طريقة دراسة المتن الفقهي ج1

28 أغسطس 2024
مدونة نَشر
طريقة دراسة المتن الفقهي ج1

طريقة دراسة المتن الفقهي


أحمد بن ناصر القعيمي


الجزء الأول


الطريقة التي ينتهجها الطالب لدراسة مسائل المتن الفقهي هي ما يلي :

أولاً : تصور المسألة على الوجه الصحيح : وذلك بأن يفهم الطالب المعنى الإجمالي للمسألة فهماً صحيحاً مستعيناً في ذلك بشيخه ، و شرح لذلك المتن .

ثانياً : تحليل المسألة : ينبغي لطالب العلم أن يتناول المسألة ، بمثل تناول الشيخ المرداوي لمسائل المقنع - غير تصحيح الخلاف لأنه لا يوجد في المتون المختصرة خلاف- وقد بَيَّنَ – رحمه الله تعالى – ذلك في مقدمته على التنقيح فقال:

( فقد سنح بالبال أن أقتضب ما في كتابي الإنصاف من تصحيح ما أطلق الشيخ الموفق في المقنع من الخلاف ، وما لم يفصح فيه بتقديم حكم ، وأن أتكلم على ما قطع به ، أو قدمه ، أو صححه ، أو ذكر أنه المذهب وهو غير الراجح في المذهب ، وما أخل به من قيد ، أو شرط صحيح في المذهب ، وما حصل في عبارته من خلل ، أو إبهام ، أو عموم ، أو إطلاق ، ويستثنى منه مسألةٌ ، أو أكثر ؛ حكمها مخالف لذلك العموم أو الإطلاق ، ... إذا علمت ذلك ... فما أخل به من قيد أو شرط فإن كان الشرط لأصل الباب ذكرته في أوله ، وإلا أضفته هو والقيد إلى لفظ المصنف مسبوكاً فيه ، وما كان فيه من خلل فإني أغير لفظه وآتي بما يفي بالمقصود مع تكميله وتحريره ، وما كان فيه من إبهام ، فإن كان في حكم فإني أفسره بالصحيح من المذهب بما يقتضيه المقام من الاحتمالات اللاتي هن أقوال في المذهب من صحة ووجوب وندب وضدها وإباحة ، وإن كان في لفظ فإني أُبَيِّنُ معناه ، وما كان فيه من عموم أو إطلاق فإني أذكر ما يستثنى من العموم .... ، وما هو مُقَيِّدٌ للإطلاق مع نوع اختصار ، وتغيير بعض ألفاظ من كلام المصنف ، وربما صرحت ببعض ما شمله العموم ..) ([1]) .


تلخيص أهم ما فعله المرداوي مع "المقنع" في كتاب "التنقيح" :

1- تصحيح الخلاف المطلق من الروايات والأوجه والاحتمالات ، وذلك بالجزم بالصحيح منها في المذهب ، مع الاقتصار عليه وعدم ذكر غيره .

2- ذكر الشروط التي أهملها صاحب المقنع .

3- إبدال ما جزم الشيخ ابن قدامة فيه بالمذهب – وهو ليس كما قال- بالمذهب الصحيح.

4- ذكر ما يستثنى من العموم .

5- ذكر ما يقيد المطلق .

6- إزالة الإبهام الذي في الحكم ، أو في اللفظ ، وذلك بأن يأتي بما يزيل ذلك الإبهام بالتصريح بالحكم الصحيح في المذهب ، أو بلفظ أوضح من ذلك اللفظ المبهم .

7- إصلاح ما فيه خلل في العبارة ، وذلك بأن يأتي بعبارة تفي بالمقصود مع تكميله وتحريره .

8- تغيير بعض ألفاظ المصنف بألفاظ أخرى .

9- ذكر بعض الفروع التي تندرج تحت بعض ألفاظ العموم ، والتي لم يذكرها الشيخ الإمام ابن قدامة .

ثم قال الشيخ المرداوي: ( وهو في الحقيقة تصحيح وتنقيح , وتهذيب لكل ما في معناه، بل وتصحيح لغالب ما في المطولات ولاسيما في التتمات وهذه الطريقة لم أَرَ أحداً ممن يتكلم على التصحيح سلكها ، إنما يصححون الخلاف المطلق من الروايات والأوجه والاحتمالات فقط، ففاتهم شيء كثير جداً مع مسيس الحاجة إليه أكثر مما فعلوا) ([2]) .

وإذا كانت المختصرات الفقهية قد خلت من الخلاف ، سواء أكان خلافا مطلقا أم غيره فإنها لم تخل من بقية الأمور الأخرى – التي عملها الشيخ المرداوي مع المقنع – كالإبهام في الحكم واللفظ ، والمطلق الذي هو مقيد ولم يقيده الْمُخْتَصِرُ، والعموم الذي هو مستثنى منه بعض الصور ، والخلاف للمذهب في بعض المسائل ، وغير ذلك ، والتي جعلها الشيخ المرداوي –رحمه الله تعالى – أكثر أهمية من تصحيح الخلاف المطلق ، كما تقدم قوله قريبا : (إنما يصححون الخلاف المطلق من الروايات والأوجه والاحتمالات فقط، ففاتهم شيء كثير جداً مع مسيس الحاجة إليه أكثر مما فعلوا) .

وقد أتى بعض الشراح لتلك المتون المختصرة على كثير من تلك الأمور، فينبغي للشيخ الشارح لمتن ما ، أن يبينها للطالب ، وينبغي للطالب أن ينتبه لها في كل مسألة ويبحث عن البيان وغير ذلك من الشروح والحواشي .

وسأبين الآن تلك الأمور التي ذكرها المرداوي مع التمثيل ، وسأضيف عليها أموراً أخرى لا تقل أهمية عن التي ذكرها الشيخ المرداوي –رحمه الله تعالى- :


الأمور التي يجب أن تراعى لدراسة المتن الفقهي :

الأمر الأول : تبيين المبهم :

والمبهم في اللغة : قال في المصباح : (اسْتَبْهَمَ) الخبر ، واستغلق بمعنى ،     و (أَبْهَمْتُهُ ) (إبْهَاماً) إذا لم تُبَيِّنْهُ ) ([3]) .

وفي المعجم الوسيط ([4]) : ( الكلام الغامض لا يتحدد المقصود منه ).

فالمبهم لا يخلو :

إما أن يكون في الكلمة غموض ، لا يتبين معناها من لفظها ، فتحتاج إلى بيان المراد منها .

وإما أن لا يكون فيها غموض ، بل تكون واضحة وتحتمل أكثر من معنى ، ولا يوجد ما يحدد المقصود المراد من هذه المعاني .

والإبهام عند فقهاء الحنابلة : إما أن يكون في الحكم ،وإما أن يكون في اللفظ .

والمراد بالمبهم في الحكم : أن يذكر العالمُ مسألةً دون أن يُبَيِّن حكمها من حيث الحكم التكليفي حرمة وكراهة، ووجوباً واستحباباً ، وإباحة ، أو من حيث الحكم الوضعي صحة وفساداً ، وضماناً وغير ذلك.

وبعبارة أدق : أن يأتي العالم بلفظ يحتمل أكثر من حكم ، مثل أن يقول : ولا يفعل كذا – وهذه تحتمل الحرمة والكراهة- أو : وأن يفعل كذا- وهذه تحتمل الوجوب أو الندب- .

وقد ذكر بعض الفضلاء : أن العلماء إذا ذكروا الفعل المجرد- أي : إذا قال العالم : ويفعل كذا – فإنه ظاهر في الوجوب ؛ فإذا لم نر له بيانا من العلماء شراحا كانوا أو محشين ، فهو للوجوب ، وفي هذا نظر ظاهر لعدة أمور :

1.  أنه لو كان الأمر كذلك لَمْ يتكلفْ العلماءُ بذكر حكم الوجوب في مواطن كثيرة ([5]) ، ولاقتصروا فقط على بيان الاستحباب ، ولَتَركوا ما عداه على ما يظهر من الفعل وهو: الوجوب ، والحال أنهم يبينون الإبهام بالوجوب إن كان حكمه كذلك .

2.  أن الشيخ المرداوي مصحح المذهب ومنقحه لم يجعل الفعل المجرد ظاهرا في الوجوب في الإنصاف ، بل جعله محتملا للوجوب وغيره ، ومن ذلك ما ذكره في باب أدب القاضي ([6])حيث قال : (قوله (ويعدل بين الخصمين في لحظه ولفظه ومجلسه والدخول عليه) يحتمل أن يكون مراده: أن ذلك واجب عليه ، وهو: المذهب ، قال في الفروع: ويلزمه، في الأصح: العدل بينهما في لحظه ولفظه، ومجلسه والدخول عليه، وجزم به في الشرح، وقيل: لا يلزمه ؛ بل يستحب، ويحتمله كلام المصنف ) .

فقول الشيخ المرداوي : (ويحتمله كلام المصنف ) يدل على أن الفعل يحتمل الوجوب والاستحباب ، ولو كان ظاهرا في الوجوب لذكر ذلك .

3.  أنه قد وقع خلاف في أحكام مجردة هل هي للوجوب ، أو للاستحباب ، ولو كان الوجوب هو الظاهر دائما لم يقع الخلاف ؛كما حصل ذلك بين الحجاوي ، والبهوتي في مسألة : الجلوس بعد سجدة التلاوة ، هل هو ندب أم واجب ؟

فالحجاوي يقول : (ولعل الجلوس : ندب) ، وتعقبه البهوتي بأنه واجب فقال:( قلت : والظاهرُ وجوبُه كما مر في عدد الأركان) ([7]) ، وتعقبه النجدي بقوله : ( وفي كلام منصور البهوتي نظر !) ([8]).

فلو كان الفعلُ المجرد ظاهرا في الوجوب ؛ ما كان لهؤلاء العلماء الثلاثة أن يختلفوا في حكم هذا الفعل !.

4.  أن المردواي ترك بيان حكم تفريق الوصية في كل من الإنصاف ، وتصحيح الفروع ، والتنقيح فلم يُبَيِّن حكمه ، واستدرك عليه الحجاوي وبين أنه: مستحب .

 قال – رحمه الله – في حواشي التنقيح ([9]): ( ويسن تفريق وصيته كل ذلك قبل الصلاة عليه ، وأبقى المنقح تفريق وصيته على كلام المقنع مبهما لم يبين الحكم فيه ، وكان حقه أن يبين حكمه كما وعد في الخطبة).

فلو كان الفعل المجرد ظاهرا في الوجوب لجعله الحجاوي وصحح الوجوب ، ومع ذلك جعله مستحبا ، وهو المذهب المجزوم به في "الإقناع" ([10]) و"المنتهى" ([11]).

والمراد : أنه لو ذكر العلماء فعلا ؛ فنتوقف في حكمه حتى يظهر لنا حكمُه ببيانٍ له من أهل العلم والله أعلم .

والمراد بالمبهم في اللفظ : هو أن يذكر العالم كلمة ، أو جملة فيها غموض تحتاج لبيان وإزالة ذلك الغموض عنها .

وعلى طالب العلم أن يبين المبهم ، ويأتي بما يزيل عنه الإبهام ، فإن كان في الحكم بين حكمه ، وإن كان في اللفظ بين معناه وصورته ، وهذا من أهم ما يتنبه له الطالب .


ومن أمثلة المبهم في الحكم :

المثال الأول : قول الشيخ الحجاوي في " زاد المستقنع " في باب إزالة النجاسة : ( وإن خفي موضع نجاسة غسل حتى يجزم بزواله ) .

ذكر الشيخ الحجاوي –رحمه الله- أنه إن خفي على الإنسان موضع النجاسة من الثوب فإنه يغسل منه عدة مواضع حتى يجزم بزوال النجاسة عنه ؛ لكنه لم يبين حكم غسله هل هو واجب ، أو مستحب ، وقد صرح الشيخ البهوتي بحكم ذلك فقال ( وإن خفي موضع نجاسة ) في بدن أو ثوب أو بقعة ضيقة وأراد الصلاة (غسل) وجوباً (حتى يجزم بزواله) أي زوال النجس لأنه متيقن فلا يزول إلا بيقين الطهارة ) ([12]) .

المثال الثاني : قول الشيخ الحجاوي أيضاً في " زاد المستقنع " ، والشيخ البهوتي في " عمدة الطالب " في باب الجمعة : ( ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً).

والحكم هنا مبهم ، إنما هو لمطلق المنع المحتمل للكراهة والتحريم ، والمذهب: أنه مكروه ولذلك قال في الروض المربع : ( ولا يتخطى رقاب الناس ) .... ( إلا أن يكون ) المتخطي (إماماً) فلا يكره للحاجة) ([13]) .

وصرح الشيخ ابن بلبان في " كافي المبتدي " بالحكم فقال : ( وكره .. تخطي الرقاب إلا لفرجة) ([14]) .

المثال الثالث : قول الشيخ مرعي الكرمي في " دليل الطالب " – ومثله في " زاد المستقنع " ، و " عمدة الطالب " – في كتاب الجنائز : ( وشهيد المعركة .. لا يغسل ) .

أبهم الحكم ، وقوله : ( لا يغسل) لمطلق المنع يحتمل الكراهة ، والتحريم ، وهي من المسائل القليلة التي لم يبين فيها صاحبُ " دليل الطالب" الحكم ، وهي من المسائل الخلافية التي بين " الإقناع" و"المنتهى"، وحمل الشارحُ في "نيل المآرب" المسألة على التحريم حيث قال : (وشهيد المعركة .. لا يغسل وجوباً) ([15]) ، وهو ما جزم به صاحب "الإقناع" ([16]) ، وتابعه في كافي المبتدي([17]) " ، وذهب صاحب " المنتهى "([18]) إلى كراهة تغسيل الشهيد تبعاً للتنقيح([19]) ، وتابعه في " غاية المنتهى " وقيده بقوله ( ويتجه : أنه مع دم عليه يحرم لزواله ) ([20]) .

المثال الرابع : قول الشيخ الحجاوي في " زاد المستقنع " في المضاربة : ( ولا يضارب بمال لآخر إن أضر الأول ولم يرض) .

فقوله : ( ولا يضارب) يفيد مطلق المنع ، ويحتمل التحريم ، ويحتمل الكراهة ، فلابد من بيان الحكم .

والمذهب : يحرم ، قال الشيخ البهوتي في الروض المربع([21])- معللاً وذاكراً للحكم –:( لأنها تنعقد على الحظ والنماء ، فلم يجز له أن يفعل ما يمنعه منه ) .

وفي " المنتهى " مع شرحه للشيخ البهوتي : ( ويحرم على العامل أن يضارب أي:يأخذ مضاربة لآخر إن أضر اشتغاله بالعمل في مال الثاني رب المال الأول)([22]).

المثال الخامس: قول صاحب " زاد المستقنع " في آخر الحضانة: ( والأُنثى عند أبيها حتى يتسلمها زوجها ) .

لم يبين حكم بقائها عند أبيها بعد تمام سبع سنوات إلى الزواج ؟ هل هو واجب؟ أم مستحب ؟ واللفظ محتمل لهما وللإباحة ، وبينه الشيخ البهوتي في " الروض المربع"([23]) بقوله : (وجوباً) .

المثال السادس : قول صاحب " زاد المستقنع " ، و " عمدة الطالب " في أول كتاب الصلاة : ( ويؤمر بها صغير لسبع ) .

لم يبين حكم أمر الولي لموليه الذي استكمل سبعاً بالصلاة هل هذا الفعل واجب على الولي أم مستحب ؟ واللفظ محتمل لهما .

والمذهب : يجب على ولي أمر الصبي الذي استكمل سبع سنين أن يأمره بالصلاة ، قال الشيخ البهوتي في " الروض المربع " : ( أي يلزم أن يأمره بالصلاة لتمام سبع سنين)([24])وقال مثل ذلك الشيخ عثمان النجدي في" هداية الراغب"([25]) .

والإبهاماتُ في الحكم كثيرة في " زاد المستقنع" ، ولا تكاد توجد في " دليل الطالب " ، فلا يذكر مسألة إلا ذكر حكمها في الغالب الأعم ، وهذا من أهم ما يتميز به " دليل الطالب " على زاد المستقنع " ، بل وعلى غيره من المتون .

المثال السابع : قول صاحب "زاد المستقنع" ، و"عمدة الطالب" ،و"كافي المبتدي" ،و"أخصر المختصرات" في مكروهات الصلاة وما يباح له : ( وإذا نابه شيء سبح رجل وصفقت امرأة ) .

والمراد : أنه إذا عرض للمصلي شيء ، واحتاج للكلام ، فإنه يسبح الرجل ، وتصفق المرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى .

وفيه إبهام في حكم التسبيح ، هل هو واجب أم مستحب ، والمذهب كما في شرح ابن النجار على كتابه "المنتهى"([26]) ، وشرح البهوتي عليه([27]) : أنه بإمام وجوبا ، وبمستأذن استحبابا .

المثال الثامن : قول صاحب "الروض المربع" في شروط الصلاة في المتنفل الراكب في السفر : ( ويومئ بهما ويجعل سجوده أخفض من ركوعه ) .

والمراد : أن من صلى نفلا في السفر وهو راكب يومئ ، أي : يشير برأسه للركوع والسجود ، ويجعل رأسه في سجوده أخفض منه في ركوعه ؛ لكن الحكم هنا مبهم هل يجعل سجوده أخفض من ركوعه وجوبا أم استحبابا ؟.

وقد بَيَّنَهُ في الإقناعِ ([28]) فقال : ( وجوبا إن قدر ) .


أمثلة على الإبهام في اللفظ :

المثال الأول : قول صاحب " زاد المستقنع" : ( كتاب الطهارة وهي : ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخبث) .

فقوله : ( وما في معناه) مبهم غامض يحتاج لبيان ، والمراد بها : أن ما في معنى ارتفاع الحدث يسمى طهارة ، كما أن ارتفاع الحدث يسمى طهارة ، وما في معنى ارتفاع الحدث : كل طهارة ليست عن حدث ، ولا يرتفع بها حدث كغسل يد القائم من نوم الليل ، فإنه لم يكن لحدث لحق باليد ، ولم يرتفع عنها حدث بعد غسلها ، ومع ذلك يسمى طهارة .

المثال الثاني : قول صاحب " زاد المستقنع " وغيره في باب الآنية : (إلا ضبة يسيرة) .

فقوله : (ضبة) مبهمة تحتاج لبيان ، وهي : ما يربط به بين طرفي المنكسر .

المثال الثالث : قول صاحب " زاد المستقنع " في باب صفة الصلاة :( ويشير بسبابتها في تشهده ) .

فقوله:(يشير)مبهمة بَيَّنَهَا البهوتي في "شرح المنتهى"([29])،بقوله:(بأن يرفعها )([30]).

المثال الرابع : قول الشيخ مرعي الكرمي في " دليل الطالب" ، وغيره في ذكر الأوقات المنهي عن الصلاة فيها : ( وهي من طلوع الفجر إلى ارتفاع الشمس قِيْد رمح) .

فقوله : (قِيْد رمح) مبهمة تحتاج إلى بيان ،والمراد بها : قدر رمح في رأي العين.

المثال الخامس : قول صاحب " زاد المستقنع" في المضاربة : ( وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف أو خسر جبر من الربح قبل قسمته أو تنضيضه ) ([31]) .

فقوله : ( تنضيضه ) مبهمة تحتاج إلى بيان ، وهي تحويل عرض التجارة إلى نقد، وهذا يذكرونه في شركة المضاربة .

والإبهام في اللفظ – سواء كان في جملة أو كلمة مفردة- نسبي ؛ فقد يكون مبهماً لأحد ، غير مبهم لآخر.


ومن الإبهامات في اللفظ التي تحتاج إلى بيان :

إطلاق المؤلف الحكم في المسألة بقوله بعدها: (مطلقاً) أو (على الإطلاق) ، وهي من العبارات المنتقدة في المتن ، لأنها تضع الطالب المبتدئ في حيرة ، فلا يدري الإطلاق عمَّاذا ؟ .

قال الشيخ الحجاوي في " حواشي التنقيح" : ( تنبيه : قد أكثر المصنف في هذا الكتاب – أي : التنقيح – من قوله : (مطلقاً) في نحو مائة وستين موضعاً ، ولم نر أحداً سلك هذا المسلك في كثرته غيره ، وذلك يحترز به أحياناً عن لفظة واحدة ، أو حكم واحد ، وربما يرد عليه غير ما يحترز منه ، ولو أتى بذلك مبيناً لكان أحسن وأبين ، فإن المبتدئ يقع في حيرة حيث لم يدر الإطلاق عمَّاذا فيحتاج أن يعلم ذلك من خارج، ولم تحصل له الفائدة التامة فلو بيَّن ذلك في الأصل كطريقة الموفق ، وغيره من أصحابنا ، وغيرهم لكان أولى ) ([32]) .

وأقول : قول العالم :( مطلقاً ) ليس منتقداً على كل حال ، بل قد يحتاج إليها الْمُخْتَصِرُ لمتن ما ؛ لكونها أخصر من التفصيل ، لكن بشرط أن ينبه على ما يستثنى من ذلك الإطلاق ، ولاشك كلما خلا المتن من هذه العبارة لكان أحسن وأجود .

ولابد أن يهتم الطالب ببيان كلمة ( مطلقاً ) ، وهي في الغالب مبينة في الشروح، ولا يكاد شارح للمتون الخمسة يتركها .


أمثلة على ذكر ( مطلقاً ) من بعض المتون :

المثال الأول : قوله في " زاد المستقنع " في آخر كتاب الأيمان : (أو – أي : حلف – على من لا يمتنع بيمينه من سلطان وغيره ففعله حنث مطلقاً) .

وهذا الإطلاق يحتاج إلى تبيين ، وقد بينه البهوتي بقوله : ( سواء فعله المحلوف عليه ، عامداً أو ناسياً ، عالماً أو جاهلا ) ([33]) .

المثال الثاني : قول الشيخ ابن بلبان في " أخصر المختصرات " في باب الطهارة : (الثالث – أي : من المياه – نجس يحرم استعماله مطلقاً) بينه الشارح بقوله : ( أي في العبادات وغيرها ولو لم يوجد غيره ) ([34]).

المثال الثالث : قول الشيخ ابن بلبان في " كافي المبتدي " في فصل صلاة الجماعة: ( ولا تصح خلف فاسق مطلقاً ) وهذا مبهم بينه الشارح بقوله : ( أي : سواء كان فسقه بالاعتقاد ، أو بالأفعال – ولو مستورا- أو بمثله ... الخ ) ([35]) .

المثال الرابع : قول الشيخ البهوتي في " عمدة الطالب " في باب شروط الصلاة : ( ويسن تعجيلها – أي العصر – مطلقاً ) وهذا مبهم بيَّنه الشارح بقوله ( أي : مع حر أوغيم ، أو غيرهما ) ([36]) .

هذا وللعلم : فإن أقل المتون المختصرة يوجد فيها كلمة ( مطلقاً) هو : " زاد المستقنع " فلا تتجاوز خمسة مواضع ، وأكثر من ذكرها : " كافي المبتدي " ، فإنه ذكر هذا اللفظ في خمسين موضعاً تقريباً ، ويليه " أخصر المختصرات " ففيه أربعون موضعاً تقريباً ، ويليه " دليل الطالب" الذي ذكرها في خمسة وعشرين موضعاً تقريباً.


ومن الإبهامات التي تحتاج أيضا إلى بيان :

المكاييل والأوزان ، كالصاع ، والمد ، والوسق ، والدينار ، والدرهم، والرطل ([37])وغيرها ،كذا المسافات كالفرسخ والبريد ([38])ونحوهما .

فيجب على الطالب أن يعرف هذه الأشياء بالمقاييس المعاصرة لأن العبادة متعلقة بها .


-------

([1]) انظر : التنقيح ص29 .

([2]) انظر : التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع ص31 .

([3]) انظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير 1/64.

([4]) 1/74 .

([5]) وأستثني من ذلك ذكرهم لشروط الصلاة وأركانه وواجباتها ، وكذا أركان الحج وواجباته ؛ لأنه قد يقال :إنما ذكروا الواجبات مع الشروط والأركان لبيان ما يترتب على ترك كل .

([6]) انظر : الإنصاف مع الشرح الكبير 28/ 341 .

([7]) انظر : الكشاف 3/123

([8]) انظر : حاشية النجدي على المنتهى 1/ 277

([9]) ص 125

([10]) انظر : الكشاف 4/ 41

([11]) انظر : شرح المنتهى 2/ 76

([12]) انظر : الروض المربع مع حاشية ابن قاسم 1/355 .

([13]) انظر : الروض المربع 2/480، وانظر أيضاً : هداية الراغب لشرح عمدة الطالب 1/294.

([14]) انظر : الروض الندي شرح كافي المبتدي 1/208 .

([15]) 1/222 .

([16]) 1/340.

([17]) انظر : الروض الندي شرح كافي المبتدي 1/235 .

([18]) انظر : شرح "المنتهى" للبهوتي 2/78 .

([19]) ص128 .

([20]) 1/262 .

([21]) انظر :الروض المربع مع حاشية ابن قاسم 5/259 .

([22]) 3/573.

([23]) المرجع السابق 7/162 .

([24]) انظر : حاشية الروض المربع 1/417 .

([25]) 1/158 ، وعلى تعبير صاحب كتاب المبتدي ، وأخصر المختصرات لهذه المسألة يكون الحكم واضحاً حيث قالا ( وعلى وليه أمره بها لسبع) انظر: كشف المخدرات 1/100 ، لأن (على) تفيد الوجوب ، قال الشيخ المرداوي : (على) ظاهرة في الوجوب أ.هـ كلامه رحمه الله ، انظر المقنع مع الشرح الكبير الإنصاف 6/112، وكون (على) تدل على الوجوب هذا عام في كل المتون والشروح الفقهية عند الحنابلة .

([26]) 2/192

([27]) 1/453

([28]) انظر : كشاف القناع 2/ 222

([29]) 1/407 .

([30]) وترفع الأصبع في التشهد أربع مرات عند ذكر الله تعالى الأول : التحيات لله ، الثاني : ورحمة الله ، الثالث : وعلى عباد الله ، الرابع : أشهد أن لاإله إلا الله . انظر : حاشية ابن عوض على الدليل 1/ 295

([31]) انظر : الروض المربع مع حاشية ابن قاسم 5/262 .

([32]) ص35 .

([33]) انظر: حاشية الروض المربع 7/494 .

([34]) انظر : كشف المخدرات 1/44 .

([35]) انظر: الروض الندي 1/176 .

([36]) انظر : هداية الراغب لشرح عمدة الطالب 1/171 .

([37]) و الذي أراه أقرب إلى الصواب في الصاع = 2،04 كيلوان وأربعون غراما ، والمد = 0,510 خمسمائة وعشرة غرامات ، والدينار الذي هو المثقال = 4،25 أربع غرامات وربع ،والدرهم = 2،975 غراما ، والرطل = 90 تسعون مثقالا ، ومن الغرامات يساوي الرطل = 382،5 ثلاثمائة واثنان وثمانون غراما ونصف .

([38]) البريد = 4 أربعة فراسخ ، والفرسخ = 3 ثلاثة أميال ، والميل = 6000 آلاف ذراع ، والذراع = 0،50 نصف متر تقريبا ، فيكون الميل بالأمتار= ثلاثة آلاف متر ؛ وهي = ثلاث كيلو متر ، فيكون الفرسخ = 9 تسع كيلو متر . 




انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.




انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.