طريقة دراسة المتن الفقهي
أحمد بن ناصر القعيمي
الجزء الثاني
الأمر الثاني : تقييد المطلق ، وتخصيص العموم :
المطلق في اللغة : قال في المعجم الوسيط([1]) : ( ما لا يقيد بقيد أو شرط ، وغير المعين ، ومن الأحكام ما لا يقع فيه استثناء ) .
والمراد بتقييد المطلق في الفقه : أن يطلق العالم الحكم في مسألة بدون قيد – من شرط أو استثناء ، أو صفة – في حين أنها مقيدة .
أو يذكر العالم المسألة بصيغة تفيد العموم ، بدون تخصيص في حين أنها مخصصة، ومستثنى منها بعض الأفراد التي لا تدخل في ذلك العموم .
والمقيدات هي نفس مخصصات العموم :
وهي الاستثناء ، والشرط ، والصفة ، والغاية .
فإذا أطلق المصنف الحكم في مسألة ، وهي مقيدة على المذهب ، لابد أن يقيدها الطالب بذلك القيد ، وهذه التقييدات توجد غالباً في شروح ذلك المتن ، أو يذكرها الشيخ الشارح للمتن ، فينبغي للطالب عدم إغفال هذه الأمور المهمة .
أمثلة على ذلك:
المثال على التقييد بالصفة :ما ذكره صاحب " زاد المستقنع " في باب الاستنجاء في تحريم قضاء الحاجة تحت الشجرة التي عليها ثمرة بقوله : ( وتحت شجرة عليها ثمرة ) .
وكلمة : ( ثمرة ) مطلقة تشمل كل ثمرة مقصودة أو لا ، والمذهب : أنه لابد أن تكون ثمرة مقصودة ، وإلا فلا يحرم كما في " الإقناع " ([2]) ، و" شرح المنتهى" ([3]) ، و " غاية المنتهى" ([4]) .
المثال الثاني على التقييد بالصفة : ما ذكره صاحب " زاد المستقنع " في باب المسح على الخفين بعد ذكر ما يجوز المسح عليه قال : ( إذا لبس ذلك- أي ما تقدم من الخفين ونحوهما ، والعمامة والخمار والجبيرة – بعد كمال الطهارة ) .
وقوله : ( بعد كمال الطهارة ) يشمل ما إذا كانت الطهارة التي تشترط لجواز المسح على الخفين ونحوه ، طهارة ماء –التي هي الوضوء– وطهارة تيمم ، والمذهب : أنه لا بد من طهارة الماء فقط ، ولذلك قيد البهوتي هذا الإطلاق بقوله بعد ذلك : (بالماء) ([5]) .
المثال الثالث على التقييد بالشرط : قول صاحب " زاد المستقنع " – وغيره كصاحب " كافي المبتدي " – في كتاب القصاص ( تقتل الجماعة بالواحد).
وهذا ليس على إطلاقه ، بل مقيد بما إذا صلَح ([6]) فعل كل واحد منهم للقتل ، وإن لم يصلح فعل أي واحد منهم للقتل فلا يقتل ، وقد قيده الشيخ البهوتي –وغيره- في الروض بقوله : ( إن صلَح فعل كل واحد لقتله ) ([7]) .
المثال الرابع على التقييد بالغاية : قول صاحب " أخصر المختصرات " – ومثله في " زاد المستقنع " ([8]) ، و" عمدة الطالب " ([9]) في آداب الاستنجاء:( وسُنَّ ... بُعْدُهُ في فضاء ) .
أي : يسن لمن أراد أن يقضي حاجته في فضاء – كصحراء – أن يبتعد ، وهذا البعد مطلق ليس له حد ولا غاية على كلام الماتن ، وهو مقيد بغاية وهي : إلى مكان لا يرى فيه جسده ، قال في " كشف المخدرات شرح أخصر المختصرات" : (وسن بعد في فضاء حتى لا يُرى ) ([10])، وقال الشيخ البهوتي في " الروض المربع " : ( ويستحب (بعده) إذا كان ( في فضاء) حتى لا يراه أحد ) ([11]) .
المثال الخامس على التقييد بالغاية : قوله في " زاد المستقنع " في كتاب الصلاة في باب شروط الصلاة : ( وتعجيلها – أي صلاة الظهر – أفضل إلا في شدة حر ) .
أي : يستحب تعجيل الظهر وفعلها في أول وقتها ، إلا إذا اشتد الحر فيستحب التأخير ، وهذا مطلق فليس فيه غاية لهذا التأخير ، وقد بين البهوتي هذه الغاية بقوله ( إلا في شدة حر ) فيستحب تأخيرها إلى أن ينكسر ) ([12]) .
وقال الشيخ البهوتي أيضاً في " عمدة الطالب " : ( وتعجيلها أفضل إلا في شدة حر حتى ينكسر ) ([13])
المثال السادس على التخصيص بالاستثناء : قوله في " أخصر المختصرات " في فصل الآنية : ( والمنفصل من حي كميتته ) ([14]) ، ومثله في "زاد المستقنع"([15]).
وهذا يفيد أن كل ما انفصل من حيوان حي فهو كميتته طهارة ونجاسة ، فإن كانت ميتته نجسة – كالشاة – فالمنفصل منه – وهو حي –نجس ، وإن كانت ميتته طاهرة – كالسمك – فالمنفصل منه وهو حي طاهر ، إلا أنه يستثنى من هذه المسألة مسائل أوصلها الشيخ منصور البهوتي في " كشاف القناع" ([16]) – وتابعه الشيخ عثمان النجدي في " هداية الراغب " – إلى خمسة ، منها : الطريدة إذا قطع منها شيء فإنه طاهر ، والولد ، والمسك وفأرته .
المثال السابع على التخصيص بالاستثناء : قوله في زاد المستقنع، وعمدة الطالب ، وكافي المبتدي في باب صلاة الجماعة : ( وتطويل الركعة الأولى أكثر من الركعة الثانية ) .
أي : يسن لإمام وغيره أن يطول الركعة الأولى أكثر من الركعة الثانية ، إلا أنه يستثنى من ذلك حالتان ، وهما : إذا كانت الثانية أطول من الأولى بيسير كما في صلاة الجمعة ؛ يسن في الركعة الأولى قراءة سبح – وهي أقصر من الغاشية – وفي الثانية الغاشية ، وكذا صلاة الخوف في الوجه الثاني ، السنة أن تكون الثانية أطول من الأولى لكي تدركها الطائفة الثانية ، وبذلك قيده الشراح كالشيخ البهوتي في " الروض المربع ([17]) " ، والشيخ النجدي في " هداية الراغب ([18]) " ، والشيخ البعلي في " الروض الندي شرح كافي المبتدي ([19]) " .
المثال الثامن على التقييد بالشرط : قوله في «زاد المستقنع» و «عمدة الطالب»([20]) في آخر الجنائز : ( تسن زيارة القبور إلا لنساء ) .
أفادا أنه : تسن زيارة القبور للرجال ، ويشمل ذلك ما لو كان مع سفر أو بدونه ، إلا أن إطلاق السنية مقيد بكونه إذا كان بدون سفر ، وأما إذا كان مع سفر فلا تسن زيارة القبور ، كذا قيده به في الإقناع ، والغاية ، وقيد البهوتي به إطلاق المنتهى ،وقال في "كافي المبتدي" ([21]) : ( وسن لذكور زيارة قبر مسلم بلا سفر ) .
المثال التاسع : التقييد بالاستثناء ،والغاية: قال في « زاد المستقنع » في فصل البيوع المنهي عنها التي بعد شروط البيع : (ولا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني ) .
فهنا أطلق الحجاوي العبارة ، بينما هي مقيدة بما إذا لم يكن ثمَّ حاجة ؛فإن كان ثمَّ حاجة لم يحرم ، ولذا قال البهوتي في "الروض المربع" : (ويصح) بعد النداء المذكور البيع لحاجة كمضطر إلى طعام أو سترة ونحوهما إذا وجد ذلك يباع) .
وعبارة عمدة الطالب ([22]) ، ونحوها عبارة كافي المبتدي ([23]) :( ولا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني إلا لحاجة ) .
والمسألة أيضا مقيدة بقيد آخر وهو غاية هذا التحريم فليس مستمرا طوال يوم الجمعة ؛ بل إلى انقضاء الصلاة فقط ([24]) .
المثال العاشر : التقييد بالشرط : قول صاحب دليل الطالب([25])وغيره في كتاب الصيام في سننه : ( تعجيل فطر ) .
أي:يسن للصائم تعجيل الفطر ؛ ولكنه مقيد بما إذا تحقق غروب الشمس ، وأما إذا ظن غروبها فيباح له الفطر ولا يسن ، وإذا شك في غروبها حرم عليه الفطر([26]).
الأمر الثالث : بيان مخالفة المذهب :
ينبغي للطالب ، وأولى منه الشيخ الشارح ، التنبه والحرص على بيان مخالفات المتن للمذهب ، وكل المتون الخمسة المختصرة التي هي : " زاد المستقنع" ، و"دليل الطالب " ، و " عمدة الطالب " ، و" كافي المبتدي " ، و" أخصر المختصرات" ، لا تخلو من مسائل مخالفة للمذهب ، ولكنها مسائل يسيرة ، وأكثر متن فيه مسائل مخالفة للمذهب " زاد المستقنع" ثم " كافي المبتدي " لكن مخالفاته قليلة جدا بالنسبة للزاد ، ثم " دليل الطالب " و " عمدة الطالب " و" أخصر المختصرات " ، وفي المتون الثلاثة الأخيرة مخالفات يسيرة جدا ، وقد بَيَّنَ الشراح لهذه المتون تلك المسائل في الغالب .
ويقتصر الطالب على ما ذكره الشيخ الشارح من المخالفات .
و ينبغي عند ذكر مسألة مخالفة للمذهب لأي متن من المتون مراعاة ما يلي :
الأول : التأكد من ذكر الشارح ، أو المحشي لذلك المتن لتلك المخالفة .
الثاني : إذا لم يذكرها ينبغي إعادة النظر فيها كثيرا حتى لا يقع الباحث في خطأ .
الثالث : المخالفة للمذهب إنما تكون لما اتفق عليه كتابا " المنتهى"و"الإقناع ".
الرابع : لا بد أن يكون الحكم – الذي خالف المؤلف فيه الحكمَ في المذهب – موافقا لرواية أو وجه أو احتمال أو قول في المذهب ، فإن لم يوجد فيما ذكر ما يوافق الحكم الذي ذكره المؤلف فينبغي أن تؤوّل المسألة بما يوافق المذهب لا بما يخالفه إذا أمكن ذلك ؛ لأن المؤلف ألف كتابه ملتزما ببيان مذهب الإمام أحمد لا غيره ، وهذا ما فعله الشيخ المرداوي في تصحيحه للخلاف المطلق في " المقنع " ([27]) و " الفروع"([28])، ومثله الشيخ محمد الهبدان في تحقيقه " لزاد المستقنع" ، وإن اقْتُصِرَ على موافقة "الإنصاف " ، أو " التنقيح " ، أو " الإقناع " ، أو " المنتهى " ، أو الغاية ، أو كلها ، أو مخالفتها كلها أو بعضها فلا بأس كما هو صنيع الشيخ البهوتي في الروض وغيره،ومثله الشيخ سلطان العيد في المدخل إلى"زاد المستقنع"([29])
ويقتصر الطالب على ما يذكره شيخه من المخالفات ولا يبحثها بنفسه .
أمثلة على مخالفات للمذهب من المتون الخمسة :
المثال الأول : قول صاحب " زاد المستقنع" في باب الغسل : ( ويعبر- أي : الجنب – المسجد لحاجة ) وهو أحد القولين في المذهب ، قال في الإنصاف : ( وقيل : لا يجوز إلا لحاجة وهو ظاهر ما قطع به في المغني والشرح والمجد في شرحه وابن عبيدان وابن تميم وصاحب مجمع البحرين : والحاوي الكبير وغيرهم لاقتصارهم على الإباحة لأجل الحاجة وصرح جماعة منهم بذلك وحمل ابن منجا في شرحه كلام المصنف على ذلك) ([30]) .
والمذهب : يجوز للجنب عبور المسجد – من غير لبث – لحاجة وغيرها كما في " الإنصاف " و" الإقناع " ([31]) و " المنتهى " ([32]) و " الغاية " ([33]) .
المثال الثاني : قوله في " زاد المستقنع" في كتاب الحج باب الفدية : ( فيطعم كل مسكين مدا أو يصوم عن كل مد يوما )
وقد خالف المذهبَ في أمرين : في مقدار الإطعام ، وفي الصوم عن الإطعام ، فالمذهب في مقدار الإطعام أن يطعم كل مسكين مدا من البر أونصف صاع من غيره ، وإن أراد أن يصوم فإنه يصوم عن كل إطعامِ مسكينٍ يوماً .
وهو الذي جزم به في " الإقناع " ([34]) ، و " المنتهى " ([35]) ، و" الغاية ([36]) " ، وغيرها.
قال الشيخ المرداوي في " الإنصاف " : ( ظاهر قوله ([37]) : " فيطعم كل مسكين مدا " أنه سواء كان من البر أو من غيره وكذا هو ظاهر الخرقي وأجراه ابن منجا على ظاهره وشرح عليه ولم يتعرض إلى غيره .
وقال الشارح : والأولى أنه لا يجزئ من غير البر أقل من نصف صاع لأنه لم يرد في الشرع في موضع بأقل من ذلك في طعمة المساكين .
قال الزركشي : هذا المنصوص وهو المشهور وجزم به في الرعاية الصغرى والحاويين والمحرر .
قلت ([38]) : وهو المذهب المنصوص .
وظاهر قوله أيضا : " أو يصوم عن كل مد يوما " أنه سواء كان من البر أو من غيره وهو ظاهر كلام الخرقي أيضا وتابعه في الإرشاد والجامع الصغير وعقود ابن البنا والإيضاح وقدمه في التلخيص والشرح وهو رواية أثبتها بعض الأصحاب .
والصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب أنه يصوم عن طعام كل مسكين يوما قدمه في الفروع وجزم به في المحرر والرعاية الصغرى والحاويين . ) ([39]) .
المثال الثالث : قول صاحب "دليل الطالب " في فصل مبطلات الصلاة : (يبطلها .. وبالأكل والشرب سوى اليسير عرفا لجاهل وناس )
أي : أن الصلاة تبطل بالأكل والشرب عمدا مطلقا سواء كانت الصلاة فرضا أو نفلا ، إلا إذا كان الأكل والشرب يسيرا من جاهل وناس في الفرض والنفل .
وكون يسير الشرب من العامد في النفل مبطلا لها هو : رواية عن الإمام أحمد ، وليس المذهب ، بل هو مخالف للمذهب ، لأن المذهب أنه : لو شرب المصلي نفلا شرابا يسيرا عمدا لم تبطل صلاته ، وقد قال صاحب نيل المآرب ( ولا نفل بيسير شرب عمدا ) ([40]) ، وهو ما جزم به في " المنتهى " ([41]) ، و " الإقناع " ([42]) ، و"الغاية " ([43]) ، و" التنقيح " ([44]) .
قال الشيخ المرداوي في " الإنصاف " : ( وإن كان في نفل ، فتارة يكون كثيرا ، وتارة يكون يسيرا ، فإن كان كثيرا بطلت الصلاة ، وإن كان يسيرا فظاهر كلام المصنف([45]) أنها تبطل أيضا ، وهو إحدى الروايات قال الشارح : هذا الصحيح من المذهب قال في الكافي بعد أن قدمه : هذا أولى ، قال ابن رزين : وقدمه ابن تميم والرعايتين والحاويين وإدراك الغاية قال في الحواشي : قدمه جماعة .
والرواية الثانية : لا تبطل قدمه في الفروع ومجمع البحرين ونصره فهو إذن المذهب وأطلقهما في الهداية والمذهب والمستوعب والهادي والتلخيص وشرح المجد والمحرر والخلاصة والفائق .
والرواية الثالثة : تبطل بالأكل فقط، قال ابن هبيرة : هي المشهورة عنه قال في الفروع : هي الأشهر عنه ) ([46]) .
المثال الرابع : قول صاحب " دليل الطالب " في أول كتاب الزكاة : ( الثالث – أي من شروط الزكاة – ملك النصاب تقريبا في الأثمان ، وتحديدا في غيرها ).
وقد خالف المذهب في الاقتصار على جعل النصاب تقريبا في الأثمان فقط ، ويفهم من ذلك أن النصاب في العروض تحديد ([47]) ؛ لأنه داخل في قوله : ( وتحديدا في غيرها ) ، وليس الأمر كذلك على المذهب ، بل المذهب : أن النصاب في الأثمان والعروض : تقريب فلا يضر نقص يسير ، وفيما عداها تحديد كالسائمة ، والزروع والثمار كما مشى عليه في " الإقناع " ([48])،و"المنتهى" ([49])،و" الغاية " ([50]).
المثال الخامس : قول صاحب " أخصر المختصرات " في فصل القصر والجمع بين الصلاتين : ( وكره فعله – أي الجمع – في بيته ونحوه بلا عذر ) ([51]) .
وقد خالف المذهب في جعل الجمع بين الصلاتين مع الأعذار التي تبيح الجمع في البيت مكروها إلا بعذر ، بل المذهب يجوز ذلك بلا كراهة بعذر أو لا ، قال الشيخ ابن جامع : ( وهذا خلاف ما في " الإقناع " ([52]) و " المنتهى " ([53]) من عدم تقييدهم عدم الكراهة في الصلاة في البيت بعذر أو غيره ، وهو الصحيح ، فيباح الجمع مع هذه الأعذار المتقدمة ، حتى لمن يصلي في بيته ) ([54])
المثال السادس : قول صاحب "أخصر المختصرات " في كتاب الجنائز : (ويجب – أي : الإسراع – في نحو تفريق وصية ) ([55]) .
والمذهب : يسن الإسراع في تفريق وصية الميت ولا يجب ، قال الشيخ ابن جامع : ( والصحيح:يسن ،كما مشى عليه في " الإقناع" ([56]) ، و" المنتهى" ([57]) ) .
المثال السابع : قول الشيخ البهوتي في " عمدة الطالب " – ومثله في " زاد المستقنع" – في آخر كتاب الغصب : ( كربط دابة بطريق ضيق ) .
أي : من ربط دابة بطريق ضيق فإنه يضمن ما تلف بها ، وتقييده بالطريق الضيق مخالف للمذهب ، والمذهب : يضمن بربطه دابة حتى لو كان الطريق واسعا ، قال الشيخ عثمان النجدي في " هداية الراغب لشرح عمدة الطالب " : ( وكذا لو ربط دابة أو أوقفها بطريق واسع ) ([58]).
وهذا هو المجزوم به في " الإقناع " ([59]) ، و "المنتهى" ([60]) ، و" الغاية"([61]).
المثال الثامن : قول صاحب " كافي المبتدي " في باب صفة الصلاة : ( ثم يقول : الله أكبر رافعاً يديه إلى حذوِ منكبيه أو فروع أذنيه ) ([62]).
وظاهره : يخير المصلي في رفع يديه للتكبير إما إلى حذو منكبيه ، وإما إلى فروع أذنيه استحباباً ، وهذا إحدى الروايات في المذهب ، والمذهب المعتمد : لا يخير ؛ بل المختارُ أن يرفع يديه إلى حذو منكبيه، وهو ما مشى عليه في " الإقناع " ([63]) ، و" المنتهى" ([64]) ، و " الغاية " ([65]).
قال في " الإنصاف " : (قوله ([66]) : " إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه " هذا إحدى الروايات يعني أنه يخير واختاره الخرقي وجزم به في العمدة والكافي والجامع الصغير والشرح وتجريد العناية والبلغة والنظم والإفادات وابن رزين وقال : لا خلاف فيه ، وغيرهم . قال في الفروع : وهو أشهر وقدمه في التلخيص ، وعنه : يرفعهما إلى حذو منكبيه فقط وهو المذهب ) ([67]) .
المثال التاسع : قول صاحب " كافي المبتدي " في فصل مكروهات الصلاة وما يسن فيها :(وسن ...الفتح على إمامه إذا أغلق عليه ، ويجب في الفاتحة) ([68]).
وهو صريح في سنية الفتح على الإمام إذا أغلق عليه في قراءة غير الفاتحة ، والمذهب : أن ذلك مباح في غير الفاتحة ، على ما في "الإقناع" ([69]) ، و "المنتهى" ([70])، و" غاية المنتهى " ([71]) .
الأمر الرابع : الاهتمام بترتيب المسائل :
ترتيب مسائل الباب مهم جداً يزيد من تصور الطالب للباب أكثر مما لو كانت مسائله غير مرتبة ، ومن أكثر المتون المختصرة التي تحتاج أبوابه إلى ترتيب هو " زاد المستقنع " ، ولو اتبع ما في "المقنع" من الترتيب لكان أولى ، ومن أفضل المتون ترتيباً لمسائل الباب هو " دليل الطالب " ، فانظر مثلاً لباب الفدية في " زاد المستقنع " ([72]) حيث قال :
باب الفدية
يخير بفدية حلق وتقليم وتغطية رأس وطيب ولبس مخيط بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مد بر أو نصف صاع تمر أو شعير أو ذبح شاة .
وبجزاء صيد بين مثل إن كان أو تقويمه بدراهم يشترى بها طعاماً فيطعم كل مسكين مدا أو يصوم عن كل مد يوماً وبما لا مثل له بين إطعام وصيام .
وأما دم متعة وقران فيجب الهدي فإن عدمه فصيام ثلاثة أيام والأفضل كون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع إلى أهله والمحصر إذا لم يجد هدياً صام عشرة أيام ثم حل .
ويجب بوطء في فرج في الحج بدنة وفي العمرة شاة وإن طاوعته زوجته لزماهاأ.هـ
وقال في دليل الطالب([73]) :
باب الفدية
وهي : ما يجب بسبب الإحرام أو الحرم .
وهي قسمان : قسم على التخيير ، وقسم على الترتيب.
فقسم التخيير : كفدية اللبس والطيب وتغطية الرأس وإزالة أكثر من شعرتين أو ظفرين والإمناء بنظرة والمباشرة بغير إنزال مني يخير بين ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره .
ومن التخيير جزاء الصيد يخير فيه بين المثل من النعم أو تقويم المثل بمحل التلف ويشتري بقيمته طعاماً ما يجزئ في الفطرة فيطعم كل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً .
وقسم الترتيب : كدم المتعة والقران ، وترك الواجب ، والإحصار ، والوطء ونحوه فيجب على متمتع وقارن وتارك واجب دم فإن عدمه أو ثمنه صام ثلاثة أيام في الحج والأفضل كون آخرها يوم عرفة ويصح في أيام التشريق وسبعة إذا رجع إلى أهله .
ويجب : على محصر دم فإن لم يجد صام عشرة أيام . ثم حل .
ويجب : على من وطء في الحج قبل التحلل الأول أو أنزل منيا بمباشرة أو استمناء أو تقبيل أو لمس لشهوة أو تكرار نظر : بدنة فإن لم يجدها صام عشرة أيام : ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع .
وفي العمرة إذا أفسدها قبل تمام السعي شاة .
والتحلل الأول : يحصل باثنين من رمي وحلق وطواف ويحل له كل شيء إلا النساء والثاني: يحصل بما بقي مع السعي إن لم يكن سعى قبل.)
فانظر ماذا يفيده ترتيب " دليل الطالب " ، وما يفيده عدم ترتيب " زاد المستقنع " ، فينبغي للطالب وللشيخ الاهتمام بترتيب الباب حتى يحيط بكل مسائله بشكل سهل وميسر.
الأمر الخامس : الاهتمام بالحدود والضوابط:
يجب على طالب العلم أن يهتم ويعرف ضوابط تتكرر معه مثل :
- ضابط الماء القليل والكثير.
- ضابط الإنقاء المجزئ في الاستنجاء والاستجمار .
- ضابط النية المجزئة في الوضوء والتيمم والصلاة والزكاة والصيام.
- ضابط القيام المجزئ في الصلاة ، والركوع والسجود المجزئ .
- ضابط المكيل والموزون .
- ضابط الغبن ، والعيب الذي يثبت به الخيار .
- ضابط المثلي والقيمي.
- ضابط القبض المعتبر للتصرف في المبيع .
- ضابط ربا النسيئة والفضل .
- ضابط الإطعام للمسكين من حيث الجنس والمقدار .
وغيرها من الضوابط الكثيرة والمهمة .
الأمر السادس : الاهتمام بأدلة المسائل :
يجب على الطالب والشيخ أن يهتم بأدلة مسائل المتن الذي يَدْرسُهُ أو يُدَرِّسه ، ووجه الاستدلال من الدليل ، وسواء كان الدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس ، أو تعليلاً أو غير ذلك ، وكتب الحنابلة –خاصة شروح البهوتي- مشحونة بالأدلة لا يتعنى من أراد دليلاً للمسألة أو تعليلاً ، لكن قد يتعب الطالب في الحصول على وجه الدلالة ، ومن أفضل كتب الحنابلة ذكراً لأدلة المسائل ، منار السبيل لابن ضويان ، والممتع شرح المقنع للشيخ التنوخي ، فإنه لا يكاد يذكر مسألة من مسائل المقنع إلا أعقبها بذكر دليل لها أو تعليل ، ومن أعظم الكتب التي اعتنت بأدلة المذهب شرح شيخ الإسلام ابن تيمية لعمدة الفقه لابن قدامة ، وقد أبدع الشيخ في شرح المسائل والاستدلال لها والاستطراد فيها حتى يطول به المقام مع ذكر الطرق والزيادات في الحديث الواحد والكلام عليها ، والتوفيق بينها ، والانتصار للمذهب ، وقد صار شرحه مثقلاً بالأدلة والآثار من مصادر موجودة ومفقودة .
ومن الأمثلة على أدلة لمسائل فقهية ما يلي :
المثال الأول : الأصل أن زوال العقل ، أو تغطيته – كالنوم- ينقض الوضوء ؛ إلا أنه يستثنى من ذلك ما لو كان النوم يسيرا من جالس أو قائم فلا ينتقض الوضوء فيهما .
والدليل على النقض بالنوم : حديث علي – رضي الله عنه – مرفوعا : ( العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ ) ([74]) .
ودليل استثناء النوم اليسير من الجالس : حديث أنس رضي الله عنه :(كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ينتظرون العشاء الآخرة، حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضئون ) ([75]) .
ودليل استثناء النوم اليسير من القائم : قول ابن عباس في قصة تهجده - صلى الله عليه وسلم – ( فجعلت إذا غفيت يأخذ بشحمة أذني) ([76]) .
المثال الثاني : يسن على المذهب أن يبتدئ رفع يديه مع التكبير ، وينهي التكبير مع انتهاء الرفع ، قال في الإقناع وشرحه([77]) : (ويكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، وانتهاؤه) أي: الرفع (مع انتهائه) أي: التكبير ) .
ويدل على ذلك : ما رواه وائل بن حجر- رضي الله عنه – أنه :(رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه مع التكبير ) ([78]) .
المثال الثالث : في مسألة محل سجود السهو : يجوز على المذهب أن يسجد لكل سهو قبل السلام وبعده ، إلا أن الأفضل عندهم أن يكون كله قبل السلام إلا إذا سلم عن نقص ركعة أو أقل فالأفضل أن يكون بعد السلام .
ويدل على جواز كون سجود السهو قبل السلام أو بعده ما يلي :
حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ؟ أثلاثا أم أربعا ؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ) ([79]) .
وجه الدلالة : أنه يدل على السجود للسهو قبل السلام .
وحديث ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم ) ([80]) .
وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه مرفوعا : ( من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم ) ([81]) .
وجه الدلالة : دل الحديثان على أنه يشرع السجود للسهو بعد السلام .
وعن زياد بن علاقة قال صلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في الركعتين، قلنا: سبحان الله، قال: سبحان الله ومضى، فلما أتم صلاته وسلم، سجد سجدتي السهو، فلما انصرف، قال:( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصنع كما صنعت) .
قال أبو داود:... وفعل سعد بن أبي وقاص مثل ما فعل المغيرة، وعمران بن حصين، والضحاك بن قيس، ومعاوية بن أبي سفيان، وابن عباس، أفتى بذلك وعمر بن عبد العزيز،قال أبو داود:(وهذا فيمن قام من ثنتين، ثم سجدوا بعد ما سلموا) .
وجه الدلالة : أنه سجد للسهو بعد السلام وهو قد سلم عن نقص التشهد الأول.
المثال الرابع : ويسن – على المذهب وهو من المفردات – لمن كان قارنا أو مفردا فسخ نيتهما بالحج وينويان) بإحرامهما ذلك (عمرة مفردة فإذا فرغا منها) أي: العمرة (وحلا أحرما بالحج ليصيرا متمتعين ما لم يكونا ساقا هديا) ([82]) .
قال البهوتي :( لأنه صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم – (أمر أصحابه الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي) متفق عليه([83]) ،وقال سلمة بن شبيب : لأحمد كل شيء منك حسن جميل إلا خصلة واحدة فقال: وما هي قال تقول: بفسخ الحج قال كنت أرى لك عقلا عندي ثمانية عشر حديثا جيادا صحاحا كلها في فسخ الحج أتركها لقولك؟ وقد روى فسخ الحج إلى العمرة ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة وأحاديثهم متفق عليها،ورواه غيرهم من وجوه صحاح ) ([84]) .
المثال الخامس : لو حلف بطلاق امرأته ، ووقع الشرط طلقت امرأته .
والحلف بالطلاق : أن يعلق طلاق امرأته على شرط يقصد به المنع ، أو الحث ، أو التصديق ، أو التكذيب .
كأن يقول لزوجته : إن ذهبتي بيت فلانة فأنت طالق يريد منعها من الذهاب ؛ فإذا ذهب طلقت .
ويدل على وقوع الطلاق المحلوف به : ما قاله البخاري في صحيحه ([85]) : وقال نافع: طلق رجل امرأته البتة إن خرجت فقال ابن عمر: ( إن خرجت فقد بُتَّتْ([86]) منه، وإن لم تخرج فليس بشيء) .
والحكم التكليفي للحلف بالطلاق: مكروه ،وينصون عليه في الأيمان.
أهمية حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية :
لا يليق بطالب علم ألا يحفظ القرآن الكريم ، إذ كيف يريد أن يحفظ ويفهم المسائل الكثيرة وهو لا يحفظ كلام الله تعالى !
قال تعالى : ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) سورة العنكبوت ، فسمى الله تعالى من يحفظ كتابه بالذين أوتوا العلم .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ) ([87]) .
فكيف يُفَوِّتُ طالبُ العلمِ هذه الدرجات ؟!
وأيضا ينبغي ألا يخلي طالب العلم نفسَهُ من حفظ السنة النبوية ، ولا يقدم عليها شيئا .
وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لمن حفظ كلامه ؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا : (نضَّر الله امرأً سَمِع مقالتي فوَعَاها وحَفِظها وبَلَّغها، فرُبَّ حامل فِقْه إلى مَن هو أفقه منه( ([88]) .
ومن أعظم فوائد حفظ السنة: الأدعية والأذكار التي تشرع في الصلاة كالاستفتاح ، والتسبيح ، والتشهدات ، واستحضار أدلة الأحكام الشرعية ، وغير ذلك .
كتب أحاديث الأحكام الحنبلية :
قد ألف أصحابنا – رحمهم الله – كتبا كثيرة في أحاديث الأحكام ، وسألقي الضوء على ما وقفت عليها منها مما هو مطبوع ، وهي:
1- عمدة الأحكام : للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ( ت 600 ) رحمه الله ، وقد ألفها مقتصرا على الأحاديث المتفق عليها بين البخاري ومسلم – رحمهما الله – وعدد أحاديثها : ( 430 ) حديثا .
2- العُمْدَةُ الْكُبْرَى في أَحادِيثِ الأَحْكامِ : للحافظ عبد الغني أيضا صاحب عمدة الأحكام ، وذكر فيها : ( 949 ) حديثا .
3- المُحَرَّرُ في الحَدِيْثِ : للإمام الحافظ محمد بن أحمد الجماعيلي الصالحي المعروف بابن عبد الهادي (ت 744 ) .
جمعه من عدة كتب كالكتب السبعة وغيرها ، وتميز بذكر الحكم على كثير من الأحاديث إما من عنده وأما نقلا عن غيره ،ورتبه على ترتيب فقهاء الحنابلة ، وقد بدأه بالطهارة وختمه بكتاب الجامع في الآداب والطب ، وعدد أحاديثه : (1324) حديثا .
1- كِفَايَةُ المُسْتَقْنِعِ لِأَدِلةِ المُقْنِعِ(الانتصار في أحاديث الأحكام) :للحافظ جمال الدين يوسف بن محمد بن عبد الله المرداوي المقدسي( ت 769 هـ).
وجمعه من الكتب السبعة وغيرهم ،ويتكلم على بعض رواته وأحاديثه نقلا عن الأئمة الأعلام، وقال في ترتيبه : ( وجعلته مبوبا على أبواب الفقه ليسهل تناوله على من أراد ذلك أو رام ، وقرَّبته من أبواب كتاب "المقنع" في الفقه لينتفع به من أراده من جميع الأنام )
وبدأه بكتاب الطهارة ،وختمه بباب في الأحاديث الجامعة التي يدور عليها كثير من أمور الفقه ؛ وذكر فيه سبعة أحاديث .
وعدد أحاديث الكتاب : ( 1777) حديثا .
2- إِحكامُ الذَّرِيْعَةِ إلى أَحكامِ الشَّرِيْعَةِ : للإمام الحافظ جمال الدين يوسف بن محمد بن مسعود السُّرَّمَرِّي الحنبلي ( ت 776 هـ ) .
قال في مقدمته في بيان منهجه : ( وافتتحت كل باب بأية فصاعدا من الكتاب العزيز تتعلق بأحكامه ، وتشهد بتهذيبه وإحكامه ، وتوخيت قصار الأخبار طلبا للاختصار ... وافتتحته بكتاب الإيمان والسنة اتباعا لطريقة السلف ، وترغيبا لمن بعدهم في اتباعهم من الخلف ) ، ويعني بالمتفق عليه : الإمام أحمد والشيخين ، وسيأتي سبق المجد له في هذا الاصطلاح ، وأما ما اتفق عليه الشيخان فيقول عنه : أخرجاه .
وقد بدأه بكتاب الإيمان ثم كتاب الطهارة، وختمه بكتاب الآداب ، وذكر فيه ثلاثة عشر فصلا بدأه ببر الوالدين ، وختمه بالتقوى ومكارم الأخلاق ، وتميز بأن صدر كل باب بأية من آيات الأحكام ، ويقتصر على الحديث ، ومن رواه في الغالب الأعم ،ولا يذكر الصحابي ، وعدد أحاديثه : (1867) حديثا .
3- المُنْتَقَى فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ منْ كَلَامِ سَيِّدِ البَرِيَّةِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ المُطَهَّرِينَ وَصَحْبِهِ الرَّاشِدِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمَا : للإمام مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن القاسم الحراني ( ت 652 هـ ) .
قال في مقدمته : ( هذا كتاب يشتمل على جملة من الأحاديث النبوية التي ترجع أصول الأحكام إليها ، ويعتمد علماء أهل الإسلام عليها ) ، وجمعه من الكتب السبعة وغيرها ، ومنهجه في التخريج مثل ما ذكرته في كتاب إحكام الذريعة.
ورتبه على ترتيب كتب الحنابلة الفقهية ، وهو كتاب جليل ، وله فيه إشارات لفقه بعض الأحاديث ، وذكرِ من استدل ببعضها على بعض المسائل ، وقسمه على أربع وخمسين كتابا ، وكل كتاب تحته عشرات الأبواب ، وعدد أحاديثه : (4000) حديثا .
قال ابن الملقن الشافعي (ت804هـ) في "البدر المنير"([89]) عن "المنتقى":(وأحكام الحافظ مجد الدين عبد السلام ابن تيمية، المسمى ب «المنتقى» ، وهو كاسمه، وما أحسنه، لولا إطلاقه في كثير من الأحاديث العزو إلى كتب الأئمة دون التحسين والتضعيف، يقول مثلا: رواه أحمد ، رواه الدارقطني، رواه أبو داود. ويكون الحديث ضعيفا، وأشد من ذلك: كون الحديث في «جامع الترمذي» مبينا ضعفه، فيعزيه إليه من غير بيان ضعفه ، وينبغي للحافظ جمع هذه المواضع، وكتبها على حواشي هذا الكتاب، أو جمعها في مصنف لتكمل فائدة الكتاب المذكور. وقد شرعت في كتب ذلك على حواشي نسختي، وأرجو إتمامه ) .
4- السُّنَنُ والأَحكَامُ عن المُصْطَفَى عليه أَفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلَامِ : للإمام الحافظ ضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي صاحب المختارة ( ت 643 هـ ) .
وهو كتاب عظيم، وكبير جدا , حوى كثيرا من أحاديث الأحكام ؛ لكنه لم يتمه ، وصل فيه إلى آخر الردة ، ورتبه على ترتيب كتب الحنابلة ، وانتقاها من كتب السنة بعناية فائقة ، ولا يذكر حديثا مجمعا على تركه إلا تكلم عليه وبيَّن علته ([90]) ، وعدد أحاديثه : ( 6397) حديثا ، وطبع في (6) مجلدات بتحقيق متميز من الشيخ :أبي عبد الله حسين بن عكاشة ، وتقديم الدكتور : أحمد بن معبد عبد الكريم .
قال العلامة الذهبي (ت748) – رحمه الله – عن كتاب الضياء- رحمه الله – في "زغل العلم"([91]):(وطالب الحديث اليوم ينبغي له أن ينسخ:أولا:الجمع بين الصحيحين ، وأحكام عبد الحق ، والضياء ، ويدمن النظر فيهم ) .
وقال عنه ابن الملقن – رحمه الله – في "البدر المنير" ([92]) : (وأحكام الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد، المعروف ب «الضياء المقدسي» ، ولم يتمم كتابه، وصل فيه إلى أثناء الجهاد ، وهو أكثرها نفعا ) .
وأنا إنما ذكرت هذه الكتب لعل الله – تعالى – أن يهيئ لها من يشرحها على مذهب الحنابلة ، وما أحوج المذهب لمثل هذه المؤلفات .
الأمر السابع : بيان الخلل في العبارة :
المراد بالخلل في العبارة : أن يعبر العالم في مختصره عن المسألة بعبارة لا تفي بكل المقصود من تلك المسألة .
فأحياناً يعبر الماتنُ بعبارة لا تدل على ما يريده من تقرير المذهب لقصور فيها عما هو مراد منها ، فينبغي للطالب أن يبين ذلك الخلل ، إما من الكتب المطولة ، أو من الشروح والحواشي ، وقد ذكر الشيخ سلطان العيد بعض العبارات التي فيها خلل في الزاد في كتابه ( المدخل إلى زاد المستقنع )([93])، وذكر أيضاً الشيخ حامد بن الخضر بن جاد آل بكر في كتابه الحافل ( قصد السبيل في الجمع بين الزاد والدليل) عبارات منتقدة على دليل الطالب([94])، منها ما فيه خلل في العبارة .
-----
([1]) 2/564 .
([2]) انظر : كشاف القناع 1/122 .
([3]) 1/68 .
([4]) 1/61 .
([5]) انظر : حاشية الروض المربع 1/228 .
([6]) يجوز فتح اللام وضمها .
([7]) انظر: حاشية الروض المربع 7/179 .
([8]) ص50 .
([9]) ص12 .
([10]) 1/49 .
([11]) انظر: حاشية الروض المربع 1/124 .
([12]) انظر: حاشية الروض المربع 1/469 .
([13]) انظر : هداية الراغب لشرح عمدة الطالب 1/170 .
([14]) انظر : كشف المخدرات 1/47 .
([15]) ص 49 .
([16]) ص 96 .
([17]) انظر : الروض المربع مع حاشية ابن قاسم 2/291 .
([18]) 1/250 .
([19]) 1/173 .
([20]) 1/173 .
([21]) ص 50.
([22]) ص 134
([23]) ص 71
([24]) انظر: الإقناع 2/ 180 ، والروض الندي 1/ 389
([25]) ص 114
([26]) انظر : منتهى الإرادات ص 233
([27]) في كتابه : الإنصاف .
([28]) في كتابه : تصحيح الفروع .
([29]) انظر : المبحث الخامس عشر : مخالفته للمذهب ص 100.
([30]) انظر : المقنع والشرح الكبير ومعهما الإنصاف 2/ 112
([31]) انظر : الكشاف 1/326 .
([32]) انظر : شرح " المنتهى " 1/161 .
([33]) انظر : الغاية 1/91 .
([34]) 1/592 .
([35]) انظر : شرح "المنتهى" 2/496 .
([36]) 1/403 .
([37]) أي : في المقنع ، وقد تابع صاحب الزاد المقنع في هذه العبارة .
([38]) القائل هنا : الإمام المرداوي .
([39]) انظر : المقنع والشرح الكبير ومعهما الإنصاف 8/386 .
([40]) 1/151 .
([41]) انظر : شرح "المنتهى " 1/459 .
([42]) 1/211 .
([43]) 1/193 .
([44]) ص 97 .
([45])أي : الشيخ الموفق في المقنع .
([46]) انظر : المقنع والشرح الكبير ومعهما الإنصاف 4/19 .
([47]) وقد يقال : أن الاعتبار في نصاب العروض هو قيمتها من الأثمان ، فتكون داخلة في قوله ( تقريبا في الأثمان ) قال في نيل المآرب بعد ذلك : ( وهي الذهب والفضة ، وقيم عروض التجارة ) ، وبناء على ذلك فلا مخالفة للمذهب ، لكن يشكل عليه أن : بيان المراد لا يمنع الإيراد ، كما يقوله الحجاوي – رحمه الله – في " حواشي التنقيح " ص 40 ، لأنه بالنظر إلى عبارة الدليل وحدها يفهم منها أن نصاب ما عدا الأثمان تحديد ، ومن ذلك عروض التجارة ، فلا بد من الإتيان بصيغة لا يرد عليها أي شيء كما هو في " الإقناع " و" المنتهى " و " الغاية " حيث قالوا : ( ملك نصاب تقريبا في أثمان وعروض وتحديدا في غيرهما ) والله أعلم .
([48]) 1/388 .
([49]) انظر : شرح " المنتهى " للبهوتي 2/172.
([50]) 1/290.
([51]) هذا في نسخة ابن جامع في شرحه للأخصر الفوائد المنتخبات1/329، وفي نسخة حاشية ابن بدران تحقيق : محمد العجمي ص 126 ( بلا ضرورة ) .
([52]) 1/183.
([53]) انظر : شرح " المنتهى " للبهوتي 1/641 .
([54]) انظر : الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات 1/329 .
([55]) وهذه من المسائل التي أبهم الإمام ابن قدامة فيها الحكم في المقنع ، ولم يبينه الشيخ المرداوي في الإنصاف 6/21، ولا الشيخ ابن مفلح في الفروع ، وكذا الشيخ المرداوي في تصحيح الفروع 3/272 ، وأبهمه الشيخ المرداوي أيضا في التنقيح فلم يبين حكم الإسراع في تفريق وصية الميت بعد موته ، قال الحجاوي في حواشي التنقيح ص 125: ( ويسن تفريق وصيته كل ذلك قبل الصلاة عليه ، وأبقى المنقح تفريق وصيته على كلام المقنع مبهما لم يبين الحكم فيه ، وكان حقه أن يبين حكمه كما وعد في الخطبة ) .
([56]) 1/330 .
([57]) انظر : شرح " المنتهى " 2/76 .
([58]) 2/575 .
([59]) انظر : كشاف القناع 9/307 .
([60]) 4/174 .
([61]) 1/779 .
([62]) انظر: الروض الندي شرح كافي المبتدي 1/124.
([63]) 1/174 .
([64]) انظر: شرح "المنتهى" 1/375.
([65]) 1/166 .
([66]) أي في المقنع .
([67]) 3/418 .
([68]) انظر: الروض الندي شرح كافي المبتدي 1/138 .
([69]) 1/199 .
([70]) انظر: شرح المنتهى " للبهوتي "1/228 .
([71]) 1/178 .
([72]) 163.
([73]) ص211 .
([74]) رواه الإمام أحمد 1/111، وأبو داود ح 203، وابن ماجه ح 477
([75]) رواه مسلم في الحيض ح 376، وأبو داود ح 200
([76]) رواه مسلم ح 763
([77]) انظر : الكشاف : 2/ 290
([78]) رواه أبو داود ح 725، ومسلم ح 401
([79]) رواه مسلم ح 571
([80]) رواه أبو داود ح 1038، وابن ماجه ح 1219 .
([81]) رواه الإمام أحمد ح 1747 وصححه أحمد شاكر .
([82]) انظر : الكشاف 6/ 104
([83]) البخاري ح 1692 ، ومسلم 1228
([84]) المرجع السابق .
انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.
انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.
