قراءة ومراجعة لكتاب حل مشكلات أثر مجاهد في تفسير المقام المحمود

6 نوفمبر 2026
مدونة نَشر
قراءة ومراجعة لكتاب حل مشكلات أثر مجاهد في تفسير المقام المحمود


قراءة ومراجعة لكتاب:


حلُّ مشكلات أثر مجاهد في تفسير الـمقام المحمود.


بيانات الكتاب

اسم الكتاب: حلُّ مشكلات أثر مجاهد في تفسير الـمقام المحمود.

الـمؤلف: د. عيسى بن محسن بن عيسى النُّعمي.

دار النشر: مقاربة للنشر والتوزيع.

رقم الطبعة: الأولى.

سنة النشر: 1447ه/2025م.

عدد الصفحات: 100



مقدمة القراءة والمراجعة

من أبواب العلم الشريفة حلّ المشكلات، ففيه تزكية للفهوم، ونماء للعلوم، وتصحيح للمعارف، ومن ذلك العناية بحل مشكلات بعض الآثار الواردة عن أئمة السَّلف، ومن تلك الآثار: أثر مجاهد رحمه الله في تفسير المقام المحمود، وبيان ما قيل حوله خاصة ممن طعن في الأثر وأنكره.

ومن الكتب العالية النفيسة التي تناولت أثر مجاهد رحمه الله كتاب: "حلُّ مشكلات أثر مجاهد في تفسير المقام المحمود.. دراسة تحليلية لأبرز الاعتراضات التي أوردها بعض أهل السُّنَّة والجماعة على أثر مجاهد" للشيخ د. عيسى بن مُحسن بن عيسى النُّعمي.

وفي هذه المراجعة نعرف بالكتاب من خلال المحاور التالية:


أولًا: التعريف بموضوع الكتاب

يهدف الكتاب إلى تناول ما قيل حول أثر مجاهد رحمه الله في تفسير المقام المحمود من حيث الثبوت والدلالة، وبيان أنَّ هذا الأثر ثابت عن مجاهد رحمه الله، وأنّه لا إشكال فيه من حيث الدلالة؛ وأنَّ ما أُورد على الأثر من طعون وإشكالات -من قبل بعض أهل السُّنَّة والجماعة- لا تدلُّ على المطلوب من الطعن فيه ثبوتًا ودلالة.


ثانيًا: البنية العامة للكتاب

المقدمة.

الـمبحث الأول: أَثَرُ مجاهد، وموقف أهل السُّنَّة والجماعة منه.

الـمطلب الأول: إلـماحةٌ موجزة في ذكر حال الأخبار الـمرويَّة في تفسير الـمقام المحمود بإجلاس الربِّ لنبيِّه معه على العرش.

الـمطلب الثاني: في ذكر من قال بقبول أثر مجاهد من أهل السُّنَّة والجماعة.

 الـمطلب الثالث: في ذكر من قال من أهل السُّنَّة بنكارة أثر مجاهد وطعن في صحة مدلوله.

الـمبحث الثاني: مُشكلات أثر مجاهد.

الـمطلب الأول: الـمُشكلات الـمُتعلِّقة بالثبوت.

الـمطلب الثاني: الـمُشكلات الـمُتعلِّقة بالدِّلالة.

الخاتمة.


ثالثًا: عرض الكتاب

افتتح المؤلف بذكر البواعث التي دعته لكتابة هذا المرقوم، ومنها:

1. التباين بين موقف المتقدمين وموقف المتأخرين في الحفاوة بهذا الأثر وقبولهم له واحتجاجهم به.

2. أنَّ في تلمُّس مدرك الأئمة في الأخذ بمقتضى قول مجاهد فوائد جليلة، منها:

أولًا: أنَّه بابٌ عظيم في التفقُّه المنهجي، بالتأمُّل في منهجهم في تلقِّي الدِّين وطرائقهم في الاستدلال.

ثانيًا: أنَّه مع الإقرار بجواز الخطأ على آحادهم، إلَّا أنَّه عن مجموعهم أبعد، فضلًا عن جميعهم، لذا كانت معرفةُ محالِّ وفاقهم فيما انتهجوه من الأدلَّة، أو قرَّروه من المسائل = معيارًا تُحاكم إليه أوضاع المتأخرين وطرائقهم، لا العكس.

3. ورود سؤال على المؤلف من بعض أفاضل طلبة العلم يستعلم عن مأخذ الأئمة في قبول هذا الأثر مع ما ذُكر من نكارته.

4. الرَّغبة في تزكية الفَهم، بِصقْل مَلَكته، ومن أعظم أسباب ذلك: تسليطها على مثل هذه المشكلات، وتعاطي حلّها.


في المطلب الأول من المبحث الأول: إلماحةٌ موجزة في ذكر حال الأخبار المرويَّة في تفسير المقام المحمود بإجلاس الربِّ لنبيه ﷺ معه على العرش، وأورد المؤلف سؤالين اثنين، هما:

السؤال الأول: هل صحَّ شيءٌ من الأحاديث المرويَّة في تفسير المقام المحمود بإقعاد الربِّ تبارك وتعالى لنبيِّه ﷺ على العرش؟

السؤال الثاني: وإنْ لم يصحَّ، فهل ثبت ذلك التفسير في شيء من الآثار الواردة عن الصحابة أو التابعين؟


وقد أجاب المؤلف عن هذين السؤالين بإيجاز مكتفٍ بإيراد كلام أهل الشأن من الأئمَّة الحُفَّاظ دون الاسترسال في التخريج التفصيلي لـما رُوي في هذا الباب؛ لخروجه عن غرض البحث.


فأمَّا جواب السؤال الأول: فقد رُوي في تفسير المقام المحمود بإجلاس الرَّب تبارك وتعالى للنبي ﷺ عدِّة أحاديث كلها لم تثبت، ونقل في ذلك كلام ابن تيمية والذهبي رحمهما الله.

وأمَّا جواب السؤال الثاني: فقد ورد في تفسير المقام المحمود بإجلاس الربِّ لنبيه ﷺ على العرش عدَّة آثار، فممن أُثر عنه من الصحابة: عبد الله بن عبَّاس وعبد الله بن سلام رضي الله عنهما.

وممن أُثر عنه من التابعين: مجاهد بن جبر رحمه الله.

فأمَّا ما جاء عن ابن عباس وعبد الله بن سلام رضي الله عنهما فلا يثبت منه شي، ونقل المؤلف كلام الذهبي وابن ناصر الدمشقي وابن كثير رحمهم الله في ذلك.


وأمَّا أثر مجاهد رحمه الله فهو المعروف المشهور بين أهل العلم في تفسير المقام المحمود، فنقل المؤلف قول ابن ناصر الدمشقي رحمه الله في الأثر، وذكر أنَّ المرّوذي رحمه الله قد أفرد كتابًا أسماه الخلال رحمه الله بـ "المقام المحمود" فيه ردٌّ على من ردّ أثر مجاهد رحمه الله، طرَّق فيه قول مجاهد رحمه الله، مع ذكر أقوال الأئمة رحمهم الله في الانتصار له.


ومدار هذه الطُرُق على رواة منهم: ليث بن أبي سليم، وعطاء بن السَّائب، وأبو يحيى القتَّات، وجابر بن يزيد الجعفي.

ولا يصح منها إلَّا طريق ليث بن أبي سليم من الـمَغمَز، وصحَّ بذلك نسبته إلى مجاهد رحمه الله على تفصيل ذكره المؤلف.

وقد أشار المؤلف إلى أنَّه مع الاتِّفاق على ضعف ليث بن أبي سليم من جهة الحفظ؛ إلَّا أنَّ الأئمَّة يمايزون بين رواية مثله في الحديث والرِّواية عنهم في التفسير، فيتساهلون في الثاني دون الأول.

ومرادهم بالتَّساهل في أخذ التفسير عن هؤلاء الرُّواة: هو الرِّواية عنهم فيما يجري مَجْرى البيان اللُّغوي لمدلول الآيات ممَّا لم ينطوِ على حُكم.


في المطلب الثاني: ذكر المؤلف من قال بقبول أثر مجاهد من أهل السُّنَّة والجماعة، فقد ذكر المؤلف ثلاثين إمامًا ممن ذهبوا إلى القول بمقتضى أثر مجاهد رحمه الله، وذكر أيضًا بعض المعاصرين ممن قالوا به كـ: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمهما الله، وعبد الرحمن بن ناصر البراك.

وقد ذكر المؤلف منازعة الألباني رحمه الله في نسبة القول بمدلول أثر مجاهد رحمه الله إلى: ابن جرير الطبري وعلي بن عمر الدارقطني رحمهما الله، وأجاب المؤلف عمَّا أورده الألباني رحمه الله، وأبان عن ضعفه وأنَّه لا يدل على المطلوب.


ثم في المطلب الثالث: ذكر المؤلف من قال من أهل السُّنَّة بنكارة أثر مجاهد رحمه الله وطعن في صحة مدلوله، وأنَّ أول ظهور تاريخي -بحسب اطلاعه القاصر- للصَّدع بنكارة الأثر وردَّه كان من لدن ابن عبد البر رحمه الله، ثم خفت هذا القول، ثم عاود الظهور مع الذهبي وابن كثير رحمهما الله على تردُّد من الذهبي وتجاذب: بين ما يُشعر بقبوله للأثر تارة، كما في كتابه ©العرش®، والتردُّد بين الحكم بنكارته وقبوله تارة، كما في كتابه "العلو للعلي العظيم"، والحكم بنكارته تارة أخرى كما في كتابه "ميزان الاعتدال"، ثم بعدُ خفت الإنكار، ثم أعاده جذعًا الألباني رحمه الله، ثم فشا في المعاصرين.

ونقل المؤلف كلام ابن عبد البر والذهبي وابن كثير والألباني وابن عثيمين رحمهم الله.


وفي المبحث الثاني شرع المؤلف في بيان المُشكلات التي أوردها من طعن في الأثر وحكم بنكارته إمَّا المتعلقة بالثبوت أو المتعلقة بالدَّلالة.

ففي المطلب الأول تناول المؤلف المشكلات المتعلِّقة بالثبوت، فقد أجاب المؤلف عن المشكلة الأولى، وهي: عدم صحة طرق هذا الأثر إلى مجاهد رحمه الله، وليس في الباب حديث صحيح يشهد له، وكان جواب المؤلف على النحو التالي:

أولًا: لا يُسلَّم بعدم صحة جميع الطرق إلى مجاهد رحمه الله، فقد أثبت المؤلف صحته من طريق ليث بن أبي سليم عنه.

ثانيًا: على التسليم بعدم صحَّة الطرق إلى مجاهد رحمه الله، لكن لا يُسلَّم أنَّ فوات الصحة الإسنادية تستلزم عدم الصَّحة له مطلقًا وعدم الاحتجاج به؛ إذ من الطرق التي تُعرف بها صحَّة الرِّواية= تلقِّي أهل المعرفة بالحديث لها بالقبول، بل هو أقوى من الإسناد المنفرد، فليست الصحة، إذًا، موقوفة على الصحة الإسنادية فقط، ونقل المؤلف كلام ابن جرير وابن عبد البر رحمهما الله في تأكيد ذلك.

وإنما اعتُبر في التلقِّي أئمةُ الحديث ونُقَّاده= لكونهم أهل المعرفة بالأخبار، وطُرُقها، وأحوال حَمَلتها، ومَرَاتبهم في الصدق، ولهم من مسالك الاستدلال الجليَّة والخفيَّة على مطلوبهم ما قد يضل عن إدراكها الممارس للفننِّ -ممن دونهم- فضلًا عن غيره.

ثم ذكر المؤلف بعض الشواهد عن الأئمة فيها تصحيح الأثر إلى مجاهد، كإبراهيم الأصبهاني، وابن تيمية، والذهبي رحمهم الله.


ثم أورد المؤلف إشكالًا آخر، وهو: كيف تأتَّى للأئمة تصحيح الأثر مع ما قيل في رواته؟ أفَلَيس ذلك دليلًا على انخرام قواعدهم أو اضطرابهم في إعمالها؟

فأجاب المؤلف: بأنَّ قواعد علم النَّقد الحديثي، وكذا سائر العلوم الشرعية، ليست قواعد رياضية تُنزَّل دون مراعاة لخصوصية كلِّ مسألة بحالها= وإنما هي قواعد سياقية تفتقر إلى ذَوْق في توظيفها، ولا يُقصد هنا بالذَّوق ©ذوق التَّشهي والاعتباطية®= وإنما المقصود هنا ©ذوق الخبرة®، وإدراك ما تقتضيه طبيعة كل مسألة بخصوصها والقرائن التي تحتفُّ بها، وأورد قول الكشميري: "القواعد عصا الأعمى".

ثم أورد المؤلف على ما قرره خمس إشكالات وأجاب عنها جوابًا شافيًا، وأنَّها لا تدل على مطلوب من طعن في الأثر وحكم بنكارته.


وفي المطلب الثاني تناول المؤلف المشكلات المتعلقة بالدَّلالة، وتدور على أقطاب ثلاثة، أوردها المؤلف على هيئة منازعات، هي كالتالي:

أولًا: الـمُنازعة في حُجيَّة قول التابعي: وصورتها: أنَّه لو سُلِّم بصحة الإسناد إلى مجاهد رحمه الله، فهو قول تابعي، وأقوال التابعين ليست حُجَّة بمفردها.

ثانيًا: المنازعة في توقيفية قول مجاهد رحمه الله: ولها صورتان:

أحداهما: ادِّعاء احتمال تلقِّي مجاهد لهذا الخبر من أهل الكتاب، ونقل المؤلف كلام ابن عيّاش رحمه الله في ذلك.

والأخرى: ادِّعاء أنَّ منزع مجاهد رحمه الله في تفسيره هو الرأي والاستنباط لا التَّوقيف.


ثالثًا: الـمُنازعة في إمكان مدلول قول مجاهد رحمه الله.

وقد أجاب المؤلف عن هذه المنازعات.

 فأمَّا جواب المنازعة الأولى: عدم التسليم بأنَّ حَرْف المسألة ومَنَاطها هو حُجَّيَّة قول التابعي مُجرَّدًا عن القرائن؛ وذلك أنَّ حصول الإجماع على مدلول الأثر -وهو المعبَّر عنه بالتلقي بالقبول- يرتقي بالمسألة من "قول التابعي" إلى رتبة "الإجماع السكوتي"، ويكون قول التابعي هو موْرد الإجماع؛ فالاحتجاج به -إذًا- من جهة كونه إجماعًا لا من جهة كونه قولًا لتابعي.

وعلى تقدير التسليم بالدعوى، فلا يُسلَّم انتفاء مطلق الحجية؛ فإنَّ بعض من منع حجية قول التابعي في الفتيا احتجَّ به في التفسير، وكتب الأئمة شاهدة على الاحتجاج بتفاسيرهم، ويأتي في مقدمتهم: مجاهد رحمه الله، وأورد المؤلف قول خًصيف بن عبد الرحمن الحرَّاني رحمه الله، وذكر المؤلف بأنَّه لإمامة مجاهد رحمه الله في ذلك عوَّل عليه الأئمة كالشافعي والبخاري رحمهما الله تعالى، وغيرها من الأوجه التي أوردها في جواب المنازعة الأولى.


وأمَّا جواب المنازعة الثانية من أوجه:

الأول: عدم التسليم بكلتا دعوييها، أمَّا الدعوى الأولى: فإنَّ أدنى التفاتةٍ إلى مدلول الأثر يُعلم بها أنَّه أثر إسلامي يبعد معه أنْ يكون مما تلقاه مجاهد رحمه الله عن أهل الكتاب.

ثم على تقدير تحقق التوقّي من الأئمة لتفسير مجاهد رحمه الله، فلا يلزم منه ردّ كل ما ثبت عنه في التفسير، فمن المعلوم أنَّ دواوين الأئمة مشحونة من تفاسيره.

وأمَّا الدعوى الأخرى: فممنوعة؛ وسند المنع أمران:

الأول: استبعاد أنْ يكون الأثر من قبيل الاستنباط والرأي، ومجاهد أخشى لله تعالى من أنْ يتخوَّض في أمرٍ غيبي كهذا بلا برهان.

والآخر: تنصيص أهل العلم -المثبت للأثر والمُنكر له- على أنَّ قول مجاهد لا يُقال مثله بالرأي.


وأمَّا جواب المنازعة الثالثة: فالأثر منتف في حقه الإحالة العقلية والإحالة العادية، وأمَّا الإحالة الشرعية-ولعلها المقصودة عند من أطلقها- فقد ذكر المؤلف لها ثلاثة صور، وأجاب عنها.

 

رابعًا: أبرز النتائج التي قررها الكتاب

قرر الكتاب عددًا من النتائج، أبرزها:

1. ثبوت الأثر عن مجاهد رحمه الله.

2. على التسليم بعدم صحَّة الطرق إلى مجاهد رحمه الله، فلا يُسلَّم بأنَّ فوات الصحة الإسنادية تستلزم عدم الصَّحة له مطلقًا وعدم الاحتجاج به.

3. تزييف دعوى "تاريخية" القول بمقتضى أثر مجاهد، وأنَّه مخصوصٌ بزمان ردِّ الجهميَّة لهذا الأثر، وأنَّ الانتصار له -أصالةً- هو لدلالته التوكيديَّة على علوِّ الرَّب تعالى واستوائه على عرشه، لِـما في ذلك من مغايظة الجهميَّة نفاة الصفات.



خامسًا: السمات العامة للمعالجة

اتسم الكتاب بالاستقراء، والتحليل، والنقد، فاستقرأ ما قيل في الأثر من طعون وإشكالات، وحلل كلام الطاعنين وأبان عنه، وردَّ وأبطل ما أوردوه وأثاروه حول الأثر ثبوتًا ودلالة.


سادسًا: خلاصة مركزة

أثر مجاهد رحمه الله في تفسير المقام المحمود من الآثار السلفية التي تلقاها الأئمة بالقبول، وأثار بعض علماء أهل السُّنَّة عددًا من الطعون حول الأثر في الثبوت والدّلالة، وقد أجاب عنها المؤلف، وأثبت أنَّها لا تدلُّ على المطلوب.


ختامًا

يُنصح بقراءة الكتاب، والإفادة منه والانتفاع به من جهة المعلومات الواردة فيه، وكذلك كونه يُعدُّ نموذجًا عاليًا يُحتذى به في دراسة الآثار المُشكلة.



انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.


انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.