التدخل البشري في رسم صورة الدين المسيحي
د. سلطان بن عبدالرحمن العميري
إذا تدخلت الأيدي البشرية في تحديد معالم الديانة الإلهية، ورسم حدودها، فإن أثرها سيكون لا محالةَ بالغًا؛ لما بينها من تباين كبير في الأهواء والأغراض والمصالح. ولهذا، حين وجد التحريف له منفذًا إلى العقائد المسيحية، لم يقف عند حدٍّ؛ فقد طال كلَّ الأصول العقائدية والتشريعية الكبرى، وانجرف بها عن صورتها التي جاء بها عيسى عليه السلام.
والتدخل البشري في رسم صورة العقائد المسيحية، أثر في تشويه معالمها النقية، وتنفير الناس من الدين المسيحي، وزيغهم عن قبوله، وتسبب في فتح منافذ واسعة للقدح في المسيحية، وساعدت على إدخال الفكر المسيحي في مآزق وصعوبات دينية وتاريخية كبيرة، كانت أقوى الأسباب في تقوية جانب نُقَّاد الدين، وإضعاف جانب أهل الأديان، وفي تأكيده على هذا المعنى
يقول ليكونت دي نوي:"إن إضافة الإنسـان إلى الديانة المسيحية، والتفسيرات التي قدَّمها، والتي ابتدأت من القرن الثالث، بالإضافة إلى عـدم الاكتراث بالحقائق العلمية، كلُّ ذلك قدَّم للماديين والملحدين أقوى الدلائل المعاضِدة في كفاحم ضد الدين"([1])، فأكثر الاعتراضات التي يلوِّح بها الملحدون وغيرهم في تبرير تمـرُّدِهم على الأديان، راجعة إلى تلك الإضافات الانحرافية الخرافية التي أُدخلت في الأديان المحرفة .
وبسبب التدخل البشري في صياغة الدين المسيحي، فقد أضحى متَّصِفًا بأوصاف قبيحة، كلُّ وصف منها يكفي في القدح في صحة الدين والنفور منه، فكيف بها مجتمعة؟! وتتحصل أهم تلك الأوصاف في المظاهر التالية:
المظهر الأول: التشبُّع بسِمات الأديان الوثنية؛فحين وقع التداخل بين العقائد المسيحية مع عقائد الديانات القديمة، واستعارة المسيحية منها كثيرًا من الطقوس والعبادات = أخذت تتشكَّل معالِـمُها بالسَّمت نفسه الذي كانت عليه تلك الأديان، وتتصور بالأنماط الفكرية والسلوكية التي كانت عليها، وتتشابه معها تشابها قويًّا جدًّا.
وتلك الديانات، فضلًا عمَّا فيها من وثنية؛ فإنها تتسم بالغموض وكثرة الأسرار، وانتشار الخرافات والأساطير في تعاليـمها، وتعتمد بشكل كـبير على الأرواح المغيَّبَة، التي تقوم بتخليص الناس من الشرور والأخطار.
وكانت تُصوِّر الإله بصورة مشابهة لصورة البشر؛ في قُدرته، وكيفية تعامله مع الأحداث، وفي أسباب غضبه ورضاه، وموجبات انتقامه وعذابه.
وهذه الأوصاف مع الوثنية، والتعلُّق بالمخلوقين وعبادتهم، شاعت شيوعًا واسعًا في اللاهوت المسيحي، وانتشرت فيه انتشارًا ظاهرًا، وهذا ما دعا بعض المؤرخين إلى أن يُدرِج المسيحية في نطاق الأديان الغامضة، ويجعلها آخرَ تشكُّلٍ من تشكلاتها([2])؛ ونتيجة لذلك، امتلأ الكتاب المقدس بالخرافات والأساطير والحكايات المستغربة، التي لا تستقيم مع دلائل العقول، وشاعت في الفكر المسيحي خرافات لا تكاد تحصى، سواءٌ ما تعلق منها بالأمراض، أو الأعشاب، أو النجوم، أو الزراعة، أو قُدرات الكهَّان([3]).
وحين تطورت مناهج الدراسات التاريخية في الفكر الغربي، وآليات التنقيب، وتيسَّر للعلماء دراسة الأديان القديمة؛ الهندية، والصينية، والمصرية، والبابلية، واليونانية وغيرها؛ استطاعوا أن يكشفوا عن مقدار العقائد الوثنية التي تسلَّلت بحذافيرها إلى اللاهوت المسيحي، وأن يقفوا على ضخامة الخرافات والأساطير التي تشرَّب بها؛ ونتيجة لذلك، أخذ بعضهم يقرِّرأن المسيحية ما هي إلا نموذج وثنيٌّ، جرى تكوينه من عناصر مختلفة من الأديان الشرقية القديمة، وأنها مجرد تجميع لخرافات وأساطير الناس في ذلك الزمان. وانتهى إلى أن المسيحية ليست أمرًا مبتكَرًا متعاليًا على الواقع، وإنما هي نسخة مكرَّرة مما كان يعتقده الخرافيون والوثنيون([4]).
وما زال نقَّاد الدين يلوِّحون بذلك التداخل العَقَدي في هجمتهم على الأديان ونقدهم لها، وما فتئ سلاحًا مشهورًا في وجه المدافعين عن التدين الصحيح والعقائد السليمة.
المظهر الثاني: الرضوخ للتطور والتعديل. فنتيجةً للتدخل البشري في الدين المسيحي، أضحت العقائد فيه خاضعة للرغبات البشرية، وقابعة تحت وطأة الظروف التي يمر بها المسيحيون، وبدأت تتشكل معالمها على حسب الحوادث، وأخذت الطائفة المسيحية تقوم بالإضافة والتعديل والتطوير في قانون الإيمان لديهم، بما يتناسب مع الأحوال التي يمرون بها، وأمست الكنيسة تُقيم المجامع باختلاف أنواعها؛ لأجل اتخاذ القرار في تحديد العقيدة الرسمية المناسبة للمسيحيين، وفي كل مجمع يُقرَّرُ شيءٌ جديد من العقائد، أو تُغيَّـر صـورة عقـيدة سابقة، فتسبب هذا في تبدد الوجهة التي يسير عليها الدين المسيحي.
وهذا الحال جعل من اللاهوت المسيحي لاهوتًا ناميًا ومتغيرًا باستمرار، وفي تأكيد هذه السمة البارزة يقول جون هيك في تقديمه لكتاب "أسطورة تجسد الإله في المسيح":"إن المسيحية على امتداد تاريخها،كانت حركة نامية متغيرة باستمرار؛ ونتيجة لذلك، نما لاهوتُـها في اتجاهات كثيرة غير محددة ... وكما قال إليوت: تُكيِّف المسيحيةَ نفسها باستمرار لوضع يمكن معه الاعتقاد بها"([5]).
فقانون الإيمان الذي تَعُدُّه أكثر الطوائف المسيحية أساسًا لعقائدها، كان خاضعًا للتطور؛فقد وُضع على مراحل متعدد، بعضُه كان في مجمع نِيقِيَة (325م)، ثم زِيد عليه في مجمع القسطنطينية (381م)، ثم زيد عليه فقرات عديدة في مجمع أفسس (431م)([6]).
وهذه السمة، التطور والتعديل، كانت أحد أهم الأسباب الداعية إلى ظهور نقد الدين في الفكر الغربي؛ لأنها كشفت عن المصادر الحقيقية للعقيدة النصرانية، فلو كان مصدره الوحي الإلهي لما خضع للتطور والتبدل، ولما كان خاضعًا لأهواء القُسُس والرهبان؛ فحين انكشفت سمة التطور، وظهر للعِيان أن العقيدة المسيحية خضعت للتعديل والتبديل عبر العصور؛ رفض كثير من الناس في العصور الحديثة قبول المسيحية([7])، وثاروا عليها وعلى فكرة الأديان جملةً؛ لأن المسيحية عندهم تمثل الدين المقدس الوحيد، فإذا كانت لم تَسلم من التدخل البشري، فكيف بغيرها؟! ولهذا صرح برتراند رسل بأنه ليس مسيحيًّا؛ لأن المسيحية لم تعد موجودة الآن([8]).
المظهر الثالث: كثافة المناقضة لمقتضيات العقول؛فحين دخلت أيدي العبث بالديانة المسيحية السماوية، وأضحت تحقن بعقائد وأفكار وثنية، غدت دينًا مليئًا بالتناقضات والتنافر بين عناصره؛ نتيجة لاختلاف المشارب وتنوع المنابع التي استقى منها محرِّفو المسيحية.
وأمسى التناقض والخروج عن مقتضيات العقل السليم سمة بارزة، ووصفًا ملازِمًا للَّاهوت المسيحي. ويصف المؤرخ زاليان ج. ويد جيري ذلك بوصف ظريف فيقول:"إن المسلَّمات الأساسية في العقيدة المسيحية، مع أنها مفارقة للعقل، تجـعل من الممكن إجراء عرض للحياة والتاريخ، يضم جميع الوقائع وجميع التناقضات!"([9]).
ومن أظهر تجليات التناقض والخروج عن مقتضيات العقل في العقائد المسيحية وأجلاها: قضية التثليث. وهذه العقيدة تمثل حجر الزاوية في اللاهوت المسيحي؛ إذ إنها تعد من أكبر المرتكزات التي تقوم عليها الديانة المسيحية المحرَّفة، ولا يكون المرء مسيحيًّا إلَّا إذا آمن بها، وهي محور قانون الإيمان، الذي تعدُّه كل الطوائف المسيحية أساسًا لها، ووصفته بأنه جوهر المسيحية، وخلاصة الإيمان المسيحي، والقسم الأصعب والسر الأعمق([10]).
وقد كثرت تعبيرات علماء النصارى في تعريف التثليث، وتوضيح معناه، وذهبت بهم المقالات طرائقَ قِدَدًا([11])، وخلاصة ما عندهم، أنهم يُقِرُّون بالإله الواحد، ولكنهم -مع ذلك- يجعلون الأقانيم الثلاثة متميزة عن بعضها، كلٌّ له صفته وخواصه الأزلية، وكل واحد منها يطلَق عليه اسم الله.
فهم يقولون: إن إلههم الواحد يتعين في الوجود في ثلاثة أقانيم، وكل واحد من هذه الثلاثة شيء مختلف عن غـيره، ومنفصل عنه، وهـي -مع ذلك- تشترك في جـوهر واحد؛ فالأقانيم الثلاثة ليست كائنات غيرَ الله، أو كائنات مـعه، وإنما هـي ذات الله نفسِه، ولكن الله يتعين في تلك الأقانيم الثلاثة المنفصلة([12]).
وهذه العقيدة بهذه الصورة، تمثل كابوسًا جاثـمًا على كاهل النصرانية، فإن علماءها عاجزون عن توضيحها وتبيانها؛ لما فيها من التناقض، وما زالت تثير بينهم مزيدًا من الجدال والانقسام([13]).
ونتيجة لكون هذه العقيدة مناقشة لبدهيات العقل؛ لجأ كثير من علماء المسيحية إلى كونها سرًّا لا يمكن معرفة كُنْهِه، وأن طريق الإيمان به هو التسليم المحض وليس العقل، وقد تتالى على تأكيد هذه السرية عدد كبير من علماء اللاهوت النصارى، وفي الإفصاح عن ذلك يقول القس إلياس مقار:"على أننا، ونحن نتأمل هذه العقيدة –التثليث- بشيء من التفصيل والتوضيح، لا مندوحةَ لنا من الاعتراف أننا إزاءَ سرٍّ من أعمق أسرار الوجود والحياة" ، وفي تأكيد ذلك يقول نقولا يعقوب:"لست أحاول تفسير عقيدة لم يستطع تفسيرها الأوائل، ولن يتوصل إلى إدراك كُنْهِها الأواخر"([14])، ويقول بنيامين بنكرين:"إذا أعلن الله لنا ثالوثَه في الكتاب المقدس، وهو جوهر المعتقد المسيحي، فنحن نقبله بالإيمان لا العقل، ولا نبحث فيه كأننا نَقْدِر أن نُدركه؛ لأنه يفوق العقل"([15]).
وهذا الموقف هو الذي استقر عليه اللاهوت المسيحي؛ ولهذا شاع في القرون الوسطى المقولة الذائعة الصِّيت:"لست أسعى للفهم لكي أعتقد، بل إني أعتقد لكي أفهم"([16]).
ومع هذه العقيدة، يغدو المرء متراوحًا بين موقفين؛ إما الإيمان بالعقائد المسيحية والتنكر لمقتضيات العقل الضرورية، وإما التسليم لمقتضيات العقل الضرورية والتنكر للعقائد المسيحية.
ولكن كثيرًا من العقلاء على مر التاريخ المسيحي، حزموا أمرهم، ولم يتخلَّوْا عن مقتضيات العقول السليمة؛ فتنكَّروا للعقيدة المسيحية، وثاروا عليها وحكموا ببطلانها.
وكانت الطبيعة المتناقضة مع العقل، هي أحد أهم الأسباب التي أدَّت إلى نفور الناس من الدين، وإلى حدوث ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي في الفلسفة الحديثة؛ فقد ذكرت مؤرخة الأديان الشهيرة كارين آرمسترونغ، أن عقيدة التثليث أربكت المسيحيين خلال القرن الثامن عشر -قرن العقل-، وحاولوا التخلص من هذا الارتباك، فكانت محاولاتهم إحدى العوامل التي أدت إلى ظهور نظرية: موت الإله([17])!!
المظهر الرابع: الانقطاع التاريخي؛ فقد أصيبت النصرانية، جرَّاء الاضطهاد والتحريف الذي طالها في لُبِّها وأصلها، أصيبت في كتابها المقدس، فضاعت أصوله وانقطعت أسانيده، فافتقدت الاتصال التاريخي بينها وبين رسولها عيسى u، وهذا حدث جلل وخطب كبير، وفي الأديان السماوية بالخصوص؛ فإنها قائمة على أن المشرع الأول فيها هو الله تعالى، وعلى أن الرسول هو المبلِّغ الوحيد لدين الله إلى الناس عن طريق الوحي.
ولا يمكن للمؤمنين المتأخرين عن الرسول في الزمان، أن يتصلوا به، ويتعرفوا على ما جاء به ويتيقنوا من ذلك، إلا عن طريق ما أبقاه لهم من وحي الله المنزَّلِ عليه.
ولأجل هذا، كانت منزلة الكتاب المقدس في الأديان السماوية عالية جدًّا، وتحتل مكان القطب وحجر الزاوية، وأساس الثبات الذي متى ما تهاوى انقضَّ كيان الدين من أساسه.
وتقتضي الضرورة العقلية أن يكون الكتاب المقدس، من حيث الأصل، ثابتَ النسبة إلى النبي، وصحيحَ الإسناد إليه، بل لا بد أن يصل إلى درجة اليقين والتيقن، وتقتضي –أيضًا- أن يكون متَّسِقًا مع نفسه، سالـمًا من التعارض والتنافر والتناقض بين مكوناته؛ إذ مصدره الله تعالى، فمن المحال أن يقع فيه ذلك([18]).
لكن الكتاب المقدس لدى المسيحيين، لا يُعرف لبداية كتابته تاريخٌ محدد، وهو لم يُكتب في زمن عيسى u، ولا في زمن تلاميذه، فإن أقدم تاريخ ذكر هو تاريخ إنجيل مرقس، وهو أقدم الأناجيل، وقد كُتب بعد رحيل المسيح بنحو خمس وثلاثين سنة([19]).
وهذا يعني أن الإنجيل غير متصل السند بمصدره الأول ، وهذه الحقيقة أفصح عنها عدد كبير من علماء اللاهوت والمختصين في تاريخ الأديان، وأكدوا على أن النص الأصلي للكتاب المنزَّل على عيسى uلا يوجد الآن، وأنه ضاع في غياهب التاريخ، وفُقِدَ في أحداثه المتتالية([20]).
ويدل عدد من المصادر التاريخية على أن أزمة توثيق الكتاب المنزل على عيسى u،ظهرت منذ زمن مبكر في الفكر المسيحي، فبعد رفع عيسى uوموت تلاميذه، أخذ النصارى في تدوين الإنجيل، كلٌّ على طريقته الخاصة، وكثرت أعداد ما دُوِّنَ منها، حتى ذكر بعض الباحثين أنها بلغت أكثر من مائة إنجيل! وتسببت هذه الكثرة في إحداث اضطراب شديد في الفكر المسيحي، وسعى الرهبان في حل هذه المعضلة، فبادروا إلى اختيار أربعة منها، وهي الأناجيل الأربعة المشهورة؛ مرقس، ومتَّى، ولُوقا، ويوحنا. وصيَّروها الأناجيل المعتمدة دون غيرها؛ ولهذا أكد عدد من الباحثين، أن الكتاب المقدس لم تتحقق مرجعيَّتُه بشكل نهائي إلا في القرن الرابع مع مجمع نِيقِيَة(325م)([21]).
ولكن المعـضلة لم تحلَّ بهذا الإجراء، بل زادت تعقيدًا؛ فقد أثيرت الأسئـلة حول شرعية هذا الاختـيار، وأصبحت المسـوِّغات التي اعتمد عليها المجتمعون في تخصـيص أربعة أناجيل بالصدق، تمثل أزمة معرفية في الفكر المسيحي، وهي باقية بلا حلٍّ إلى الآن!
ثم إن الأناجيل الأربعة تعاني من انقطاع في السند، وفقدان للطريق الصحيح الموصل إلى المصدر الأول، وهي -مع ذلك- متلبسة بإشكالات كثيرة، أثارت سيلًا عارمًا من الأسئلة، وعددًا كبيرًا من الاستفهامات التاريخية والعلمية، ومن تلك الأسئلة: مَن هم المؤلفون لتلك الأناجيل؟ وهل هم معروفو السيرة وموثوقون في الديانة والضبط؟ ومتى كتبت تلك الأناجيل؟ وأين كتبت؟ وهل هي صحيحة النسبة إلى مَن كتبها ؟وما المصادر التي اعتمدوا عليها؟ وما اللغة الأصلية التي كتبت بها؟ ومتى ترجمت؟ ومن الذي ترجمها؟ وما مدى دقة الترجمة وموافقتها للنص الأصلي؟
وعلماء اللاهوت المسيحي، لم يقدِّموا أجوبة مقنعة وواضحة عن هذه الأسئلة، وما زالت مثار إشكال وجدل واسع بين الباحثين المسيحيين.
وزاد من وطأة تلك الأسئلة، وقوة جانب القول بفقدان الاتصال التاريخي في المسيحية: ما بين الأناجيل من اختلافات وتناقضات واسعة؛ حتى غدت سمةً بارزة في الإنجيل، وقد قام عدد من الدارسين بجمع الشواهد الدالة على ذلك، فرصدوا عشرات التناقضات وعشرات الأمثلة على الأخطاء التاريخية، ومثلها من الأخطاء العلمية، وقد بلغت من الشهرة مبلغًا عاليًا([22]).
وفي الإفصاح الإجمالي بهذه الحقيقة، يقول روبرت كيل تسلر:"لا يوجد كتاب على الإطلاق، به من التغيرات والأخطاء والتحريفات مثل ما في الكتاب المقدس!!"، ويقول فالتر شميت:"لا توجد صفحة واحدة من الأناجيل العديدة، لا يحتوي نصُّها الأقدم على اختلافات عديدة".
وتذكر دائرة المعارف البريطانية أرقامًا كبيرة لعدد الأخطاء في الكتاب المقدس؛ فقد أكدت على أن "مقتبسات آباء الكنيسة من العهد الجديد، التي تغطي كلَّه تقريبًا، تظهر أكثر من مائة وخمسين ألفًا من الاختلافات بين النصوص!!"([23])، وهذا العدد ضخم جدًّا، وقد لا يخلو من المبالغة والتجاوز في العدد، ولكنه معبِّـر عن كثرة التناقضات في الجملة.
ولعل هذه الأزمات القديمة والحالية في الأناجيل، هي الدافع الحقيقي الذي دفع بالكنيسة إلى إخفاء الإنجيل عن الناس، وتحريم إظهاره ونشره بينهم، ومحاربة كل محاولة إلى نشره؛ فقد بقي الإنجيل في حيز الكتمان والسرية مدة زمنية طويلة، ولم يكن يطَّلع عليه إلا الخاصة فقط، وقامت محاولات كثيرة سعت إلى إخراجه، ولكن الكنيسة قامت بمحاربتها ووأْدها. ولما ظهر الإنجيل للعيان وانتشر بين الأنام، وانْثَالُوا عليه بالدراسة والتمحيص، اكتشفوا أنه لا يقوم على أساس ولا يستند إلى قاعدة، وهَالَـهُم ما شعروا به من انقطاع سنده، وما وجدوه من التناقض والاختلاف بين مكوناته، واهتز إيمان كثير منهم، وتساءلوا كيـف يعوَّل على الكتاب المقـدس وهـو يحتوى على تلك الإشكالات العلمية والتاريخية؟!
وكان هذا من أقوى الأسباب التي دعت إلى نفرة الناس من الدين، وتسببت في حدوث ظاهرة نقد الدين في العصور المختلفة.
المظهر الخامس: الاضطراب والغموض؛فقد كان لدخول العقائد الوثنية المتنافرة في عناصرها، وتعمق الانحراف الذي حلَّ بالعقائد المسيحية، أثرٌ بليغ في إحداث الاضطراب والتداخل في كِيان الفكر المسيحي؛ فقد انثالت عليه الأسئلة من كل حَـدَبٍ وصَوْب، وتتابعت الاستفهامات من كل جهة حول العقائد المكـوِّنة للَّاهوت المسـيحي، وحـول تاريخها، وأصلها، وارتباطها بالمسيح u، وأتباعه وتلاميذه.
وزاد من فاعلية تلك الأسئلة ومن سطوتها، ضياع كثير من المشاهد التاريخية للقرون الأولى للنصرانية، فأصبح الوصول إلى الحقيقة الواقعية لِـمَا كانت عليه، من أصعب الآمال وأعقدِها([24]).
ونتيجةً لذلك، وما صاحبه من ضياع المصادر الأصلية؛ كثُرت الاضطرابات، واتسعت الانقسامات بين الطوائف المسيحية في تحديد حقيقة العقائد الكبرى، التي يقوم عليها دينهم؛ حتى أضحى هذا الانقسام مَدْعَاةً للسخرية والاستهزاء بهم، ومنفذًا قويًّا للقدح في دينهم، وقد استثمره سلس -وهو من المناوئين للمسيحية– لإظهار الاستخفاف بهم، فقال:"إن المسيحيين تفرقوا شيئًا كثيرًا؛ حتى أصبح همُّ كل فرد منهم، أن يكوِّن لنفسه حزبًا!"([25]).
ويرجع ذلك في أغلبه إلى أن كثيرًا من العقائد المسيحية، تبدو غير متسقة مع مقتضيات العقول الضرورية، وغير منسجمة مع نفسها، فتسببت في إثارة مزيد من الاضطراب، ودفعت إلى طوفان من الانقسامات والانشقاقات. وفي تأكيد هذا يقول جورج كير في تعليقه على قضية العشاء الرباني:"إن قصة العشاء الأخير في لوقا، تعتبر كابوسًا؛ فهي تُثير مشاكل في أغلب مواضع دراسة العهد الجديد، كما أنها أعطت الأساس لطوفان من النظريات المتصارعة"([26]).
ويعد البحث في حقيقة المسيح uوتحديد طبيعته، من أعقد القضايا التي خاض فيها الفكر المسيحي، ومن أكثرها إثارة للاضطرابات والاختلافات، وهي من أضخم المسائل التي أثيرت في التاريخ المسيحي، حتى غدا سؤال حقيقة المسيح يوصَف بأنه سؤال الأجيال المتعاقبة في الفكر المسيحي([27])؛ ففي كل جيل تُثار إشكالات معرفية وعقدية جديدة حول حقيقة المسيح، وطبيعته التي كان عليها، وأخذت دائرة تلك الأسئلة تتسع شيئًا فشيئًا مع مرور الأجيال والقرون.
ومن تلك الإشكالات التي كانت محل جدل واضطراب: هل المسيح ذو طبيعة واحدة أم طبيعتين؟ وما عمل كل طبيعة؟ وهل يجب الفصل بين الطبيعتين أم يكفي التمييز بينهما فقط؟ وكيف تحقَّق الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح؟ وما الدور الذي يقوم به كل منهما في الأُقنُوم الواحد؟ وهل اللاهوت تألَّم مع الناسوت؟ وهل انفصل عنه عند الموت؟ وهل أُمُّ المسيح – مريم- أمٌّ للإله أم للناسوت؟([28]).
وغيرها من الإشكالات التي خاض فيها الفكر المسيحي، وأحدثت فيه صراعات عنيفة بين الطوائف الكَنَسية، وتسبَّبت في صدامات عارمة بين تياراتها، تناثر جرَّاءَها المسيحيون شِيَعًا وأحزابًا، وذهبت بهم الآراء كلَّ مـذهب، وأدخلت المسيـحيين في حالة من العَنَت والجدل الذي صرفهم عن أمور هامة في الدين.
وكانت تلك الاضطرابات الصراعية بين طوائف المسيحية، من أقوى الدوافع التي اعتمد عليها عدد من نقَّاد الديـن في الفكر الغربي الحديث للتشكيك في وجود عيسى u، والزعم بأنه شخصية خرافية لا حقيقة له في الواقع! وأنه لم يظهر في الوجود شخص بهذا الاسم!!
وأدركت الكنيسة أن تلك الانقسامات الواسعة، حول أصول العقائد، تمثِّل خطرًا حقيقيًّا على الدين المسيحي؛ فسعى الرهبان إلى حلها، وبادروا إلى إنشاء ما يسمى بـ"المجامع الكنسية"، وهي عبارة عن هيئات اجتماعية شورية تجتمع للبحث في حلِّ أمور متعلقة بالديانة المسيحية([29])، وعقدوا مجامع عديدة، كانت -في أغلبها- محاولةً لحل قضية تتعلق بحقيقة المسيح وتحديد طبيعته، فمجمع نِيقِيَة (325م) كان أحد أهم أسبابه الخلافُ الذي نشب بين المسيحيين في ألوهية المسيح، ومجمع القسطنطينية (381م) كان أيضًا بسبب الانقسامات التي وقعت بين المسيحيين في حقيقة المسيح، وهل هو مخلوق أم إله؟ ومجمع خلقيدونية (451م) كان للبحث في طبيعة المسيح، وهل هو ذو طبيعة واحدة أم اثنتين؟([30]).
ولكن تلك المجامع لم تحلَّ المشكلة، وإنما زادت الحالَ اضطرابًا وتعقيدًا؛ فكلما انتهى مجمع، تكاثرت الأقوال وتناثرت الآراء، فلم يزدد الشِّقاق إلَّا انشقاقًا، ولا الاختلاف إلا اتساعًا([31])، وأضحت العقيدة المسيحية جرَّاءَ ذلك، عقيدةً غامضة معقدة، لا يستطيع المرء أن يصل فيها إلى رأي يقيني في أصول دينه بطريقة سهلة ومريحة؛ ولهذا يقول شارل جنيبير:"أنشأت الكنيسة مجموعة عقائدية جديدة بالغة التعقيد"([32])، وفي تأكيد ذلك الغموض يقول ليكونت يدنوي في وصف ظريف:"إن العقيدة المسيحية، أصبحت لا يمكن أن تستوعب الغالبية العظمى من الناس في الوقت الحاضر أكثر مما يمكن أن تستوعب النظرية النسبية"([33])، ومن يعرف النظرية النسبية لأينشتاين، يُدرك عمق الوصف السابق؛ فهي من أعقد النظريات العلمية المعاصرة، وأصعبها؛ حتى وصفها بعض الباحثين بأنه لا يكاد يوجد في العالم اثنا عشر رجلًا يَعرف حقيقتها([34]).
وأصبح كثير من الدَّهْماء لا يفهمون طقوس المسيحية، ولا عقائدها الكبرى، ولا يدركون لها معنى، ولا يشعرون برُوحها، وكانوا يَعُدُّون المسيحية عبارة عن مجموعة من القوانين التي يجب عليهم الالتزام بها حتى لا تُسفك دماؤهم، ولا تصادَر أموالهم، وكان هذا الاضطراب والغموض أحدَ أهم الأسباب التي أدَّت إلى عزوف الناس عن المسيحية، وانصرافهم عن الدين إلى التعلق بأمور أخرى تتَّصف بالاتساق والوضوح والبيان، وتقدم لهم أجوبة واضحة لأسئلتهم الدينية والوجودية.
________________________________________________
([1]) مصير البشرية (205)، بواسطة: الجفوة المفتعلة بين العلم والدين، محمد علي يوسف (15).
([2]) انظر: قصة الحضارة، ول ديورانت (12/87).
([3]) انظر في توصيف الخرافات الشائعة في الفكر المسيحي: المرجع السابق (17/158-168)، ومظاهر الأسطورة، مرسيا إلياد (153- 158).
([4]) انظر: الأديان في شعوب العالم، سيرغي توكاريف (488-489).
([5]) أسطورة تجسد الإله في المسيح، (23، 24)، وانظر في إثبات التطور في المسيحية: الأديان في تاريخ الشعوب، سيرغي توكاريف (500)، وتاريخ الفلسفة الغربية، برتراند رسل (1/418)، ومدخل إلى الفلسفة القديمة، أ.هـ أرمسترونغ (215)، والمسيحية نشأتها وتطورها، جينيبير (158)، وأفكار ورجال -قصة الفكر الغربي-، كرين برنتن (179، 190)، والمسيح ليس مسيحيًّا،جورج برناردشو (28)، وموسوعة آباء الكنيسة، عادل فرج عبدالمسيح (1/217)، ودراسات معاصرة في العهد الجديد والعقائد النصرانية، محمد البار(386-408).
([6]) انظر: تاريخ الأقباط، زكي شنودة (1/178-179).
([7]) انظر: دراسات معاصرة في العهد الجديد والعقائد النصرانية، محمد البار (306).
([8]) انظر: لماذا لست مسيحيًّا- ضمن مجلة أنا أفكر، العدد السابع، (21).
([9]) المذاهب الكبرى في التاريخ (169)، بواسطة: الإسلام والمسيحية في الميزان، شريف محمد هاشم (272).
([10]) انظر: المسيحية في عقائدها، مجلس أساقفة كنيسة ألمانية (95).
([11]) انظر: تأثر المسيحية بالأديان الوضعية، أحمد عجيبة(430).
([12]) انظر في شرح هذه العقيدة: أديان العالم، حبييب سعيد (مؤرخ نصراني)، (300-302).
([13]) انظر: أديان العالم، حبيب سعيد (283)، وقضايا المسيحية الكبرى (60).
([14]) أبحاث المجتهدين في الخلاف بين النصارى والمسلمين، (66).
([15]) تفسير إنجيل متَّى، (51)، وهذا النقل والنقل الذي قبله كانت بواسطة: تأثر المسيحية بالوثنية، أحمد عجيبة (464-468). وانظر مزيدًا من الإقرار بتعالي التثليث على العقل: المسيحية في عقائدها، إعداد: أساقفة كنيسة ألمانية (97)، ومسيحية بلا مسيح (27)، والإسلام والمسيحية في الميزان، شريف محمد هاشم (268-279).
([16]) انظر: تاريخ الفلسفة الغربية، برتراند رسل (1/182)، وقصة الحضارة، ول ديورانت (17/61)، وتاريخ الفلسفة في العصر الوسيط، يوسف كرم (85).
([17]) انظر: الله والإنسان، (129).
([18]) انظر في شروط الكتاب المقدس: الأقوال الجلية في بطلان كتب اليهودية والمسيحية، محمد علي -كان مبشرًا قبل إسلامه- (9)؛ الفارق بين الخالق والمخلوق، باجه جي زاده (9)، والنصرانية، محمد أبو زهرة (81).
([19]) انظر: المسيح في مصادر العقائد المسيحية، أحمد عبدالوهاب (48)، وأديان العالم، حبيب سعيد (254).
([20]) انظر في جمع إفصاحاتهم: أديان العالم الكبرى، حبيب سعيد (254)،واختلافات في تراجم الكتاب المقدس، أحمد عبدالوهاب(23، 25)، وقصة الحضارة، ول ديورانت (12/210)، ودراسات معاصرة في العهد الجديد والعقائد النصرانية، محمد البار(34-81).
([21]) انظر: المسيح في مصادر العقائد المسيحية، أحمد عبدالوهاب (32، 35).
([22]) انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي، وهو من أجمع المؤلفات في هذا الباب، وهل العهد الجديد كلمة الله؟! منقذ السقار، واختلافات في تراجم الكتاب المقدس وتطورات هامة في المسيحية، أحمد عبدالوهاب (27-88)، والكتب المقدسة بين الصحة والتحريف، يحيى محمد ربيع (65-181، 225-322)، وقصة الحضارة، ول ديورانت (11/202-211)، ومعالم تاريخ الإنسانية، هربرت ويلز (3/550).
([23]) النقول الثلاثة السابقة بواسطة: هل العهد الجديد كلمة الله؟ منقذ السقار (17-18).
([24]) انظر: المسيحية نشأتها وتطورها، جينيبير (17، 26، 266).
([25]) قصة الحضارة، ول ديورانت (11/314).
([26]) المسيح في مصادر العقائد المسيحية، أحمد عبدالوهاب (136).
([27]) انظر: تاريخ الفكر المسيحي، حنا الخضري (3/12).
([28]) انظر: تاريخ الفكر المسيحي، حنا الخضري (2/564، 592)، المسيح إنسان أم إله؟! محمد مجدي مرجان (21-25)؛ معالم تاريخ الإنسانية، هربرت ويلز (3/564).
([29]) انظر: تاريخ الأقباط، زكي شنودة (1/170)، بواسطة: المجامع النصرانية وأثرها، لسلطان عبد الحميد (81).
([30]) انظر في التعريف بالمجامع الكنسية وبيان أسبابها: المجامع النصرانية وأثرها، سلطان عبدالحميد (85- 115).
([31]) انظر في توصيف ما يحدث بعد المجامع: تاريخ الفكر المسيحي، حنا الخضري (1/642-643، 3/175).
([32]) المسيحية نشأتها وتطورها، (127).
([33]) مصير الإنسانية، بواسطة: الجفوة المفتعلة بين العلم والدين، محمد علي يوسف (15).
([34]) انظر: كتبٌ غيَّـرت وجه العالم، روبرت داونز (327).
انقر هنا للوصول إلى صفحة الكتاب كاملاً.
انقر على الصورة للوصول إلى النسخة المصورة (pdf) قابلة للتحميل والنشر.
