قال الشيخ المرداوي: ( وهو في الحقيقة تصحيح وتنقيح , وتهذيب لكل ما في معناه، بل وتصحيح لغالب ما في المطولات ولاسيما في التتمات وهذه الطريقة لم أَرَ أحداً ممن يتكلم على التصحيح سلكها ، إنما يصححون الخلاف المطلق من الروايات والأوجه والاحتمالات فقط، ففاتهم شيء كثير جداً مع مسيس الحاجة إليه أكثر مما فعلوا) ([2]) .
وإذا كانت المختصرات الفقهية قد خلت من الخلاف ، سواء أكان خلافا مطلقا أم غيره فإنها لم تخل من بقية الأمور الأخرى – التي عملها الشيخ المرداوي مع المقنع – كالإبهام في الحكم واللفظ ، والمطلق الذي هو مقيد ولم يقيده الْمُخْتَصِرُ، والعموم الذي هو مستثنى منه بعض الصور ، والخلاف للمذهب في بعض المسائل ، وغير ذلك ، والتي جعلها الشيخ المرداوي –رحمه الله تعالى – أكثر أهمية من تصحيح الخلاف المطلق ، كما تقدم قوله قريبا : (إنما يصححون الخلاف المطلق من الروايات والأوجه والاحتمالات فقط، ففاتهم شيء كثير جداً مع مسيس الحاجة إليه أكثر مما فعلوا) .
وقد أتى بعض الشراح لتلك المتون المختصرة على كثير من تلك الأمور، فينبغي للشيخ الشارح لمتن ما ، أن يبينها للطالب ، وينبغي للطالب أن ينتبه لها في كل مسألة ويبحث عن البيان وغير ذلك من الشروح والحواشي .
وسأبين الآن تلك الأمور التي ذكرها المرداوي مع التمثيل ، وسأضيف عليها أموراً أخرى لا تقل أهمية عن التي ذكرها الشيخ المرداوي –رحمه الله تعالى- :
الأمور التي يجب أن تراعى لدراسة المتن الفقهي :
الأمر الأول : تبيين المبهم :
والمبهم في اللغة : قال في المصباح : (اسْتَبْهَمَ) الخبر ، واستغلق بمعنى ، و (أَبْهَمْتُهُ ) (إبْهَاماً) إذا لم تُبَيِّنْهُ ) ([3]) .
وفي المعجم الوسيط ([4]) : ( الكلام الغامض لا يتحدد المقصود منه ).
فالمبهم لا يخلو :
إما أن يكون في الكلمة غموض ، لا يتبين معناها من لفظها ، فتحتاج إلى بيان المراد منها .
وإما أن لا يكون فيها غموض ، بل تكون واضحة وتحتمل أكثر من معنى ، ولا يوجد ما يحدد المقصود المراد من هذه المعاني .
والإبهام عند فقهاء الحنابلة : إما أن يكون في الحكم ،وإما أن يكون في اللفظ .
والمراد بالمبهم في الحكم : أن يذكر العالمُ مسألةً دون أن يُبَيِّن حكمها من حيث الحكم التكليفي حرمة وكراهة، ووجوباً واستحباباً ، وإباحة ، أو من حيث الحكم الوضعي صحة وفساداً ، وضماناً وغير ذلك.
وبعبارة أدق : أن يأتي العالم بلفظ يحتمل أكثر من حكم ، مثل أن يقول : ولا يفعل كذا – وهذه تحتمل الحرمة والكراهة- أو : وأن يفعل كذا- وهذه تحتمل الوجوب أو الندب- .
وقد ذكر بعض الفضلاء : أن العلماء إذا ذكروا الفعل المجرد- أي : إذا قال العالم : ويفعل كذا – فإنه ظاهر في الوجوب ؛ فإذا لم نر له بيانا من العلماء شراحا كانوا أو محشين ، فهو للوجوب ، وفي هذا نظر ظاهر لعدة أمور :
1. أنه لو كان الأمر كذلك لَمْ يتكلفْ العلماءُ بذكر حكم الوجوب في مواطن كثيرة ([5]) ، ولاقتصروا فقط على بيان الاستحباب ، ولَتَركوا ما عداه على ما يظهر من الفعل وهو: الوجوب ، والحال أنهم يبينون الإبهام بالوجوب إن كان حكمه كذلك .
2. أن الشيخ المرداوي مصحح المذهب ومنقحه لم يجعل الفعل المجرد ظاهرا في الوجوب في الإنصاف ، بل جعله محتملا للوجوب وغيره ، ومن ذلك ما ذكره في باب أدب القاضي ([6])حيث قال : (قوله (ويعدل بين الخصمين في لحظه ولفظه ومجلسه والدخول عليه) يحتمل أن يكون مراده: أن ذلك واجب عليه ، وهو: المذهب ، قال في الفروع: ويلزمه، في الأصح: العدل بينهما في لحظه ولفظه، ومجلسه والدخول عليه، وجزم به في الشرح، وقيل: لا يلزمه ؛ بل يستحب، ويحتمله كلام المصنف ) .
فقول الشيخ المرداوي : (ويحتمله كلام المصنف ) يدل على أن الفعل يحتمل الوجوب والاستحباب ، ولو كان ظاهرا في الوجوب لذكر ذلك .
3. أنه قد وقع خلاف في أحكام مجردة هل هي للوجوب ، أو للاستحباب ، ولو كان الوجوب هو الظاهر دائما لم يقع الخلاف ؛كما حصل ذلك بين الحجاوي ، والبهوتي في مسألة : الجلوس بعد سجدة التلاوة ، هل هو ندب أم واجب ؟
فالحجاوي يقول : (ولعل الجلوس : ندب) ، وتعقبه البهوتي بأنه واجب فقال:( قلت : والظاهرُ وجوبُه كما مر في عدد الأركان) ([7]) ، وتعقبه النجدي بقوله : ( وفي كلام منصور البهوتي نظر !) ([8]).
فلو كان الفعلُ المجرد ظاهرا في الوجوب ؛ ما كان لهؤلاء العلماء الثلاثة أن يختلفوا في حكم هذا الفعل !.
4. أن المردواي ترك بيان حكم تفريق الوصية في كل من الإنصاف ، وتصحيح الفروع ، والتنقيح فلم يُبَيِّن حكمه ، واستدرك عليه الحجاوي وبين أنه: مستحب .
قال – رحمه الله – في حواشي التنقيح ([9]): ( ويسن تفريق وصيته كل ذلك قبل الصلاة عليه ، وأبقى المنقح تفريق وصيته على كلام المقنع مبهما لم يبين الحكم فيه ، وكان حقه أن يبين حكمه كما وعد في الخطبة).
فلو كان الفعل المجرد ظاهرا في الوجوب لجعله الحجاوي وصحح الوجوب ، ومع ذلك جعله مستحبا ، وهو المذهب المجزوم به في "الإقناع" ([10]) و"المنتهى" ([11]).
والمراد : أنه لو ذكر العلماء فعلا ؛ فنتوقف في حكمه حتى يظهر لنا حكمُه ببيانٍ له من أهل العلم والله أعلم .
والمراد بالمبهم في اللفظ : هو أن يذكر العالم كلمة ، أو جملة فيها غموض تحتاج لبيان وإزالة ذلك الغموض عنها .
وعلى طالب العلم أن يبين المبهم ، ويأتي بما يزيل عنه الإبهام ، فإن كان في الحكم بين حكمه ، وإن كان في اللفظ بين معناه وصورته ، وهذا من أهم ما يتنبه له الطالب .
ومن أمثلة المبهم في الحكم :
المثال الأول : قول الشيخ الحجاوي في " زاد المستقنع " في باب إزالة النجاسة : ( وإن خفي موضع نجاسة غسل حتى يجزم بزواله ) .
ذكر الشيخ الحجاوي –رحمه الله- أنه إن خفي على الإنسان موضع النجاسة من الثوب فإنه يغسل منه عدة مواضع حتى يجزم بزوال النجاسة عنه ؛ لكنه لم يبين حكم غسله هل هو واجب ، أو مستحب ، وقد صرح الشيخ البهوتي بحكم ذلك فقال ( وإن خفي موضع نجاسة ) في بدن أو ثوب أو بقعة ضيقة وأراد الصلاة (غسل) وجوباً (حتى يجزم بزواله) أي زوال النجس لأنه متيقن فلا يزول إلا بيقين الطهارة ) ([12]) .
المثال الثاني : قول الشيخ الحجاوي أيضاً في " زاد المستقنع " ، والشيخ البهوتي في " عمدة الطالب " في باب الجمعة : ( ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً).
والحكم هنا مبهم ، إنما هو لمطلق المنع المحتمل للكراهة والتحريم ، والمذهب: أنه مكروه ولذلك قال في الروض المربع : ( ولا يتخطى رقاب الناس ) .... ( إلا أن يكون ) المتخطي (إماماً) فلا يكره للحاجة) ([13]) .
وصرح الشيخ ابن بلبان في " كافي المبتدي " بالحكم فقال : ( وكره .. تخطي الرقاب إلا لفرجة) ([14]) .
المثال الثالث : قول الشيخ مرعي الكرمي في " دليل الطالب " – ومثله في " زاد المستقنع " ، و " عمدة الطالب " – في كتاب الجنائز : ( وشهيد المعركة .. لا يغسل ) .
أبهم الحكم ، وقوله : ( لا يغسل) لمطلق المنع يحتمل الكراهة ، والتحريم ، وهي من المسائل القليلة التي لم يبين فيها صاحبُ " دليل الطالب" الحكم ، وهي من المسائل الخلافية التي بين " الإقناع" و"المنتهى"، وحمل الشارحُ في "نيل المآرب" المسألة على التحريم حيث قال : (وشهيد المعركة .. لا يغسل وجوباً) ([15]) ، وهو ما جزم به صاحب "الإقناع" ([16]) ، وتابعه في كافي المبتدي([17]) " ، وذهب صاحب " المنتهى "([18]) إلى كراهة تغسيل الشهيد تبعاً للتنقيح([19]) ، وتابعه في " غاية المنتهى " وقيده بقوله ( ويتجه : أنه مع دم عليه يحرم لزواله ) ([20]) .
المثال الرابع : قول الشيخ الحجاوي في " زاد المستقنع " في المضاربة : ( ولا يضارب بمال لآخر إن أضر الأول ولم يرض) .
فقوله : ( ولا يضارب) يفيد مطلق المنع ، ويحتمل التحريم ، ويحتمل الكراهة ، فلابد من بيان الحكم .
والمذهب : يحرم ، قال الشيخ البهوتي في الروض المربع([21])- معللاً وذاكراً للحكم –:( لأنها تنعقد على الحظ والنماء ، فلم يجز له أن يفعل ما يمنعه منه ) .
وفي " المنتهى " مع شرحه للشيخ البهوتي : ( ويحرم على العامل أن يضارب أي:يأخذ مضاربة لآخر إن أضر اشتغاله بالعمل في مال الثاني رب المال الأول)([22]).
المثال الخامس: قول صاحب " زاد المستقنع " في آخر الحضانة: ( والأُنثى عند أبيها حتى يتسلمها زوجها ) .
لم يبين حكم بقائها عند أبيها بعد تمام سبع سنوات إلى الزواج ؟ هل هو واجب؟ أم مستحب ؟ واللفظ محتمل لهما وللإباحة ، وبينه الشيخ البهوتي في " الروض المربع"([23]) بقوله : (وجوباً) .
المثال السادس : قول صاحب " زاد المستقنع " ، و " عمدة الطالب " في أول كتاب الصلاة : ( ويؤمر بها صغير لسبع ) .
لم يبين حكم أمر الولي لموليه الذي استكمل سبعاً بالصلاة هل هذا الفعل واجب على الولي أم مستحب ؟ واللفظ محتمل لهما .
والمذهب : يجب على ولي أمر الصبي الذي استكمل سبع سنين أن يأمره بالصلاة ، قال الشيخ البهوتي في " الروض المربع " : ( أي يلزم أن يأمره بالصلاة لتمام سبع سنين)([24])وقال مثل ذلك الشيخ عثمان النجدي في" هداية الراغب"([25]) .
والإبهاماتُ في الحكم كثيرة في " زاد المستقنع" ، ولا تكاد توجد في " دليل الطالب " ، فلا يذكر مسألة إلا ذكر حكمها في الغالب الأعم ، وهذا من أهم ما يتميز به " دليل الطالب " على زاد المستقنع " ، بل وعلى غيره من المتون .
المثال السابع : قول صاحب "زاد المستقنع" ، و"عمدة الطالب" ،و"كافي المبتدي" ،و"أخصر المختصرات" في مكروهات الصلاة وما يباح له : ( وإذا نابه شيء سبح رجل وصفقت امرأة ) .
والمراد : أنه إذا عرض للمصلي شيء ، واحتاج للكلام ، فإنه يسبح الرجل ، وتصفق المرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى .
وفيه إبهام في حكم التسبيح ، هل هو واجب أم مستحب ، والمذهب كما في شرح ابن النجار على كتابه "المنتهى"([26]) ، وشرح البهوتي عليه([27]) : أنه بإمام وجوبا ، وبمستأذن استحبابا .
المثال الثامن : قول صاحب "الروض المربع" في شروط الصلاة في المتنفل الراكب في السفر : ( ويومئ بهما ويجعل سجوده أخفض من ركوعه ) .
والمراد : أن من صلى نفلا في السفر وهو راكب يومئ ، أي : يشير برأسه للركوع والسجود ، ويجعل رأسه في سجوده أخفض منه في ركوعه ؛ لكن الحكم هنا مبهم هل يجعل سجوده أخفض من ركوعه وجوبا أم استحبابا ؟.
وقد بَيَّنَهُ في الإقناعِ ([28]) فقال : ( وجوبا إن قدر ) .
أمثلة على الإبهام في اللفظ :
المثال الأول : قول صاحب " زاد المستقنع" : ( كتاب الطهارة وهي : ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخبث) .
فقوله : ( وما في معناه) مبهم غامض يحتاج لبيان ، والمراد بها : أن ما في معنى ارتفاع الحدث يسمى طهارة ، كما أن ارتفاع الحدث يسمى طهارة ، وما في معنى ارتفاع الحدث : كل طهارة ليست عن حدث ، ولا يرتفع بها حدث كغسل يد القائم من نوم الليل ، فإنه لم يكن لحدث لحق باليد ، ولم يرتفع عنها حدث بعد غسلها ، ومع ذلك يسمى طهارة .
المثال الثاني : قول صاحب " زاد المستقنع " وغيره في باب الآنية : (إلا ضبة يسيرة) .
فقوله : (ضبة) مبهمة تحتاج لبيان ، وهي : ما يربط به بين طرفي المنكسر .
المثال الثالث : قول صاحب " زاد المستقنع " في باب صفة الصلاة :( ويشير بسبابتها في تشهده ) .
فقوله:(يشير)مبهمة بَيَّنَهَا البهوتي في "شرح المنتهى"([29])،بقوله:(بأن يرفعها )([30]).
المثال الرابع : قول الشيخ مرعي الكرمي في " دليل الطالب" ، وغيره في ذكر الأوقات المنهي عن الصلاة فيها : ( وهي من طلوع الفجر إلى ارتفاع الشمس قِيْد رمح) .
فقوله : (قِيْد رمح) مبهمة تحتاج إلى بيان ،والمراد بها : قدر رمح في رأي العين.
المثال الخامس : قول صاحب " زاد المستقنع" في المضاربة : ( وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف أو خسر جبر من الربح قبل قسمته أو تنضيضه ) ([31]) .
فقوله : ( تنضيضه ) مبهمة تحتاج إلى بيان ، وهي تحويل عرض التجارة إلى نقد، وهذا يذكرونه في شركة المضاربة .
والإبهام في اللفظ – سواء كان في جملة أو كلمة مفردة- نسبي ؛ فقد يكون مبهماً لأحد ، غير مبهم لآخر.
ومن الإبهامات في اللفظ التي تحتاج إلى بيان :
إطلاق المؤلف الحكم في المسألة بقوله بعدها: (مطلقاً) أو (على الإطلاق) ، وهي من العبارات المنتقدة في المتن ، لأنها تضع الطالب المبتدئ في حيرة ، فلا يدري الإطلاق عمَّاذا ؟ .
قال الشيخ الحجاوي في " حواشي التنقيح" : ( تنبيه : قد أكثر المصنف في هذا الكتاب – أي : التنقيح – من قوله : (مطلقاً) في نحو مائة وستين موضعاً ، ولم نر أحداً سلك هذا المسلك في كثرته غيره ، وذلك يحترز به أحياناً عن لفظة واحدة ، أو حكم واحد ، وربما يرد عليه غير ما يحترز منه ، ولو أتى بذلك مبيناً لكان أحسن وأبين ، فإن المبتدئ يقع في حيرة حيث لم يدر الإطلاق عمَّاذا فيحتاج أن يعلم ذلك من خارج، ولم تحصل له الفائدة التامة فلو بيَّن ذلك في الأصل كطريقة الموفق ، وغيره من أصحابنا ، وغيرهم لكان أولى ) ([32]) .
وأقول : قول العالم :( مطلقاً ) ليس منتقداً على كل حال ، بل قد يحتاج إليها الْمُخْتَصِرُ لمتن ما ؛ لكونها أخصر من التفصيل ، لكن بشرط أن ينبه على ما يستثنى من ذلك الإطلاق ، ولاشك كلما خلا المتن من هذه العبارة لكان أحسن وأجود .
ولابد أن يهتم الطالب ببيان كلمة ( مطلقاً ) ، وهي في الغالب مبينة في الشروح، ولا يكاد شارح للمتون الخمسة يتركها .
أمثلة على ذكر ( مطلقاً ) من بعض المتون :
المثال الأول : قوله في " زاد المستقنع " في آخر كتاب الأيمان : (أو – أي : حلف – على من لا يمتنع بيمينه من سلطان وغيره ففعله حنث مطلقاً) .
وهذا الإطلاق يحتاج إلى تبيين ، وقد بينه البهوتي بقوله : ( سواء فعله المحلوف عليه ، عامداً أو ناسياً ، عالماً أو جاهلا ) ([33]) .
المثال الثاني : قول الشيخ ابن بلبان في " أخصر المختصرات " في باب الطهارة : (الثالث – أي : من المياه – نجس يحرم استعماله مطلقاً) بينه الشارح بقوله : ( أي في العبادات وغيرها ولو لم يوجد غيره ) ([34]).
المثال الثالث : قول الشيخ ابن بلبان في " كافي المبتدي " في فصل صلاة الجماعة: ( ولا تصح خلف فاسق مطلقاً ) وهذا مبهم بينه الشارح بقوله : ( أي : سواء كان فسقه بالاعتقاد ، أو بالأفعال – ولو مستورا- أو بمثله ... الخ ) ([35]) .
المثال الرابع : قول الشيخ البهوتي في " عمدة الطالب " في باب شروط الصلاة : ( ويسن تعجيلها – أي العصر – مطلقاً ) وهذا مبهم بيَّنه الشارح بقوله ( أي : مع حر أوغيم ، أو غيرهما ) ([36]) .
هذا وللعلم : فإن أقل المتون المختصرة يوجد فيها كلمة ( مطلقاً) هو : " زاد المستقنع " فلا تتجاوز خمسة مواضع ، وأكثر من ذكرها : " كافي المبتدي " ، فإنه ذكر هذا اللفظ في خمسين موضعاً تقريباً ، ويليه " أخصر المختصرات " ففيه أربعون موضعاً تقريباً ، ويليه " دليل الطالب" الذي ذكرها في خمسة وعشرين موضعاً تقريباً.
ومن الإبهامات التي تحتاج أيضا إلى بيان :
المكاييل والأوزان ، كالصاع ، والمد ، والوسق ، والدينار ، والدرهم، والرطل ([37])وغيرها ،كذا المسافات كالفرسخ والبريد ([38])ونحوهما .
فيجب على الطالب أن يعرف هذه الأشياء بالمقاييس المعاصرة لأن العبادة متعلقة بها .
-------
([1]) انظر : التنقيح ص29 .
([2]) انظر : التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع ص31 .
([3]) انظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير 1/64.
([4]) 1/74 .
([5]) وأستثني من ذلك ذكرهم لشروط الصلاة وأركانه وواجباتها ، وكذا أركان الحج وواجباته ؛ لأنه قد يقال :إنما ذكروا الواجبات مع الشروط والأركان لبيان ما يترتب على ترك كل .
([6]) انظر : الإنصاف مع الشرح الكبير 28/ 341 .
([7]) انظر : الكشاف 3/123
([8]) انظر : حاشية النجدي على المنتهى 1/ 277
([9]) ص 125
([10]) انظر : الكشاف 4/ 41
([11]) انظر : شرح المنتهى 2/ 76
([12]) انظر : الروض المربع مع حاشية ابن قاسم 1/355 .
([13]) انظر : الروض المربع 2/480، وانظر أيضاً : هداية الراغب لشرح عمدة الطالب 1/294.
([14]) انظر : الروض الندي شرح كافي المبتدي 1/208 .
([15]) 1/222 .
([16]) 1/340.
([17]) انظر : الروض الندي شرح كافي المبتدي 1/235 .
([18]) انظر : شرح "المنتهى" للبهوتي 2/78 .
([19]) ص128 .
([20]) 1/262 .
([21]) انظر :الروض المربع مع حاشية ابن قاسم 5/259 .
([22]) 3/573.
([23]) المرجع السابق 7/162 .
([24]) انظر : حاشية الروض المربع 1/417 .
([25]) 1/158 ، وعلى تعبير صاحب كتاب المبتدي ، وأخصر المختصرات لهذه المسألة يكون الحكم واضحاً حيث قالا ( وعلى وليه أمره بها لسبع) انظر: كشف المخدرات 1/100 ، لأن (على) تفيد الوجوب ، قال الشيخ المرداوي : (على) ظاهرة في الوجوب أ.هـ كلامه رحمه الله ، انظر المقنع مع الشرح الكبير الإنصاف 6/112، وكون (على) تدل على الوجوب هذا عام في كل المتون والشروح الفقهية عند الحنابلة .
([26]) 2/192
([27]) 1/453
([28]) انظر : كشاف القناع 2/ 222
([29]) 1/407 .
([30]) وترفع الأصبع في التشهد أربع مرات عند ذكر الله تعالى الأول : التحيات لله ، الثاني : ورحمة الله ، الثالث : وعلى عباد الله ، الرابع : أشهد أن لاإله إلا الله . انظر : حاشية ابن عوض على الدليل 1/ 295
([31]) انظر : الروض المربع مع حاشية ابن قاسم 5/262 .
([32]) ص35 .
([33]) انظر: حاشية الروض المربع 7/494 .
([34]) انظر : كشف المخدرات 1/44 .
([35]) انظر: الروض الندي 1/176 .
([36]) انظر : هداية الراغب لشرح عمدة الطالب 1/171 .
([37]) و الذي أراه أقرب إلى الصواب في الصاع = 2،04 كيلوان وأربعون غراما ، والمد = 0,510 خمسمائة وعشرة غرامات ، والدينار الذي هو المثقال = 4،25 أربع غرامات وربع ،والدرهم = 2،975 غراما ، والرطل = 90 تسعون مثقالا ، ومن الغرامات يساوي الرطل = 382،5 ثلاثمائة واثنان وثمانون غراما ونصف .
([38]) البريد = 4 أربعة فراسخ ، والفرسخ = 3 ثلاثة أميال ، والميل = 6000 آلاف ذراع ، والذراع = 0،50 نصف متر تقريبا ، فيكون الميل بالأمتار= ثلاثة آلاف متر ؛ وهي = ثلاث كيلو متر ، فيكون الفرسخ = 9 تسع كيلو متر .
انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.
انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.
