المزاج النفسي للإنسان
المعاصر تجاه التدين
أ. عبدالله بن عبدالرحمن الوهيبي
يمكن وصف نمط التدين المعاصر –إجمالًا- أنه تديّن شخصي يغلب عليه الطابع التسوّقي و"التحرري" من الإطارات المؤسسية، فهو بلا انتماء لجهة ذات سلطة أو كيان اعتباري[1]، كما أنه يتمحور على حرية الخيار الفردي، وأولوية الاحتياجات الذاتية النفسية، ويلفّق أفكاره ومعتقداته من رموز وعقائد وتعاليم تنتمي إلى تقاليد دينية وروحانية متعددة[2]، ويولي عناية خاصة للجوانب التجريبية في الدين، والجوانب المتصلة بإدارة الذات، والفاعلية الشخصية، والنجاح الحياتي[3].
وهذا النمط من التدين المعاصر يمثّل انتقالًا "عن (الدين) بوصفه شيئًا راسخًا في العبادة المنظّمة، والمعتقدات المنهجية في مؤسسةٍ ما، إلى (روحانية) ذاتية الصنع خارج البنى الرسمية، تقوم على التجربة[4]، وليس لها مذهب، ولا تطالب بأي ترابط فلسفي؛ فالانشغال المعاصر للتدين تحوّل من "كيف أمتثل؟" إلى "كيف أختار؟"[5].
ومن ثمّ فإن ازدياد معدلات التعبير عن عدم اعتناق دين -كما تظهر في استطلاعات الرأي- لا ترتبط إلا بشكل طفيف بارتفاع نسبة اعتناق الإلحاد فعليًا، وإنما ترتبط –بشدة- بالنزعة المتصاعدة لنبذ التقاليد الدينية المؤسسية، والروابط الدينية والأخلاقية العامة، والترويج لروحانية دنيوية مصمّمة طبقًا للتعاليم الفردانية التي تقول للفرد في نهاية المطاف: "اصنع دينك الخاص"[6].
ويشرح راينر فونك المزاج النفسي للإنسان المعاصر تجاه التدين موضحًا النفور المعاصر من الأديان التقليدية، حيث إن الفرد بات ينظر إلى
«الأديان المؤسساتية بوصفها أنساق عبودية وربط، ولهذا فهو يحاول التخلّص من كل عبودية وأوامر وانتظارات، واستغلال بعض جوانب الدين بشكل متقطّع (شعائر الولادة، مراسم الزواج، طقوس الدفن) من أجل الإخراج الذاتي لـ[طقوس العبور]، مع أن التدين لا يقوم إلا بدور ثانوي بالنسبة له؛ لا لأنه لا ديني؛ بل لأنه يريد أن يكون خالق تدينه وروحانياته، وله حاجة واضحة لإلحاق عالمه اليومي والضروري والذات الشخصية إلى واقع أعلى وروحانية ذاتية. وهو يريد القيام بتجارب والتمتّع باللحظة والعيش في الآن والهنا، وتجاوز حدود الفضاء والزمن عن طريق تمارين وممارسات دينية وروحية»[7].
والروحانية –التي تحتفي بها أنماط التدين المعاصرة- مفهوم لا يخلو من غموض والتباس، وهو –في أوسع معانيه- ينطبق على تشكيلة واسعة من المعتقدات والمشاعر والممارسات؛ المرتبطة بالروح في مقابل المادة[8]، وأقرب التصورات تحديدًا بشأن الروحانيات هي تلك التي تربطها بالحياة نفسها، أي توضح جوهر الروحانيات من خلال فهم طبيعة انعكاس الشعور الخاص المسمى "روحاني" على حياة الفرد نفسه؛ ومن هذا المنطلق يصف بعض الباحثين الروحانية أنها: "القوة أو الطاقة أو الحيوية التي تدعم وجودنا... إنها الحياة التي يولد بها: سمات أساسية فينا، وقدرات، وطاقات، وإمكانيات، وبمجرد المرور بتجربة الروحانية، فهي تتدفق عبر حياتنا، لتشفي وتمكّن وتلهم الإبداع والحكمة، وتغيّر سوء الحال إلى رفاهية، وتمكننا من أن نصبح (أحياء) حقيقة"[9].
ويمكن القول أن "الروحانيات" هي المعاني والوجدانيات التي تملأ باطن الإنسان بالطمأنينة والسكينة والرضا، وتعوّضه عن ما يفقد، وتلبّي حاجته الداخلية إلى التعالي على شؤون الحياة الظاهرة ومادياتها المجردة.
ومع ذلك فالإيغال النظري ومحاولات القبض على المعنى الجوهري للروحانية -أو حتى ما يسمى بـ"التجربة الدينية" نفسها- تفضى بالناظر إلى مواضع تنبهم فيه الدلالات، وتضعف فيها الإشارات اللغوية، مهما قيل إنها تدور حول الشعور الهائل بالجمال والجلال، والدهشة والإجلال[10]، أو غيرها من التعبيرات، بل في هذا الباب أمور غزيرة لا سبيل لدرْكها باللغة المعتادة، وليس من سبيل إليها إلا بالإشارة والذوق والوجْد الخاص[11].
ومن أبرز أنماط هذا التدين الجديد الشائع الصيغة الروحانية كما تبدو في مفهوم الشيلية (Sheilaism)، وهذا المفهوم اشتقه عالم الاجتماع الأمريكي البارز روبرت بيلا (ت2013م) وزملاؤه -في كتابهم المهم (عادات القلب[12]) المنشور عام 1985م- من حديث أجراه مع ممرضة شابة تدعى شيلا لارسون، وهي تصف نفسها أنها تؤمن بالإله، وترفض "التعصّب" الديني، ولا تزور الكنيسة، وتعتمد على "صوت ضميرها الداخلي"، وتقول أن الأهم هو "أن تحب نفسك، وأن تكون لطيفًا معها، وأن تعتني بمن تحب"، وأن هذا هو جوهر الدين[13]، وربما أن هذه الصيغة من صيغ التدين هي الأكثر شيوعًا في الثقافة الغربية المعاصرة بأشكال وتنويعات متعددة.
وهنا نلحظ الإشارة إلى الاعتماد على الصوت الداخلي "الضمير" مصدرًا وموجّهًا أخلاقيًا وبوصلةً للمعنى، وهذا يذكرنا بالأفكار التأسيسية لنموذج "الأصالة" الفرداني كما اتضحت في الفصول الماضية؛ فالأفكار الروحانية المتداولة في العقود الأخيرة تتضمن
"الاعتقاد بأنه يمكن للإنسان أن يجد في أعمق طبقات ذاته نواة مقدسة، وأصيلة، وحقيقية، لم تلوثها الثقافة، ولا التاريخ، ولا المجتمع؛ نواة تغذي تقويم ما هو جيد وحقيقي وهادف، ولا يمكن القيام بهذا التقويم بالاعتماد على السلطات الخارجية، والخبراء الخارجيين، بل بإنصات الإنسان إلى صوته الداخلي"[14].
والمفهوم "الشيلي" للتدين يشبه –من بعض النواحي- مفهوم "دين الحد الأدنى"، وهو مفهوم اقترحه الناقد الروسي ميخائيل إبشتاين (و1950م) أثناء تحليله للحالة الدينية في روسيا المعاصرة فيما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وهو يعبّر عن منزلة روحية يعيشها الفرد في الدائرة المباشرة للأسرة والأصدقاء، وليس في الكنائس[15]، تتسم بضآلة المضمون العقائدي، وانعدام الأشكال التنظيمية الكنسية أو المذهبية، مع الانصراف عن اعتماد أي نص ديني، وتكريس قداسة الحبّ، والأخوة، ورعاية العلاقات الشخصية والعائلية التي تشكّل بؤرة الحياة الدينية[16].
وهذا التركيز على الاختيار الفردي و"الضمير الشخصي"؛ أفضيا إلى انتقال الموقف من الدين "–وبصورة متزايدة- من الالتزام إلى الاستهلاك الديني"[17]، وإلى تحوّل المعتقدات والأفكار الروحية إلى قائمة خيارات متاحة للتجربة والاكتشاف، لا عقائد جوهرية مطلقة؛ ذات دلالة دائمة وآثار غيبية، ويؤكد عالم الاجتماع توماس لوكمان (ت2016م) الطبيعة "التسوقية" لأنماط التدين الجديد بقوله:
«لم يعد للأكوان المقدسة في المجتمعات الصناعية الحديثة تراتبية إلزامية مقدّسة، ولم تعد تتجلّى بوصفها كيانًا محوريًا كليًا متسقًا، فتشكيلة التمثيلات الدينية ليست مستوعَبة من قبل العملاء المرتقبين بالإجمال، كما أن الزبون "المستقلّ" يختار –بدلًا من ذلك- موضوعات دينية من التشكيلة المتوافرة، ويبنيها ضمن نظام مؤقت –إلى حدٍ ما- من "الدلالة المطلقة"»[18].
وتوصيف طبيعة المواقف الفردية المعاصرة من الدين بكونها "استهلاكية" أو ذات طابع تسوّقي؛ شائع في حقل دراسات علم اجتماع الدين، حيث يوصف الواقع الديني المعاصر بالسوق، ويوصف سلوك الأفراد بالسلوك الاستهلاكي الشائع في الثقافات الرأسمالية، "فمستهلكو الدين... يتعاملون مع السوق الدينية -تدريجيًا- كأنها قائمة طعام في الكافتيريا"[19].
وارتكاز أنماط التدين المعاصرة على "التجربة" الروحانية بدلًا من العقائد الصلبة والطقوس والشعائر المنظّمة ينسجم مع التيار الثقافي السائد الآن، الذي يرى أن "للجميع الحق في تطوير صورته الخاصة في الحياة، تأسيسًا على شعوره بما هو مهم أو ذو قيمة"[20]، أي مفهوم فردانية تحقيق الذات، وهو كذلك يعدّ طريقة مفيدة لمواجهة السيولة المفرطة لتعددية العقائد الدينية، وانعدام الوثوقية، وانهيار الأسس اليقينية للتدين التقليدي، بسبب شيوع النسبوية الذاتية، وبتأثير من ما يسميه بيتر برغر (ت2017م) "تعددية عوالم العيش الحياتية"[21]؛ حيث إن يقينية المعتقد الدينية وصلابته تترسّخان بقوة الإيمان الاجتماعي التوافقي، أما في واقع اليوم فـ"أفضل توصيف لوضعنا -كما يقول برغر- هو أنه "سوق" من وجهات النظر تجاه العالم تتنافس آنيًا مع بعضها البعض، وفي وضع كهذا يصعب الحفاظ على أي يقين يتجاوز الضروريات التجريبية المحسوسة المباشرة"[22]، ففرض مشروعية التعددية والحرية الدينية والتسامح على المستوى القانوني، ومديح "الاعتدال" المسيحي، الذي يعني رفض التعصب، أي -بمعنى ما- إقرار حرية التشكيك والنقد وإثارة الجدل والشبهات ضد المعتقدات، وإلزام والتزام الكل بأحقية الجميع في الأخذ بأي اعتقاد، وتكريس "التعايش الديني"؛ كل ذلك أسهم بقوة في فقدان الاعتقاد الديني نفسه لليقين، لأن هذا "التسامح" و"الاعتدال" المسيحي ينطوي في جوهره على "لا مبالاة دينية"، والوقائع التاريخية المستفيضة تدل على أن "التعايش السلمي بين فرق دينية مختلفة... ضعف يصيب الولاء المطلق للدين"، لأن الاعتقاد المطلق يمنع إقرار المساواة في الحقيقة والوجود، ولأن "الانحلال" في البنى المؤسسة للاعتقاد الديني ينعكس على الواقع المجتمعي؛ أشار بعض الباحثين في علم النفس الاجتماعي إلى أن "الاعتدال والحرية الفكرية يشكّلان –عادةً- مقدمة للانحلال الاجتماعي"[23] للأسباب المذكورة آنفًا.
ولأجل هذه الحالة المتراخية عقائديًا يكون الارتكاز إلى التجربة الذاتية أجدى وأشدّ صلابة؛ فبدلًا من إيراد الحجج، ولتعذّر البرهنة اليقينية في تصحيح الاعتقاد؛ يكتفي الفرد المعاصر بالاستناد إلى التجربة الروحية الشخصية، التي تخفف أزمة اليقين العمومي، وتمنحه نوعًا من الاطمئنان الوثوقي، وتمنع الآخرين من إثارة الشكوك والشبه؛ لأن "التجربة الشخصية لا نقاش فيها"[24].
وفقدان البنية اليقينية في العلاقة -مع الوجود عمومًا والمعتقد الديني خصوصًا-؛ تسهّل على الأفراد التنقل بين الأديان -أو داخلها-، لأن توجّه الفرد إلى "الدين" لم يكن باعثه التسليم والالتزام الإيماني، وتطّلب النجاة الأخروية؛ بل البحث عن معنىً للحياة، والتمتّع بلذّة الرضا الوجداني المطَمْئِن، فالتجربة الروحانية في التديّن المعاصر أكثر أهمية من المعتقد[25]، والمركز في الروحانية المعاصرة هو "الأنا وتجاربها"، وليس المؤسسة الدينية (كما هي الحال في المسيحية)، أو الإله وشرائعه، فالإله -في خيال الفرد- ليس متعاليًا أو آخر، بل هو محايث ودنيوي، "فالله في الداخل"[26]، وهنا نرى تمثلًا جذريًا للرؤية الأوغسطينية، بعد قطعها عن سياقها، وإدماجها في نظام الفردانية الحلولية.
وخلافًا للأديان التقليدية لا تنطوي الروحانية المعاصرة على امتياز التعالي أو السمو الغيبي، الذي يتحدد في أن الأديان تحيل إلى شيء أو واقع أكثر حقيقية من الواقع اليومي، واقع شامل وكثيف يقع خلف الصورة المادية للزمن المادي، ابتداء من الوجود الإلهي والصلة به بالدعاء والصلاة، والتعويل على عونه وكرمه، ووصولًا إلى الوعود الربانية في الزمان الآخر، في حين أن الروحانيات المعاصرة لا تحتوي على هذا النوع من "التعالي" الغيبي؛ لأن تعويلها الأساس، ومرجعيتها النهائية؛ دنيوية محضة، محصورة في المحيط الزماني والمكاني المنظور[27].
وتعتمد الطرائق الروحانية المعاصرة لبلوغ "التجربة الروحانية" على جملة نشاطات تأملية وعملية، مثل الريكي، واليوغا، والتايتشي، والطب التجانسي، والعلاج بالروائح (Aromatherapy)[28]، وبعض أشكال العلاج النفسي، وجملة من "منتجات" الطب البديل كعلم المنعكسات (Reflexology)؛ حيث تساعد هذه النشاطات وغيرها المشاركين فيها على "تحقيق التواصل مع ما هم عليه طبيعيًا ككائنات روحانية"[29].
وفي العموم لا تمانع أنماط التدين المعاصر من استثمار بعض الجوانب من المسيحية أو غيرها من الأديان، فبعض المنشورات التي تتضمن أدلة إجرائية لطقوس "روحانية" مقترحة تشير صراحةً إلى صيغتين من صيغ هذه الروحانية، إحداهما موجهة إلى المؤمنين، والأخرى إلى غير المؤمنين، وقد مرّ بي مؤخرًا منشور كتبته فتاة عربية تقدم نفسها كناشطة في مجال "الشفاء والكشف الروحي والاستبصار"، وهو يتضمن برنامجًا مقترحًا للشفاء الروحي، وفيه الإشارة إلى قراءة سورة الفاتحة وآية الكرسي، وبعض الطقوس الأخرى، وفي آخر البرنامج تشير إلى أنه بإمكان اللادينيين استخدام البرنامج نفسه بعد استبعاد قراءة السور المذكورة.
بيد أن هناك أطروحات أخرى تلتزم بالإلحاد، وتجاهر بالعداء للأديان، وتنسب إليها معظم شرور العالم، وفي الوقت نفسه تحاول اقتباس مضمون "روحاني" نقي، وخالي من شوائب المعتقدات "الدوغمائية"[30]؛ ففي عام 2006م نشر الفيلسوف الفرنسي الملحد اندريه كونت سبونفيل كتابًا بعنوان (روح الإلحاد- مقدمة لروحانيات بلا إله)، وفي يوليو من عام 2011م ألقى الكاتب البريطاني المعروف آلان دي بوتون كلمة شهيرة في منصة تيد (TED) عن ما يسميه (الإلحاد 2,0)، وغايته الترويج لنسخة محدّثة من الأيديولوجيا الإلحادية تحاول تفادي "الضياع الروحي" وفقدان المعنى، بـ"سرقة" بعض المضامين الدينية، كالتوجيه والمواساة والأخلاقيات، وطريقة الوعي بالزمن، وكذلك الطقوس أو الشعائر التي تمزج الفكرة والمعتقد بسلوك محدد وحركة جسدية معينة تربط الروح بالجسد. وقد طوّر بوتون هذه الأفكار ونشرها في كتابه "الدين للملحدين: دليل غير المؤمنين لأغراض الدين" عام 2012م.
وفي عام 2014م نشر الملحد الأمريكي المعروف سام هاريس كتابًا بعنوان (الصحوة- دليل في الروحانية بلا أديان)، يقول في مقدمته إنه يحاول "استنباط حقائق نفسية هامة" من تحت ركام الأباطيل في الأديان[31]، لكن من غير تزييف علمي، فهو يرفض إضفاء الطابع العلمي المزيّف على التجارب الروحية كما هو الحال في أطروحات "العصر الجديد"[32]، ولإيجاد البديل عن الأديان المنظمة، لا بد من البحث في "الطيف الواسع للتجارب البشري بشكل خال من أي عقيدة"[33].
والفكرة الأساسية في الروحانية الملحدة التي يبشّر بها هاريس تدور حول الوعي بالأنا والتأمل، وتقديم بعض التقنيات لتطوير طرائق لهذا الوعي تسمح له بـ"السمو فوق حدود الذات"، التي استفادها من تجاربه الطويلة مع الرهبان والمعلمين البوذيين، وتجارب اليوغا، وبرامج العزلة والصمت الطويل لأيام وأشهر[34].
تقوم "الروحانية" كما يصفها على إدراك أن "الإحساس التقليدي بالذات ما هو إلا وهم"[35]، وأن مصدر التعاسة البشرية يكمن في ربط الأفكار بالأنا، والنظر إليها على أنه نحن من يفكر بها، "بدلًا عن النظر إليها على أنها مظاهر عابرة في الوعي"، أي أنه لا وجود لنفس، لا وجود لـ "أنا"، لأن الأنا نفسها نتاج للفكر، ووجودها يحجب إدراك "الطبيعة اللاذاتية للوعي"، وهو أمر يصعب إدراكه، لكن تمكن ملاحظته بسهولة، فإن "ما تسميه (أنا) هو ذاته شعور ينشأ من بين محتويات الوعي، والوعي يسبق هذا الشعور وشاهد عليه، ومن ثمّ هو خالٍ منه"[36]، "فالهدف الأعمق للحياة الروحانية هو التحرر من وهم النفس أو الذات"[37].
وخلاصة هذه الروحانية تقرير أن السعادة والتعاسة هي حالات وأحداث ذهنية تنبثق عن الوعي، الذي هو "بمثابة النور الذي نعرف من خلاله معالم الذهن والجسد"، والهدف أن "نعيش تجربة الوعي" نفسها التي تقودنا إلى السمو على وهم استقلالية النفس وثبات الأنا، لنتنعم بحالة تشبه تلك التي وصفها الإنجليزي دوغلاس هاردينغ (ت2007م) -وهو فيلسوف روحاني روّج أفكاره تيار العصر الجديد- في كتاب يحمل عنوانًا غريبًا "أن تكون بلا رأس"، بقوله:
"توقفت عن التفكير، حالة من الهدوء العجيب، وانتابتني حالة من التراخي أو الخدر... لم يعد هناك ماضٍ أو مستقبل، نسيت من كنت، وما كنت، واسمي، وانسانيتي، وحيوانيتي، وكل شيء يمكن أن يوصف بأنه لي، وكأنني ولدتُ في تلك اللحظة، جديدًا وبلا عقل، وبريئًا من كل الذكريات. لم يكن هناك سوى اللحظة الحالية، تلك اللحظة الحالية وما كان متاحًا لي بوضوح فيها"[38].
يعتقد هاريس أن تقريب هذا النوع من التجارب وكأن الفرد يخوضها بلا رأس عمل عبقري، وهو يرى أن عبارات هاردينغ تعد وصفًا واضحًا للأساس الروحاني الذي يصبو إلى الوصول إليه، بعد تحرير الوعي من الثنائيات والأوهام[39].
أدى التمزّق الروحي والانشقاقات النفسية -التي أخذت تداهم الفرد الحداثي منذ أن خسر علاقته الوثيقة بالاعتقاد والإيمان-؛ إلى ميله نحو تعويض هذه الخسارة من موارده الخاصة، "فأمام استحالة الوصول إلى الله، استسلم الناس لوحدة لا متناهية، ورجعوا إلى ذواتهم، وكان عليهم استخراج ما أضاعوه في أنفسهم، والنضال في مقابل عدم اليقين الذي تولّد من اكتشاف اليقين الدنيوي"[40]، فالغياب المؤلم للمعنى، والمجد، وموت آمال الخلود والكمال، يدفع الفرد إلى مسارات معنى جديدة، "فلم يعد الإنسان الحديث يستطيع العثور على بطولته في الحياة اليومية، كما فعل البشر في المجتمعات التقليدية، عبر قيامهم بواجباتهم اليومية في تربية الأطفال، والعمل، والعبادة، فأضحى بحاجة إلى ثورات[41] وحروب مستمرة؛ نتيجة خسوف البعد المقدس، فلما خلع فكرة الروح والإله ارتدّ -بيأس- إلى موارده الخاصة، إلى نفسه، ومن حوله"[42].
وعندما لم يعد المجتمع يمدّ الفرد "بالتوجيه الأخلاقي والنفسي الملائم؛ وجد الفرد نفسه مجبرًا على البحث –بعمق- داخل ذاته ليكتشف قاعدة جديدة للتكامل والتوجّه؛ وهذه الحاجة هي التي دعت لإيجاد التحليل النفسي"[43]؛ وهو ما مهّد الطريق نحو وعي مكثف بالذات، وغوص أعمق في دواخلها، حتى وُصف إنسان القرن العشرين بـ"الإنسان السيكولوجي"، لكثافة انشغاله النفسي (السيكولوجي)، بعد أن أصبح الفرد معزولًا عن البنى العقائدية الجمعية، وأصبح معنى حياته، ونمط اختياراته الفكرية والسلوكية؛ يتقرر ذاتيًا، وعليه "تسويغ نفسه من داخل نفسه"[44]، ولذلك فإن
"أعظم إسهامات علم النفس الحديث منذ فرويد هي مساعدة الفرد على اكتشاف وحدة جديدة بداخله، وتلبية حاجة الإنسان الحديث لإيجاد معناه داخل نفسه"[45].
وقد كانت الحياة الباطنية للإنسان تعتبر منطقة للروح، وارتبطت في نظر التقاليد الدينية بالإيمان والمعتقد، فآلام الباطن تنسب إلى الشرّ والشيطان والخطيئة، وتدريجيًا تطور حقل العلوم النفسية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وبدأ النفسانيون بإخضاع الحياة الداخلية للملاحظة والبحث والدراسة، ورفضوا التفسيرات الكنسية، وكتبوا أطروحات تفسيرية سببية معلمنة للظواهر الداخلية، كما اقترحوا نماذج علاجية "علمية" للاختلالات النفسية المتنوعة، ونسبوا الاضطرابات إلى السياق الاجتماعي[46]، أو نوع العلاقة بالوالدين، وأحداث مرحلة الطفولة، كما هو حال التحليل النفسي الفرويدي بنسخه المتعددة، وكانوا يعتقدون أن الحل يكمن في الكشف عن الآليات النفسية المنتجة للاضطراب والاختلال الداخلي، وأن إدراك هذه الآليات وإخضاعها للتحليل الواعي كاف للعلاج أو للتعافي واستعادة الاتزان الداخلي.
وهذه الأطروحات لاقت رواجًا منذ العقود الأولى من القرن العشرين، لاسيما مع الحركة التي قادها المحلل النفسي الأشهر سيجموند فرويد (ت1939م)، التي كانت تهدف إلى أن تكون دينًا علمانيًا جديدًا؛ حيث أولع بها
"مثقفو المدن [الأوروبية] من الطبقة الوسطى، الذين يرغبون بعمق أن يكونوا في خدمة مثال، وزعيم حركة، لكنهم محرومين من أي مثال، ومن أي قناعة دينية، سياسية أو فلسفية... كان دينهم هو حركة التحليل النفسي... [كانوا يبحثون] عن معنى للحياة، وعن فكرة يضحون في سبيلها، وعن تفسير للحياة لا يتطلّب إيمانًا ولا تضحيةً، ويشبع حاجتهم لأن يكونوا جزءًا من حركة. هذه الحاجات جميعًا لبتها حركة التحليل النفسي... فقد وجدوا في التحليل النفسي كل شيء: عقيدة، طقوس، زعيم، تراتبية، إحساس بامتلاك الحقيقة"[47].
تكمن الجاذبية الأساس في التحليل النفسي في كونه يوفّر "إشباعًا بديلًا للتطلعات الإنسانية العميقة التي تبحث عن معنى الحياة"، بادّعاء إمكان الوصول إلى الحقيقة بعد تجاوز "الالتواءات والإسقاطات التي تحول بين الواقع وبين أنفسنا؛ وهو بذلك بات بديلًا عن الدين"[48].
وفي ظل هذا السياق تضخّمت مكانة المحلل النفسي، وأضحى مرشدًا روحيًا؛ "فمع خسوف الإيمان بالرب يحتاج الإنسان الحديث إلى آخر يلجأ إليه، وكان على المعالج أن يحلّ محله"[49]، وبات الكثير من الناس –في الطبقات الوسطى والعليا- يعتادون على زيارة عيادات التحليل النفسي التي تكاثرت بداية من تلك الحقبة، حتى كان من الطبيعي أن يكون لكل فرد "محلله النفسي، وكان قسط من الوقت ينقضي على أريكة الطبيب، كما كان حال الناس الذين تعودوا الذهاب إلى الكنيسة، أو المعبد"[50].
وربما أسهم في تصاعد هذه الأزمة صعوبة الحياة العائلية، وتباعد الأمهات عن أولادهن؛ بسبب تغوّل سوق العمل، وتراجع سلطة الأب[51]، ومن ثمّ فـ"البنى الكلاسيكية التي كانت تتيح للذاتية فرصة التعبير عن نفسها غير موجودة"، وكذلك ساعدت على ذلك الأيديولوجيا الطبية ذات النزعة البيولوجية التي تبالغ في صرف الأدوية النفسية، لتصبح الأدوية نوعًا من المخدرات والمهدئات[52].
يقدّم التحليل النفسي إذن بديلًا روحيًا عن التصور الديني، فاكتشاف وتنظيم النفس والتساؤل عن حقيقتها الباطنة يفضي في المسيحية إلى الوصول إلى المطلق، حيث الأمل الديني بالخلود والاستقرار وملامسة أعتاب الأبدية، أما المطلق في التحليل النفسي فهو ذلك "الصوت المجهول للكلام الذي نخاطب به الآخر"، ليتخلّص المريض من صراعاته بواسطة الكلام، وليتمثّل اضطراباته بالتساؤل؛ و"ليعيد بناء نفسه ليس كقلعة حصينة ومغلقة، بل كسؤال دائم"، لذا يبدو التحليل النفسي في مواجهة الأمراض النفسية الجديدة (تعاطي المخدرات مثلًا) "كأنه فعل غفران"، وإن كانت المغفرة لا تحلّ المشكلة الوجودية، ولا تزيل الألم أو المتعة الناشئة عن تدمير الذات، وإنما تساعد على أن تتجاوز النفس ما لا يمكنها تمثّله بمنحه المعنى، بالتساؤل والإصغاء الذي يمنحه المعالج النفسي؛ لاستعادة تمثّل الألم واللذة وصعوبة الوجود، و"البدء من جديد"، واكتشاف معنى ذلك الألم وتحديده، وتقاسمه مع الآخرين.
و"يكشف التحليل النفسي عن التنازع الذي يقع في صميم كل إنسان، ومعه تنتفي كل إمكانية للوصول إلى الوحدة، أو إلى المطلق"، لأنه لا حلّ إلا عبر "التساؤل وإعادة النظر"، و"عند انتهاء التحليل يمكن للمريض الانفصال عن المطلق الذي يجسّده المحلل"، وكما أن "الإلحاد –كما يقول سارتر- عملية قاسية، وتتطلب البال الطويل" فكذلك التحليل النفسي، "إذ أن التحليل يميط اللثام عن الألم، وعن ما لا يمكن تمثله، ويشكّل بحثًا مستمرًا عن معنى هذا الشيء الذي لا يمكن تمثّله، وهو لا يعطي أي أمل بالاستقرار، إلا أنه يعطي الأمل بطاقة خلاقة وثائرة"[53].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] برايان ترنر، ماكس فيبر حول الإسلام والكونفوشية- النظرية الكانطية في العلمنة، ضمن: بيتر كلارك (محرر)، مصدر سابق، ج1 ص151.
[2] فيليب بورتييه، شارل تايلور وسوسيولوجيا العلمنة، ضمن: سيلفي توسيغ (محرر)، مصدر سابق، ص76.
[3] ويد روف، الأجيال والدين، ضمن: بيتر كلارك (محرر)، مصدر سابق، ج2 ص941، باختصار وتصرف.
[4] على الصعيد النظري طرح كثير من المفكرين الغربيين الدين بوصفه "تجربة دينية داخلية" أساسًا، ومن أبرزهم الفيلسوف اللاهوتي الألماني فريديك شلايماخر (ت1834م)، وعالم النفس الأمريكي الأبرز وليام جيمس (ت1910م)، واللاهوتي الألماني رودولف أوتو (ت1937م)، والمختص الكندي بالأديان ولفريد سميث (ت2000م)، وهو طرح متأثر بالأفكار البروتستانتية. انظر: ريتشارد كينغ، الأديان المتوهمة في الهند، ضمن: م.درسلر وأ.مانداير (تحرير)، العلمانية وصناعة الدين، ص61-63، ترجمة حسن احجيج، نشر الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1 2017م.
[5] بواسطة: أولي ريس وليندا وودهد، سوسيولوجيا الانفعال الديني، ص244، ترجمة ربيع وهبة، نشر الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1 2018م. بتصرف.
[6] انظر:
Claude Fischer, Make-your-own religion, (December 22, 2011):
https://blogs.berkeley.edu/2011/12/22/make-your-own-religion/
ولهذا السبب تتسم هذه الروحانيات المعاصرة –أطروحات العصر الجديد أنموذجًا- بالهشاشة والضعف بسبب الذاتوية المفرطة، فمصدرية الذات النرجسية لا تساعد على إقامة بناء اجتماعي بديل، وإطار ثقافي متماسك، "لأنه لا يمكن لأي دين أن يتحدى الوضع الراهن إلا إذا كان يحتوي على مرجعية معتمدة أكبر من الفرد" تدفعه إلى التضحية، وتوحّد المنتمين خلف غاية محددة، والواقع أن أتباع هذه التوجهات الروحانية لا تجمعهم قيم أو معتقدات مشتركة، سوى بعض المبادئ التجريدية الباهتة مثل "لا يمتلك أي شخص الحق في أن يقول لشخص آخر ما عليه أن يفعله". انظر: ستيف بروس، روحانية العصر الجديد بديلًا عن العلمنة-بطلان الديانة الفردية، ص201-204، ترجمة رامي طوقان، مجلة الاستغراب، عدد2، ديسمبر 2016م.
[7] راينر فونك، مصدر سابق، ص92-94.
[8] انظر: إيفا هامبرغ، الروحانية خارج زمام الكنيسة، ضمن: بيتر كلارك (محرر)، مصدر سابق، ج2 ص1120.
[9] بول هيلاس، روحانيات الحياة، ضمن: بيتر كلارك (محرر)، مصدر سابق، ج2 ص1140.
[10] كما يذكر أبرز المنظّرين في وصف التجربة الدينية ظاهراتيًا: رودولف أوتو، فكرة القدسي، نشر دار المعارف الحكمية، ط1 2010م. ولتحليل أوسع لسياق هذه الأطروحة راجع: جان غريش، العوسج الملتهب وأنوار العقل، ج2 ص93 وما بعدها، ترجمة عز العرب بناني، نشر دار الكتاب الجديد، ط1 2020م. وقد حاول الفيلسوف النفساني وليم جيمس (ت1910م) تقريب "التجربة الدينية" بوصفها "حالة عقلية يعرفها المتدينون دون سواهم؛ فيها تزاح الرغبة في توكيد أنفسنا وفي التماسك، ليحّل محلها استعداد لأن نغلق أفواهنا وأن نكون كلا شيء في قلب فيضانات الله وأعاصيره، وحينما نصل لهذه الحالة يصير ما كنا نفزع منه أشد الفزع هو مأوى سلامتنا، وتغدو ساعة موتنا المعنوي هي ساعة ميلادنا الروحي. لقد انقضى وقت التوتر الروحي، وحان وقت السكينة السعيدة، وقت التنفس الهادئ والعميق، وقت الحاضر الأزلي". وليم جيمس، مصدر سابق، ص94-95.
[11] وهذا المعنى ذائع منتشر في كتابات أهل العلم والتصوف وأرباب السلوك، يقول ابن القيم مثلًا: "من كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف، وفيه أرغب، وله أحب، وإليه أقرب؛ وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ولا يعرف إلا بالذوق والوجد". إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، ص947، نشر عالم الفوائد، ط1 1432هـ. وهذا ما يؤكده وليام جيمس نفسه الذي نقلت عنه في الحاشية السابقة، حيث يقول مبينًا فرادة "التجربة الدينية": "ثمة شيء في الحياة عندما يشعر الإنسان بوجوده يبدو أنه يتحدّى كل المصادر الممكنة للتعبير اللغوي". بواسطة: رالف بيري، أفكار وشخصية وليام جيمس، ص433، ترجمة محمد العريان، نشر المركز القومي للترجمة، ط1 2013م.
[12] عنوانه الكامل: Habits of the Heart: Individualism and Commitment in American Life
[13] انظر: بول هيلاس، روحانيات الحياة، ضمن: بيتر كلارك (محرر)، مصدر سابق، ج2 ص1161. و: مادة (Sheilaism) على ويكيبيديا.
[14] بواسطة: كيري ميتشيل، سياسة الروحانية-لبرلة تعريف الدين، ضمن: م.درسلر وأ.مانداير (تحرير)، مصدر سابق، ص209.
[15] انظر: تشارلز تايلور، عصر علماني، ص757-758.
[16] للتوسع انظر:
Mikhail Epstein, Minimal Religion: in the book: Russian Postmodernism: New Perspectives on Post-Soviet Culture (with Alexander Genis and Slobodanka Vladiv-Glover, in the series Studies in Slavic Literature, Culture, and Society, vol. 3), (New York, Oxford: Berghahn Books, 1999), pp.163-171.
[17] بواسطة: أولي ريس وليندا وودهد، مصدر سابق، ص244.
[18] بواسطة: المصدر السابق، ص244.
[19] بواسطة: المصدر السابق، ص244.
[20] نيكولاي ونزل، ما بعد الحداثة والدين، ضمن: بيتر كلارك (محرر)، مصدر سابق، ج1 ص276.
[21] في كتابهم "العقل المشرّد" المنشور عام 1974م يرى بيتر بيرغر ورفاقه أن من جوانب التحديث التي ولّدت الشعور بـ"التشرّد النفسي" ما يمكن تسميته بـ "تعددية عوالم العيش الحياتية"، ففي مجتمعات ما قبل الحداثة يعتنق غالبية الناس مجموعة من المعتقدات والتقاليد المشتركة والمتقاربة -إلى حدٍ ما-؛ الأمر الذي يسهّل التعارف بين الناس، كما يعزز هذا التقارب العقائدي والثقافي من ترسيخ المعتقدات والتقاليد في النفوس، ومع تفكك تماسك الفضاء الاجتماعي بتأثيرات شيوع الأفكار الحداثية، وتعمق العلمنة والفردانية والتحرر الليبرالي، وزيادة عدد السكان، وتطور أنظمة الاتصال والمواصلات داخل المجتمع وخارجه مع المجتمعات الأخرى؛ تشظّت هذه المعتقدات وتذرَّرت تلك التقاليد، وبدأ الأفراد يدركون أن معتقداتهم غير معترف بها على نطاق واسع، وتسبب ذلك في انتشار الشكوك وفقدان اليقين، وتقليص المساحة التي يعبّر فيها عن هذه المعتقدات؛ حيث لم تعد تحظى بتوافق جماعي، ومن ثمّ انقسمت حياة الفرد إلى حياة خاصة وأخرى عامة، وانحصر التعبير والنشاطات المتعلقة بالمعتقد في الفضاء الخاص، وهذا التحوّل الحداثي والفصل بين المجالين العام والخاص؛ يزيد من عزل الفرد عن المجتمع، ويعمّق من الشعور بـ"التشرّد النفسي". انظر: مراجعة جاريت ويلسون لكتاب:
Peter Berger, Brigitte Berger, and Hansfried Kellner, The Homeless Mind: Modernization and Consciousness, (Vintage Books, New York, 1974).
على الرابط:
https://www.garretwilson.com/books/reviews/homeless-mind
[22] بواسطة: ستيف بروس، مصدر سابق، ص194.
[23] انظر: نديم البيطار، الأيديولوجية الانقلابية، ص431.
[24] روبرت وثنو، التلاقي المعاصر بين الفن والدين، ضمن: بيتر كلارك (محرر)، مصدر سابق، ج1 ص550.
[25] نيكولاي ونزل، ما بعد الحداثة والدين، ضمن: بيتر كلارك (محرر)، مصدر سابق، ج1 ص273-275.
[26] كارل دوبلير، معنى العلمانية ومجالها، ضمن: بيتر كلارك (محرر)، مصدر سابق، ج2 ص911.
[27] المصدر السابق، ج2 ص915.
[28] انظر: ستيف بروس، مصدر سابق، ص197-199.
[29] بول هيلاس، روحانيات الحياة، ضمن: بيتر كلارك (محرر)، مصدر سابق، ج2 ص1140. ومما يلحق بالروحانية، الأفكار والتيارات الباطنية التي ترتبط بها بعض الممارسات والسلوكيات الشائعة، كالاهتمام بالأبراج، وبطاقات التاروت، والعرافة والتنجيم. انظر: كينت غرانهولم، سوسيولوجيا الباطنية الغربية، ضمن: بيتر كلارك (محرر)، مصدر سابق، ج2 ص1195.
[30] وتنطوي محاولة اختراع روحانيات خارج الإطار الديني على دعوى مغلوطة هي إمكان الفصل بين الدين بوصفه منظومة "طقوس"، والروحانيات الداخلية. والحق أن الروحانيات الجالبة للطمأنينة والسكينة والشعور بالامتلاء والثراء الباطني الممتد والثابت لا تُتحصّل إلا بفعل الشعائر والعبادات الظاهرة مع تحقيق مقاصدها الباطنة، فالروحانيات ثمار تلك التعبدات، لأنها لا تنشأ في فراغ، كما أن قيام المعاني القلبية الفاضلة يقوّي أثر العبادات الظاهرة في النفس، ويطبع الروح بطابع السمو والعلو. انظر: طه عبدالرحمن، بؤس الدهرانية-النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين، ص140-146، نشر الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1 2014م. وانظر بحثًا نفيسًا لأبي حامد الغزالي يذكر فيه الطريق إلى تحصيل أثر التعبدات الظاهرة في تزكية النفس؛ في: إحياء علوم الدين، ج5 ص210-214، نشر دار المنهاج، ط2 1434هـ.
والواقع أن "اختزال الدين في الروحانيات أسوأ من اختزاله في العباديات، إذ حصر الدين في الشعور الإيماني الباطن أشد تضييقًا على الوجود الإنساني من حصره في السلوك التعبدي الظاهر؛ فالظاهر أمر مرئي يتحقق به انوجاد الإنسان [أي وجوده في العالم المرئي ببدنه وروحه] وإبصاره، في حين أن الباطن أمر غيبي يتحقق به تواجده [أي وجوده في العالم المرئي بروحه]، واستبصاره؛ ولا يمكن حصول التواجد والاستبصار إلا بحصول الانوجاد والإبصار" طه عبدالرحمن، روح الدين- من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، ص206، نشر المركز الثقافي العربي، ط2 2012م.
وسبب هذ الاختزال جهل هؤلاء الملاحدة واللادينيين بحقيقة الروحانيات؛ "لأن معرفة الروحيات الوجودية توجب الإيمان بالدين الحق، كما توجب الدخول في مجاهدة النفس على أصوله المنزلة، فهي معرفة نابعة من تجربة وجدانية حيّة، وهؤلاء لا يؤمنون بوجود هذا الدين الحق، ولذا هم لم يحصّلوا معرفتهم بالروحيات إلا بطريق ذهني مجرد". طه عبدالرحمن، بؤس الدهرانية، ص147.
[31] سام هاريس، الصحوة- دليل في الروحانية بلا أديان، ص4، ترجمة خلود غروفز. (نسخة إلكترونية).
[32] كما يفعل بعض رموزها البارزين كديباك شوبرا، وغيره. للتوسع انظر: هيفاء الرشيد، حركة العصر الجديد-مفهومها ونشأتها وتطبيقاتها، نشر مركز التأصيل، ط1 1435هـ.
[33] سام هاريس، مصدر سابق، ص7.
[34] المصدر السابق، ص11.
[35] المصدر السابق، ص63.
[36] المصدر السابق، ص77-79.
[37] المصدر السابق، ص95.
[38] المصدر السابق، ص111.
[39] انظر: المصدر السابق، 112.
[40] أولريش بيك، مجتمع المخاطرة، ص213-214. بتصرف كبير.
[41] يشير كاتب فرنسي -في ملاحظة شهيرة ومعبّرة- عن خلو مصحة سالبيتريير للأمراض العقلية من المرضى أيام الثورة الفرنسية، والسبب كما يقول بيكر "أن كل العصابيين وجدوا دراما جاهزة من الفعل المتسامي، والهوية البطولية"، أي أن القيمة والمعنى التي أنتجها الفعل الثوري تسبب في مداواة الأزمات النفسانية أو التغلب عليها. انظر: إرنست بيكر، مصدر سابق، ص196. و"بيتي سالبيتريير" مشفى شهير في باريس، يتبع لجامعة السوربون أنشأ عام 1656م، ولا يزال قائمًا حتى اليوم.
[42] إرنست بيكر، مصدر سابق، ص196-197. بتصرف.
[43] رولو ماي، إشكالية الإنسان وعلم النفس، ص96، ترجمة أسامة القفاش، نشر مكتبة دار الكلمة، ط1 2006م.
[44] إرنست بيكر، مصدر سابق، ص196-197.
[45] Rollo May, psychology and the human dilemma, (W.W.Norton Company, New York, 1979), p. 90.
[46] انظر: إرنست بيكر، مصدر سابق، ص197.
[47] إيريك فروم، مهمة فرويد-تحليل لشخصيته وتأثيره، ص105-106، 111، ترجمة طلال عتريسي، نشر المؤسسة الجامعية للدراسات، ط1 1432ه.
[48] إيريك فروم، مهمة فرويد، ص111.
[49] إرنست بيكر، مصدر سابق، ص200. بتصرف.
[50] إيريك فروم، أزمة التحليل النفسي، ص20. ومن جهة أخرى فإن حركة التحليل النفسي تندرج ضمن حراك عام يتجه نحو الذاتية والفردية كما وصفنا سابقًا، وهذا النمط من المعالجة النفسية الذي تكون فيها ذات المريض أو العميل هي مركز الاهتمام؛ ينسجم تمامًا مع ذلك الحراك، بل ذهب بعضهم إلى أن جاذبية التحليل النفسي تعبّر عن "الانغماس في نوع من الترف النرجسي، وكما أن هناك من يبيع خدماته لإشباع الاحتياجات الجنسية للآخرين، فكذلك يوجد محللون يقومون بدور المستمع الطيب المتعاطف لإشباع الاحتياجات النرجسية للآخرين، ويحصلون على مبالغ كبيرة مقابل ذلك". ماريو جاكوبي، مصدر سابق، ص16، 33.
[51] يربط الفيلسوف الاجتماعي ماكس هوركهايمر (ت1973م) بين ظهور النزعات الفاشية والنازية وتراجع سلطة الأب وتغيرات بنية الأسرة في ظل الثقافة الرأسمالية الاحتكارية، "فتضافر الحب المعقلن من طرف الأم والضعف المشروط اجتماعيًا من طرف الأب يترك أنا الطفل مكشوفًا أمام المجتمع وهشًّا إزاءه"؛ ومن ثمّ فإن الطفل يتطلّع إلى "الآباء الفائقين"، وإلى "كل ما هو قوي، وفاعل اجتماعيًا"، وكذلك يرى تيودور أدورنو (ت1969م) أن النزعة النرجسية في الذات المعاصرة -الناجمة عن تدهور نموذج العائلة التقليدية- أتاحت الفرصة لتطور الفاشية ونموها، التي تتحقق عبر صورة قوة الزعيم الطاغية، وتتجلى النرجسية في أن "أتباع الزعيم يختبرون شخصه على أنه متماه معهم أشد التماهي، بحيث لا يعود ثمة مجال لأي رؤية أخرى للعالم". آلن هاو، النظرية النقدية، ص145، 149، ترجمة ثائر ديب، نشر المركز القومي للترجمة، ط1 2010م، ويؤكد هذا الربط باحث آخر، ويقول: "قدّس الكثير من الشبان الألمان في سنوات الثلاثينيات القيادات النازية التي تضخّم (الفحولة) إلى درجة كاريكاتورية، واخترع الأمريكيون رامبو بعد هزيمة فيتنام، وشباب الضواحي لديهم زعيم العصابة، والقائد المتطرّف... بقدر ما تنحط الصورة الاجتماعية للأبّ؛ بقدر ما يطالب الطفل بأخرى، تكون أكبر وأقوى وأجمل". بواسطة: جان جابار، الأنثوية وانحرافاتها، ضمن: البشير عصام (مترجم)، جناية النسوية، ص294، نشر مركز دلائل، ط1 1441هـ.
[52] انظر: جوليا كريستيفا، أمراض النفس الجديدة، ص453-454، ضمن (القيم إلى أين) بإشراف جيروم بندي، ترجمة زهيدة جبور وجان جبور، نشر المجمع التونسي، ط1 2005م.
[53] المصدر السابق، ص456-458.
انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.
انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.
